الرئيسية / مقالات / سياسة و فكر / الهجرة من المدينة المنورة إلى تونس الملهمة، بقلم الأستاذ حمّادي الغربي

الهجرة من المدينة المنورة إلى تونس الملهمة، بقلم الأستاذ حمّادي الغربي

على درب رسول الله صلّى الله عليه و سلّم نستمد روح البذل و العطاء و نمشي على خريطة السير التي رسمها الرسول القائد و السياسي الفذّ بعد إعلان الثورة الرسالية و التمرّد على الأصنام الحجرية و الفكرية و العقائدية، تمرّد صلّى الله عليه و سلم على الجغرافيا و المكان و هاجر من ساحة الإستبداد و حكم الفرد و القبيلة و العائلة إلى رحاب التنوّع و التعايش و التعدد، هنالك أكيد سيجد الترحاب و التسامح لأنّ المدينة المنوّرة يغلب عليها التنوع و الإختلاف المحمود و قبول الرأي الآخر.

لذلك تُشبه تونس إفريقيا مدينة الجزيرة العربية من حيث الموقع الجغرافي و البيئة الثقافية، تونس تحتل موقع الوسط و حلقة الوصل بين العالم العربي و شمال البحر المتوسط و جنوب الصحراء و تتميز بتنوّع ثقافتها و تداخل الحضارات فيها، فتجد فيها المؤمن و الكافر و تجد فيها الزيتوني و البورقيبي و تجد فيها المواطن المكادح و التونسي البورجوازي، تجد أيضا العائلة المغلوبة على أمرها كما تجد فيها العائلات الناهبة و تشاهد فيها السياسي الوطني و السياسي المرتزق، و بين ربوعها تجد السلفي المتمسك بأدبيات و فقه السلف الصالح كما تجد فيها السلفي المخترق أو المندس و المكلف من الفرق الأمنية.

تونس فسيفساء الفكر و الثقافة و الإعتقاد و معادن الرجال، تونس شبيهة بخريطة التنوّع الفكري و القبلي و الديني للمدينة التي أسس فيها رسول الله الدولة المدنية و كتب فيها أوّل دستور عرفه العرب آنذاك و أوّل وثيقة تُحترم فيها إنسانية الإنسان و كرامته، و كما كانت المدينة نقطة التحوّل العالمي و إشعاع نور الإيمان و التوحيد فإنّ تونس تشترك معها في إنطلاق ثورة التغيير و التمرّد على الإستبداد و الخوف من السلطان.

هنالك نقاط تشابه بين المدينتين و تجانس في الجغرافيا و الحياة الثقافية و الإنسان، و عليه نريد تونس الشبيهة بدولة المدينة في الجغرافيا و التنوّع و الحريّة أن تشبهها في التعايش و حريّة الإعتقاد و العبادة، نريد لها دولة تضمن الأمن و الأمان و الإستقرار و الإستثمار و الأمانة و الشفافيّة و تكون دولة ناصرة للحرية و لحقوق الإنسان و كرامته، موحّدة لله الواحد الأحد مع ضمان حرية الضمير الذي لا يُلوّث فضاء الإيمان و التوحيد، و نضمن حريّة الفرد دون المساس بالقيم و المبادئ و الثوابت و بند الدستور القائل بأنّ دين الدولة الإسلام الذي أجمعت عليه الأمة.

نعم نريد قيادة شبيهة أو قريبة من صفات النبيّ الرئيس للمدينة الضامن لكلّ القيم و الثوابت التي سبق ذكرها و نريد أن تكون تونس مؤنسة و إسم على مسمى و ليست طاردة لأهلها كما نراها نحن المغتربون، نراها مرعبة و مفزعة و غير آمنة لا للإستثمار و لا للإستقرار، حيث نرى من بعيد عودة دولة البوليس و رجوع زبائن العهد البائد و تراجع الحركة الاسلامية و تفشي الفساد بكل أنواعه و إنهيار القيم و الدعوة للرذيلة عبر الإعلام المأجور.

إنّنا نُنادي في ذكرى السنة الهجريّة لهذا العام أن تكون مناسبة للذين إتخذوا منهجهم من القائد محمد الرئيس المؤسّس لدولة الاسلام الأولى من أجل مراجعة سياستهم و التوكّل على خالقهم و أن لا يخافوا إلا الله و يلتحموا بالشعب، كما يجب عليهم التمسّك بالمرجعية و الثوابت و هجرة الخوف و السلبيّة و الثورة على كلّ منكر و فاسد و فكر يدعو للرذيلة و كل ما يدمّر الإنسجام الإجتماعي و يدعو للشرك بكل أشكاله، فذكرى الهجرة مناسبة لإعادة النظر و إعادة قراءة الهجرة النبويّة من زاوية مختلفة و إستنتاج أبعادها الفلسفية و العقائدية و السياسية، و كل عام و أنتم بخير.

عن الصدى نـــت