الرئيسية » ” إفلاس الدولة: عجز عن وظيفتها و خلق لأضدادها ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج
سياسة و فكر مقالات

” إفلاس الدولة: عجز عن وظيفتها و خلق لأضدادها ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

دقت ساعة المحاسبة و كل تأخير في هذه المحاسبة هو مزيد من الإجرام في حق البلاد و الأمة.. دقت ساعة المحاسبة للنظام الجاثم على صدورنا لستة عقود و الذي لم يُقنع العقول و لم يَسكن قلوب الناس و ظل حالة عدوانية ماكرة يرتعب منها الجميع و يسعون بكل الطرق إلى تحايل عليها و التمويه للبقاء بالأقل على قيد الحياة و على قيد الرمق الأخير من الكرامة.. و اليوم اليوم صار الدرس لهذا النظام أبلغ و الإستنتاج أوضح و التصريح بالحكم عليه مع حيثيات الجريمة جاهزا و مفصلا، فقد بلغ الوسط السياسي حدا مروعا من العجز و الفوضى لا يقدر على معالجة أي قضية و حل أي مشكلة.. و أصبحت تونس الخيرة و الطيبة رهينة هذا العبث السياسي و التشريعي بيد ثلة تمثل النتاج و الحاصل الطبيعي للتهور و الغطرسة و التكبر البورقيبي الذي غفر لفرنسا استعمارها و لم يغفر لتاريخ الأمة لا في القليل و لا في الكثير، الذي احتقر حضارة الأمة و تبنى نقيضا لها سياسة التغريب مع ما يلزمها من تخريب للعلاقات و المفاهيم.. بورقيبة الذي احتقر الشعب و سماه “قبضة من غبار” و قال للناس (لو أعطيتموني أعينكم ما كفيتموني) و أشاع فيهم و انتشى بشعار يومي أصم الآذان(بالروح بالدم نفديك يا بورقيبة).. عار تاريخي ثقيل و مذلة ممدة و ممططة قتلت حيوية شعب و أمة و ممكنات سياسية عريضة.. و الآن لنعدد مراحل الفشل و الإفلاس لهذا النظام المتغطرس الظالم المظلم عبر عقود و سنركز على الفشل و العجز الذي وصلت إليه الدولة اليوم بعد الثورة، و هو عجز يؤذن بخراب العمران و يقتضي منا عدم المجاملة و لا المهادنة و لا المداراة و لا التأجيل فالأمر خطير و مصيري و نحن على شفا جرف هار.

1- مرحلة الإنقلاب القيمي البورقيبي: و الذي كان حادا و حاسما و قاسيا و كان باسم دولة الإستقلال و “شرعيتها” إذ واجه بورقيبة بل حارب أمهات القيم الإسلامية و سخر منها و صورها متخلفة و سمى الشريعة الإسلامية في جملته المشهورة(جوادا خاسرا) و تجرأ على جامع الزيتونة الضامن لثقافة الأمة قرونا و تجرأ على نخبته المثقفة و سخر منهم في خطبه و قام بحملة شعواء لاجتثاث الكتاتيب و لاحق القائمين عليها في كل مكان (حملة الدكتور محمود المسعدي)، لقد كانت هذه المرحلة انقلابية صدامية دموية إلى أبعد حد احتقرت موروث الأمة و مبدأها و أبلغ مثال على ذلك دعوة بورقيبة الصريحة المتكررة إلى الإفطار في رمضان و ما نتج عن ذلك من احتجاجات شعبية في القيروان خاصة أدت إلى استشهاد خمسة أفراد و اعتقالات بالعشرات، و رمز هذه المرحلة في القمع يمثله معتقلا “صباط الظلام” و “بيت النعوشة” المرعبين.

2- زيف تجربة التعاضد و فشلها: في سياق المد الشيوعي العالمي في الخمسينات و الستينات و لامتصاص هذا المد و الالتفاف عليه تبنت كثير من الدول الغربية فكرة اشتراكية الدولة بديلا عن الإشتراكية المنهجية المبدئية التي من شأنها أن تطيح بالنظام الرأسمالي، و هذه الإشتراكية الهجينة هي مجرد اعتراض سبيل و إجراءات اجتماعية ترقيعية فوقية محاصرة من كل جهة بالأخطبوط الرأسمالي الذي سيستغل هذه التجربة وقتا مستقطعا و هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس الرأسمالية و امتصاص غضب المستضعفين.. هذه هي حقيقة اشتراكية الدولة أدرك العملاء الصغار ذلك أم لم يدركوا. و هكذا دخلت تونس منذ سنة 1963 تجربة التعاضد التي كانت تعتمد على فرض الأمر الواقع بالمراسيم و القرارات لا بالمفاهيم و القناعات فخلفت حالة من التعسف و الفوضى و صراعا صاخبا داخل الحزب الحاكم بين مؤيد و معارض أدى إلى مكائد من عائلة بن عمار أي عائلة زوجة الرئيس ضد الهادي البكوش و أحمد بن صالح.. و بلغ الزيف أقصاه فيما أورده الطاهر بالخوجة الوزير الأسبق في مذكراته إذ قال “كنا نعرض على بورقيبة عند زياراته للتعاضديات غلالا و ثمارا أتينا بها من السوق المركزية و نقدمها على أنها من إنتاج الفلاحين المتعاضدين و دليلا على نجاح تجربة نعلم علم اليقين أنها في مأزق”، و بلغ المأزق ذروته بالصدامات الشعبية مع قوات الأمن و الذي أدى إلى القتل في مساكن و الوردانين وسط غليان و احتقان عارمين.. و تأكيد لهذا الفشل تبرأ بورقيبة من أحمد بن صالح يده اليمنى و الوزير بخمسة مناصب أو كما يسمى(وزير كل شيء) و أدخل السجن بتهمة الخيانة العظمى مع ثلة من السياسيين، بل إن أحمد القديدي يقول”إن بورقيبة أمر بقتل بن صالح غيلة و لكن وسيلة بن عمار سهلت هروبه من السجن لتجنب المأساة”.. في أيام حالكة مرعبة صار فيها عامة الناس حيارى أعلن بورقيبة عن فشل هذه التجربة و صار النظام عدو نفسه و عدو منهجه المعلن الذي فاخر به قرابة العقد بل صار النظام عدوا لرجالاته و رموزه.

3- فشل التجربة اللبرالية الأولى: التي قادها الهادي نويرة و التي أدت بعد سياسة الانفتاح قوانين الإستثمار 72 سيئة الذكر إلى حركة عمالية واسعة ذات خميس أسود 26 جانفي 1978 أتت على الأخضر و اليابس و أدت إلى قتل ما يقارب 300 شخص مع خراب لا يوصف، زائد التكتم عن حقيقة القتل و الاعتقالات العشوائية الواسعة و هو تكتم مستمر إلى يومنا هذا. كانت هذه الإهتزازات بُعيد إعلان بورقيبة نفسه -دستوريا- رئيسا مدى الحياة رغم التاريخ و رغم السياسة و رغم تبجحه بالنظام الجمهوري و رغم أنه و حزبه لا يملك موطئ قدم في الكليات و الجامعات.

4- فشل التجربة اللبرالية الإصلاحية مع محمد مزالي: و التي اتسمت بالفساد و الإفلاس إلى حد أن مدخرات البلاد من العملة الصعبة لم تعد تكفي لتغطية صادرات 7 أيام.. مع انتفاضة نقابية كبرى أدت إلى اعتقالات واسعة وصلت إلى حد اجتثاث القيادات التاريخية للاتحاد العام التونسي للشغل، و هذه التجربة المزعومة إصلاحية استهلت بانتخابات مزيفة سنة 1981 تندر بها القاصي و الداني، أما علامة الفشل الفارقة لهذه المرحلة فهي ثورة الخبز جانفي 1984 التي شملت البلاد كلها و أدت إلى مواجهات عنيفة و إلى قتل المئات و قد أراد بورقيبة حينها توريط الجيش مع الشعب في صدام كان يمكن أن يكون مروعا و ما زاد الطين بلة هو تورط وزير الداخلية إدريس قيقة في تعفين الأجواء لإسقاط مزالي بإيعاز من وسيلة بورقيبة.. و هكذا لم يعد للنظام ما يبشر به و لا حتى ما يموه به و أدخل البلد في صراع قذر قديم جديد تمثله أجنحة الحزب الحاكم حول خلافة بورقيبة العاجز العجوز الذي تحدى الجميع و قال(خلافتي لن تكون غدا، سأعيش للمؤتمر القادم) و أصبح رئيس الدولة متوترا متقلبا يقرر في الصباح و يبطل قراراته في المساء في بهتة من الجميع و ذهول.

5- الفشل الذريع لسياسة التغيير و وهم “التحول المبارك”: سئم الناس من دولة لا ثابت لها متناقضة يلعن بعضها بضعا، بين ناسخ و منسوخ.. و سئم الناس من حزب حاكم متحكم في كل صغيرة و كبيرة، متغطرس حصر الحكمة فيه و احتكر القيادة.. فعلا رغب الناس في التغيير بمفهومه الشامل و العميق و لكن “تغيير السابع من نوفمبر” كان من صلب نفس النظام و نفس الحزب و بنفس الوجوه أي كان رسكلة للباطل و الفساد أريد به التمويه و التنفيس فقط.. لذلك سرعان ما انكشف وجه النظام دكتاتوريا كالحا فاسدا لقبته الثورة فيما بعد بـ”عصابة السراق” و طالب الناس في صيحات مدوية بإسقاطه “الشعب يريد إسقاط النظام” لا مجرد اسقاط الرئيس و حزبه.. و فعلا كانت الثورة إدانة صريحة لدولة الفساد و إرهاب الدولة أي للنظام برمته و بما يستبطنه من غطرسة و انتهازية و تسلط و عجز عن رعاية شؤون الناس.

6- فشل تجربة الديمقراطية و التوافق بعد الثورة في وقت قياسي خلف عند الناس الإحباط و الخوف من المجهول و هذه التجربة بما هي امتداد طبيعي و منهجي للنظام الجمهوري هي أكبر مخادعة في تاريخ تونس لأنها زعمت الثورة و الثورية و مارست ضدها و عكسها و تفاخرت بالمحافظة على المكاسب -و أي مكاسب؟-.. لأجل كل هذه المخادعات و الخيبات بعد أمل عريض في الثورة صار الناس اليوم لا يهتمون بألوان الأحزاب الحاكمة و لا بخطاباتهم فكلهم بين سيء و أسوأ و عاجز و أعجز بلا بارقة أمل و لا طموح.. حكام جدد كبر عليهم أمر الثورة فعملوا على إلغائها و امتصاص حيويتها لينخفض الطموح الشعبي إلى مستوى رداءتهم بعد تيئيس الناس و تعجيزهم و تخويفهم المتعمد بغول الإرهاب (و التاريخ سيفضح مقدار التآمر في هذه المرحلة).
الدولة اليوم بعجزها الطبيعي و المصطنع يراد لها أن تكون بلا شوكة و لا غلبة فاقدة للإرادة و عاجزة عن تسيير هذه الإٍرادة.. و مع كل خطوة عجز تتولد على هامش الدولة القوى والوضعيات الموازية لها.. فالسياسة لا تحتمل الفراغ أي أن ما تعجز عنه الدولة يعبر عن نفسه على هامشها و بجوارها طفيليا و عشوائيا.. مثلا، مقادير المال الفاسد المتداول اليوم عادلت بل فاقت التداول الرسمي المعلن.. و الجريمة تنامت كما و نوعا (ما يقارب 150000 جريمة في السنة أي بمعد ثلاث جرائم كل ساعة)، و هذا معناه أن الجريمة تتحدى المنظومة العادية بجانبها التشريعي و الإجرائي و تتجاوزها، أي أنها تعبر عن فضاء آخر مواز من العلاقات و المعاملات و القيم (ناخذ حقي بيدي)، و التعليم الموازي الذي ينفق عليه التونسيون عشرات المليارات سنويا هو تأكيد ضمني على فشل المنظومة الرسمية و آلياتها و ضوابطها و هو ميلاد فضاء هامشي استثنائي يستحوذ رويدا رويدا على الأصل، و قل مثل ذلك عن الهجرة السرية بالآلاف و أضعاف أضعافها نوايا كامنة في صدور الناس، أليس في هذه الهجرة إعلان ضمني و شعبي عن رغبة في انتماء جديد مواز و معاش مواز جديد؟ و نظام مغاير جديد لا تشمله قوانين الدولة التي لا يكترث بها هؤلاء المهاجرون و لو كان أملهم في البقاء أحياء لا يتجاوز في الرحلة 10 بالمائة.. و التجارة الموازية بما هي خلق للثروة و توزيع لها وفق آلية يرفضها القانون و يمنعها، نراها تتنامى و تتحايل و تبتكر كل أنواع الإنفلات في قطاعات عريضة و حساسة لإشباع الجوعات و كفاية الحاجات، أليست هذه التجارة بهذا الحجم الهائل هي إعلان لا يقبل الرد على أن رعاية الناس لشؤونهم ذاتيا تخلق دولتهم الموازية الخاصة و تنجح في ما فشلت فيه الدولة الرسمية و تمثل إدانة للنظام.
فاضت على جوانب الدولة الفاشلة موازياتها و نقائضها و بدائلها بطريقة عشوائية و لكنها تلقائية لتشهد و تؤكد أن الهامش أقوى من الأصل و هو يتقوى كل يوم أكثر فأكثر و له مبرر وجوده و مبرر استمراره.. ثم و هذا الأهم، عجزت الدولة عن تطبيق الإسلام منهج حكم و اقتصاد و حياة و هذا الفرض هو من أهم وظائف الدولة تشهد به آلاف الآيات و الأحاديث، زائد أن الدولة فشلت في تبني خطاب إسلامي متماسك فقدمت برامج تعليم مسيخة و خطابا مسجديا ضحلا شاهدا على نفسه بالزور و النفاق.. لهذا الفشل و ذاك و هذا العجز و ذاك فاضت على جوانب الدولة و رغما عنها التعبيرات المناوئة الساخطة الرافضة للعلمانية و هي تعبيرات تمثلها حركات إسلامية بطابعها السياسي الكاسح و الشعبي أو بطابعها المتنطع و المتهور و كلاهما شاهد على عجز الدولة و فشلها في القيام بواجبها.

******************
إذن، ماذا بقي للدولة و قد فشلت و عجزت عن الأقصى و الأدنى و قصرت في المهم و الأهم؟؟ ماذا بقي لدولة كل وظائفها الطبيعية معطلة؟؟ ماذا بقي لدولة تعجز عجزا فاضحا عن تولي القضايا الأولية ذات الرمزية السيادية و التي هي في عرف الدول لا تنازل عنها و لا تفاوض فيها مثل:
-رفض الإملاءات الإستعمارية لصندوق النقد الدولي و البنك الدولي الذين يشرفان اليوم إشرافا شبه تام على اقتصاد البلاد و يمارسان شتى أنواع الوصاية.
– رد ثروات البلد (أو بالأقل مجرد إحصائها) لتكون ملكية عامة لصالح الشعب و الأمة و الجميع يعلم جبن هذه الدولة في الإشارة لهذا الموضوع و لو من بعيد و لو تلميحا.
إنه الإفلاس غير المعلن و العجز غير الموثق فالدولة تخلق كل يوم مزيدا من الموازيات لها أي ما يساوي السوق السوداء و المعاملات السوداء و القيم السوداء و الإرهاب الأسود، و تتأكد الفضيحة الكبرى حين نتأكد أن جهات نافذة في البلد و أشخاصا مسنودين مرعبين هم فوق القانون يمثلون لوبيات سوداء تهدد ما بقي من الدولة بسحب أموالها أو تحويل وجهتها، و تهدد، نعم تهدد ضمنيا بل تمارس الغدر و الإرهاب و الاغتيال الصامت و التصفية للحفاظ على مواقعها و مصالحها و التكتم على جرائمها و لأنها متمترسة و موازية فإنه لا يشملها نظر و لا تحقيق و لا حتى مجرد شبهة.. إنها القوة الموازية بامتياز. ماذا بقي من الدولة بعد أن عجزت منظومتها التشريعية العادية و سياستها المعلنة العادية عن الإيفاء بواجب رعاية شؤون البلاد و العباد.. بعد أن عجزت نراها تلاحق الموازيات بالقوانين الإستثنائية الشاذة القمعية كقانون الإرهاب و قانون حماية الأمنيين و العسكريين و قوانين الجباية التي تكشف السر البنكي و تبحث عن المال بالتمشيط و ملاحقة النوايا و هي بهذا تزيد الطين بلة و تولد مزيدا من الموازيات بل تولد أضدادها.. إن انكماش دائرة الدولة و تعويضه بمزيد من القمع و الغطرسة هو تسريع و دليل إضافي على انتهاء العمر الإفتراضي لهذه الدول المصطنعة و أنها فعلا في حالة احتضار.
يقول عبد الرحمن بن خلدون :”عندما تنهار الدول يكثر المنجمون و الأفاقون و المتفيقهون و الإنتهازيون و تعم الإشاعة و تطول المناظرات و تقصر البصيرة و يشوش الفكر”.
الأستاذ رضا بالحاج
في 26 أفريل 2015

أترك تعليقا

تعليقات

أماني بوزيد

أماني بوزيد عضو إدارة التحرير بموقع الصدى من مواليد جوان 1991، أصيلة ولاية سوسة، طالبة هندسة إختصاص إعلامية، متحصّلة على عدة شهادات في مجال التنمية البشرية "قوة التفكير، القيادة السياسية"

%d مدونون معجبون بهذه: