الرئيسية » ” إلى وزير التربية.. الإصلاح يقتضي الصلاح، فأين هو؟ ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج
التزويق و الديكور

” إلى وزير التربية.. الإصلاح يقتضي الصلاح، فأين هو؟ ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

صرح وزير التربية الناجي جلول أنه منشغل بأمر إصلاح التعليم و أنه “سيدعو حتى حزب التحريرللمشاركة في الحوار حول الإصلاح”.. هكذا دون حفظ للمقامات و بكل منّة و بتكرم و تنازل من الوزير!!.. (حتى حزب التحرير) هذا التصريح و بهذه الصيغة يدل و للمرة الألف أن النظام القائم متوتر و متناقض و يدعو فعلا إلى الشفقة.. و جوابنا الأولي للسيد الوزير: مَن أصحاب الدار و مَن الدخلاء؟ مَن عليه الانتظار في السقيفة و اجتياز الإختبار و الإمتحان ؟ و مَن هو الأصيل المالك و الوريث؟.. الجواب معلوم طبعا: علمانيتكم شذوذ أيديولوجي و فكري و قيمي و هي إلى حد الآن مكروهة منبوذة رُفع في وجهها الشعار المرعب “DEGAGE”
و قد مُسكت هذه العلمانية متلبسة بكل أنواع الإجرام و الفساد و الإفساد.. أما الطرح الإسلامي الذي يقوم عليه حزب التحرير فيُدَعّمه و يزكيه و يطلبه حثيثا عقبة بن نافع و بن شباط و عبد الرحمن بن خلدون و خير الدين باشا و عبد العزيز الثعالبي و الطاهر بن عاشور و عبد الرحمن خليف و من قبل ذلك سند الآيات و الأحاديث مع سند شعبي عارم.
إلى السيد الوزير، إن الحديث عن حزب التحرير صاحب المكتبة المليونية و الأجيال الثلاثة و خبرة الكفاح و الميادين لا يكون بصيغة (حتى) الدالة في العربية على جمع ما يُستبعد وقوعه بل يكون بصيغة (خاصة) الدالة على التميز و الإمتياز لأن حزب التحرير فيما أعلم ليس مثل نظامكم الملفق المرقع المعقد المركب بكل أنواع التناقضات و الذي في خمسين سنة فقط أنتج هذا الوضع المزري المسيخ الذي لا يكاد يُبين و هذا المنحدر الحضاري الذي لا قرار له.. و لكن سنفاجئكم بأن حزب التحرير يرفض الصيغة الأولى (حتى) و يرفض الصيغة الثانية (خاصة) ببساطة لأن البديل الحضاري المبدئي العالمي الذي يملكه حزب التحرير هو من كنوز الأمة و لا يمكن و لا ينبغي أن نلقي بالكنوز في أوحال النظام الرأسمالي و عفنه.. فكيف يمكن أن يُعلّم في نظامكم دين من أبرز أحكامه ما يخص قيام الدولة و نظام اقتصادها و اجتماعها… كيف يمكن ذلك في دولة تفصل الدين بل تزيحه قهرا عن الحياة و تتعمد بل تتفنن في تجفيف المنابع؟ و كيف يمكن أن يُعلّم دين يدعو إلى الإنفكاك من الإستعمار و إقامة الصناعات الثقيلة و العسكرية على وجه الوجوب في نظام علماني يستأذن الغرب في الصغيرة و الكبيرة بل و هذا الأدهى و الأمر يقول الوزير إنه سيُجري هذا الإصلاح العظيم و الثوري تحت إشراف البنك الدولي و بتمويل منه و إرشاد من المنظمات الأممية!!.. المسافة بينكم و بيننا كالمسافة بين الثرى و الثريا.
أنتم ببساطة تفتقدون مؤهل الإصلاح و لو في حده الأدنى و تجريب المُجرب هو أكبر حماقات الأمم و الشعوب:
1- أزحتم عن الأمة عصب الحياة أي تطبيق الإسلام حكما و اقتصادا و اجتماعا و سائر السياسات، فعلتم ذلك بكل شدة و عسف و حرص حتى لا يُمس مقدسكم الوضعي المدني، قال تعالى: “و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا”، و الحال أنكم ارتكبتم جريمة فصل الدين عن الحياة فهل سيكون التعليم إستثناء فيأتي بخير الأمة و مبدئها و حضارتها ؟؟ طبعا لا! إن ما تفعلونه عبث منهجي ضد طبائع الأشياء فالتعليم حمّال لمفاهيم الدولة و دولتكم عنوانها الرسمي فصل الدين عن الحياة، و حتى مادة التربية الإسلامية الهزيلة جدا فإن وجودها يخالف مهمة الدولة العلمانية.. هي فقط من باب الإيهام و ذر الرماد في العيون لتستولي الدولة على الدين و تجعله مؤطرا بما يوافقها و تحت نظرها و احتكارها و لتمنع إنبثاقات هذا الدين و أول إنبثاقاته ما أقامه الرسول صلى الله عليه و سلم في المدينة أي الدولة الإسلامية.
2- كيف للتعليم أن ينصلح و عملية الإصلاح الإستعراضية ستكون كما قلتم تحت إشراف البنك الدولي و تمويله و هو الذي يشترط حتى في القروض الموجهة للصناعات و الإقتصاد عامة يشترط ما يناسب طبيعة النظرة الرأسمالية و العولمية أي النظرة الغربية و إن كانت الإجراءات مؤلمة و تعسفية، و قد قالت كاترين آشتون مفوضة الإتحاد الأوروبي أكثر من مرة: إن القبول بالمثلية الجنسية و النظرة الغربية للمرأة و الشباب و اقتصاد السوق هي شروط فوق التفاوض و من ضمنيات أي قرض.. و تعلم -سيادة الوزير- أو لعلك أُعلمت أن صندوق النقد الدولي قد حذر تونس و أمهلها سبعة أشهر لتطبيق الإصلاحات التي فرضها عليها.. و البلد بذلك ينحدر بسرعة عجيبة إلى استعمار مكشوف.. و شروط القروض في التعليم أدهى و أمر لأنها تتعلق بالمفاهيم و الأفكار و العقائد و الرؤى، و هي منطقة لا تسمح الأمم المحترمة فضلا عن أمة الإسلام أن تكون تحت القيد و لا الشرط و لا المفاوضة و لا الإملاء ( يا للعار أن يبرر الوزير مثل هذا التمشي و يسخر من الذين رفضوا أو نقدوا تمويل البنك الدولي و إشرافه!! ) و هذا الإصلاح المزعوم لا يقتضي جهدا جهيدا و لا عناء كبيرا لتدرك نتائجه الكارثية فهي معلومة بداهة و الشيء من مأتاه لا يستغرب بل ينتظر:
– إعادة صياغة الإسلام ليكون هشا لينا مطواعا لعقيدة فصل الدين عن الحياة أي الرأسمالية العالمية.
– بخس تراث الأمة(التشريعي و الفكري و العلمي و الأدبي..الخ) حقه في التعليم حتى لا يصنع عند المتعلمين إحساسا بالعزة و من ثم بالقدرة أي حتى يمنع الأمة من مجرد التفكير في استعادة دورها الحضاري.
– هضم اللغة الأم -أي اللغة العربية- حقها لأن اللغة هي حارس ثقافة الأمة و هي المعبر عنها و هي التي تضمن مزج الطاقة الإسلامية بالطاقة العربية و اللغة عند العارفين هي و الفكر صنوان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
– منع أن تشمل العلوم المُدَرَّسة السر التكنولوجي و المحظورات العلمية و الصناعية و إنما أن تكون العلوم تجريدا و تنظيرا في حده الأدنى و تحت نظر الجماعات و الأكاديميات الغربية (و لنا في هذا دراسة مطولة).

3- كيف يكون الإصلاح سيادة الوزير و أنتم تفتقدون الأفق ؟ فأي أفق أنتم قادرون عليه للبلاد و العباد حتى تجعلوا التعليم ممهدا لهذا الأفق و ضمن سياقه و مشموله، فأين الدولة من إقامة صناعات ثقيلة؟ و أين أنتم من الصناعات العسكرية؟ بل أين أنتم من استرجاع ثروات البلد و القدرة على استخراجها؟ و أين أنتم من امتلاك التكنولوجيا الحديثة الدقيقة إنشاء لا اتباعا و ما يقتضي كل ذلك من مهندسين و خبراء و مدراء و أجراء و مراكز بحث و مختبرات و ما يفتحه ذلك من آفاق للنابغين و العباقرة و المخترعين و المكتشفين؟.. رصيدكم صفر حضاري واقعا و تخطيطا و أنتم تصنعون -علمتم أم لم تعلموا- اليأس و الإحباط فلا وقت للأمة تعطيكم إياه لا أملا و لا توقعا و لا انتظارا.

**أما ما يتعلق بحزب التحرير الذي أشرتم إليه في تصريحكم الإذاعي فإن كان قصدكم منه استدراج الحزب لتعميم رداءة نظامكم عليه فنحن أذكياء و لا نسقط هذه السقطة.. و إن كان المقصود الذَّم و القدح فإنكم لا تقدرون عليه و الحال أن على حكومتكم القاصفات العاصفات من شعب مقهور قرر تجديد الأنفاس و فتح كل الملفات و إتمام ثورته.. نحن لا نعيش غربتكم و عزلتكم عن الناس لنا الكافي و الوافي من أمان الناس و حبهم، نمر بينهم فلا نسمع إلاّ سلاما سلاما و ينزل الواحد منكم إلى الشارع -إن فعل- قبل وصولكم إلى الحكم و بعده فلا يسمع إلاّ أُفّ و تبّا و بُعدا.. أيادينا نظيفة من مال قذر يعلم خبره عندكم القاصي و الداني و أيادينا نظيفة من دم حرام و يعلم الجميع شبهته على عصابة السراق و مافيا السياسة أصحاب ربطات العنق و البدلات الأنيقة (و الأيام القادمة ستكشف الحقيقة الفاجعة) و أيادينا نظيفة من تدليس إنتخابات يعلم الجميع فضيحتها العالمية في نظام بورقيبة و نظام بن علي و يعلم الجميع مهزلتها في انتخاباتكم الأخيرة حتى أن الحزب الفائز اندثر و تبخر بعد الإنتخابات بشهرين بل أقل.. كأن لم يكن، في انتخابات شارك فيها جدّي و أعمامي و أخوالي و هم أموات منذ السبعينات و أمثالهم بالآلاف و القوائم عندنا.. جربتم فخبتم، فما هي حصيلتكم؟ عدى رفع بعض الأمية بمفهومها التقليدي الأوّلي و عدى بعض الثقافة التغريبية التي خلقت الضديد لمبدأ الأمة و مشروعها و هي عند قلة قليلة تعيش غربة الزمان و المكان و الإستعلاء المزيف.. و عدى بعض العبقريات الفردية الطائشة هنا و هناك و المتروكة لنفسها غير المشمولة بأي مشروع حضاري لأمتها.. هاجرت أو هُجّرت أو إنها تعيش المرارة و الغصة في بلادها.
كل من جاء قبلكم ادّعى في العلم فلسفة و في الفلسفة علما و انتحل صفة الصلاح و الإصلاح و ها نحن اليوم نجني النتائج الكارثية و نذكركم ببعضها:
1- وصلتم بتونس إلى آخر المراتب العالمية في التعليم و مرتبة الجامعة التونسية عالميا تقارب رتبتها السبعة آلاف و هي مرتبة مخزية بكل المقاييس.
2- انقطاع أبنائنا عن التعليم سنويا بما يفوق 100 ألف حالة و ما يعني ذلك من انفلاتهم من أي تأطير و جعلهم فريسة أنواع من الضياع.
3- نسبة المخدرات بين أوساط التلاميذ ذكورا و إناثا مرعبة و هي فوق السيطرة و المتابعة و قد أضفتم لنا رقما أكثر رعبا هذا الأسبوع بأن 40 % من الطالبات مارسن الجنس أكثر من مرة في الجامعات و المبيتات الجامعية!!
4- نسبة مساهمة العرب مجتمعين في الاختراعات العلمية هي دون 2%، و معدل المطالعة سنويا بالبلاد العربية لا يتجاوز في دراسة اليونسكو 6 ثوان في السنة في مقابل الساعات الطويلة في أوروبا، و نسبة الترجمة من العربية و إليها في البلاد العربية كلها لا يساوي ما تترجمه اليونان وحدها في أربعين سنة.

في كلمة-سيدي الوزير-: هذه الأنظمة العربية هي فضيحة حضارية نعتذر لأحفادنا عنها و نظامكم في تونس دمر أجيالا منهم من ذهب فريسة تضليل أيديولوجي إلحادي لعشرات السنين و منهم من تبنى طريق الرذيلة و فلسفتها فصار كالأنعام بل أضل(نموت و نحيا و ما يهلكنا إلاّ الدهر).. و مئات الآلاف من شبابنا بين عطالة و بطالة بلا أدنى أمل.. و ها أنكم اليوم تتمادون في تدمير الأجيال فتعترفون إعترافا رسميا بالجمعيات الداعية إلى الشذوذ الجنسي لتقيم الندوات و تنشر دعوتها و تمارس كل قناعاتها محمية بالقانون و برجال الأمن.. و في تونس الخضراء نسبة جمعيات عبدة الشياطين هي الأعلى في العالم العربي قياسا بعدد السكان و هي محمية الآن بحرية الضمير المنصوص عليها في الدستور.
في كلمة، اختطفتم أبناءنا و فلذات أكبادنا و تركتموهم بلا وازع و لا رادع و لا إحساس بالمسؤولية و لا أمل في حياة كريمة، فعن أي بناء و عن أي إصلاح تتحدثون؟
وإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

الأستاذ رضا بالحاج – الناطق الرسمي لحزب التحرير –
24 ماي 2015

أماني بوزيد

أماني بوزيد عضو إدارة التحرير بموقع الصدى من مواليد جوان 1991، أصيلة ولاية سوسة، طالبة هندسة إختصاص إعلامية، متحصّلة على عدة شهادات في مجال التنمية البشرية "قوة التفكير، القيادة السياسية"

%d مدونون معجبون بهذه: