الرئيسية 10 مقالات 10 سياسة و فكر 10 “البرلمان الجديد بين الاستحالة و العبث ” .. بقلم الناشط السياسي فراس العيني

“البرلمان الجديد بين الاستحالة و العبث ” .. بقلم الناشط السياسي فراس العيني

 

بدأت معالم المشهد السياسي الجديد تتضح أكثر فأكثر و بدأ غبار الانتخابات ينجلي عن طبيعة المرحلة السياسية القادمة خاصة حين متابعة الجلسة الأولى للبرلمان الجديد و ما أحاط بها، جلسة مطولة و ممددة، تنيخ الرحال لتوافقات و صفقات تبدد الآمال و تحطم الطموحات و تكسر خواطر المنتخبين سواء كانوا من هذا الحزب أو ذاك.
حين النظر للأمور من منظور الأصل و الأساس يرى المرء جسامة المسؤولية و عظمة التكاليف وثقل الأمانة التي يحملها نائب عن الشعب في مجلس نواب الشعب فينكب الاهتمام مباشرة على رسم التصورات و يتجه الجهد رأسا نحو إعداد البرنامج الذي يحتوي المرحلة و يستجيب لمتطلباتها و في مستوى مقتضياتها، البرنامج الذي يكون حقيقة وفيا لتطلعات شعب يتابع الأمور بعين الرقيب، لا يصمت ولا يعيى من المساءلة و المحاسبة  و إن بدت عليه علامات الإحباط و الاستياء.
و لكن كم هي غارقة في الاستثناءات وضعية تونس السياسية و كم هي مبنية على الإكراهات و حالات الطوارئ.
فقد شاهد الجميع الجلسة الأولى للبرلمان الجديد التي امتدت على يومين و كيف يتم تقسيم الكعكة حتى في فتاتها و فضلاتها (النائب الأول و النائب الثاني لرئيس البرلمان)  بطريقة مبتذلة أسقطت كل أوراق التوت عن مشهد سياسي لا حديث فيه إلاّ عن التوافقات و تقسيم السلطة، فيه من النفاق ما لو كان له رائحة لأزكم الأنوف، فالمعادلة العددية لمقاعد البرلمان تسمح لكثير من الأحزاب أن يكون لكلمتها وزن فأسالت لعابهم و سياسة التوافقات تزيد الوضع هشاشة من خلال السعي لترضية جميع الأطراف.
و حين توسيع مجال المتابعة ليشمل الصحافة المكتوبة و المسموعة و المرئية تجدها غارقة في نفس المستنقع بل تمارس هوايتها المفضلة في تهويل مشاهد التكالب على السلطة تصورها و تعلق عليها كمباراة لكرة القدم و تمارس هواية تقزيم القضايا المفصلية و المواضيع الأساسية فلا وجود لتلك الصحافة التي تكون العين الصادقة التي يبصر بها هذا الشعب واقعه و أحواله و لا وجود لأولئك الصحفيين الذين يزيلون الأتربة عما يتم تغييبه من مواضيع و قضايا.
و من أهم الأمور التي لا حديث عنها و لا من يثيرها و لا من يحرك تجاهها ساكنا هي المهام التشريعية للبرلمان الجديد التي هي سبب وجوده و علّة تشكّله و من جملة هذه المهام مناقشة قانون المالية لسنة 2015 خاصة و أن الآجال القصوى لمناقشته قد اقتربت، و لكن “جماعة تحت القبة” لا زالوا يتغنون بانتصاراتهم و يعيشون غمرة أفراحهم بمقاعدهم و يجرون وراء قطعة من قطع السلطة التي يتم تقسيمها .
و من أهم مهام هذا المجلس إعادة النظر في جل المجلات القانونية التي يشملها التعديل بما يقتضيه الدستور الجديد بل إن هنالك من المجلات القانونية ما سيتم العمل على إعادة صياغتها و إدخال إصلاحات جذرية فيها و كما هو معلوم بداهة أن هذه المجلات تكاد ترتقي في أهميتها إلى الدستور و تتجاوزه تأثيرا على الحياة العامة من كونها القوانين التي تنظم بصفة مباشرة القطاعات و المجالات التي تشملها، كما أن حالة جميع القطاعات و المؤسسات و ما تشهده من جمود و حالة فوضى هو راجع بالأساس لحالة الانتظار عما سيصوغه هذا المجلس من إصلاحات و تعديلات على المجلات القانونية على ضوء الدستور الجديد: فمجلة العقود و الالتزامات تنتظر تنقيحات و تعديلات هامة و المجلة الشغلية تنتظر إصلاحات جذرية لضبط أوضاع العمال و الأجراء في المؤسسات العمومية و الخاصة و مجلة المحروقات تحيط بها قضايا حارقة و ملفات عالقة في أمور النفط و الغاز و مجلة الاستثمارات التي ستضبط كل ما بنته الحكومات المتعاقبة من صروح الأوهام فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية… و الأمثلة عديدة مما  لا تجد له اهتمام و نقاش على الصعيدين السياسي و الإعلامي.
في الحقيقة كل هذا السكوت و الانحراف التام عما هو مطلوب و منتظر من أحزاب تتبوأ مقاعد مجلس نواب الشعب صار معهودا و مألوفا فقد عشنا مثيله مع المجلس التأسيسي حين سكت دهرا عن الدستور و صياغته و تصورات الأحزاب له و من ثم و في وضعية إرهابية مستعجلة في سيارة إسعاف سياسية تمت الصياغة و المصادقة على الدستور بنسق و وتيرة قرينة الحال فيها تفيد التزام الصمت و الامتناع عن أي نوع من أنواع النقاش أو المحاسبة و نظرا لما تحمله هذه المجلات القانونية من أهمية فإن من وقف وراء الوضعية  و الكيفية التي صيغ بها الدستور سيعيد الكرة حين مناقشة هذه المجلات، و من ناحية أخرى فإن غياب التصورات لدى الأحزاب عن كل ما هو مهام تشريعية للمجلس و اجتناب النقاش فيه و إثارته في العلن سيكون رهين مساومات و توافقات بين الكتل النيابية أما من سيخرج عن السرب و يسير عكس التيار فإن السكتة القلبية له بالمرصاد خاصة إذا ما تعلق الأمر بملفات حساسة كالمحرقات و عقودها كما سيكون نوح فيلدمان جديد موجودا ليساعد لجان البرلمان الجديد على إتمام مهامهم بما يرضي الغرب و أباطرة رؤوس الأموال.
حالة الغموض يتم نسجها و افتعالها مع سبق الإصرار و الترصد حتى يكون المتنفذون و رجال الظل بمعزل عن الناس و بعيدين عن الأضواء و تكون تدخلاتهم الرشيقة في مفاصل الأمور سهلة و ناجعة و بدون خسائر كما أن صناعة الفوضى السياسية و سهولة جر الأحزاب و من ورائهم الإعلام لمعارك وهمية لتشغل حيزا كبيرا من الاهتمام لدى الرأي العام مسألة فيها تخطيط و تدبير و مما يزيد الطين بلة أن هذه الفخاخ المنصوبة مزيّنة بحلّي السلطة المزعومة مما يسهل على الأحزاب الطامعة و الطامحة الوقوع فيها، لذلك وجب التنبيه لكل غافل و الاستعداد لكل متربص.

بقلم فراس العيني  – ناشط سياسي –

أترك تعليقا

تعليقات

عن أماني بوزيد

أماني بوزيد عضو إدارة التحرير بموقع الصدى من مواليد جوان 1991، أصيلة ولاية سوسة، طالبة هندسة إختصاص إعلامية، متحصّلة على عدة شهادات في مجال التنمية البشرية “قوة التفكير، القيادة السياسية”