الرئيسية » بين التهديد بالفوضى و القبول بالخنوع بقلم حمادي الغربي
سياسة و فكر مقالات

بين التهديد بالفوضى و القبول بالخنوع بقلم حمادي الغربي

تعالت أصوات الفزع و الخوف من أحزاب السلطة و ممن يرى في الاحتجاجات بالمناطق المنكوبة مؤامرة لإدخال البلاد في حرب أهلية ، و أن القبول بالموجود و الواقع خير من القادم المجهول و أن الدعوى لثورة ثانية و أن تحقيق المطالب فورا هي مغامرة غير مدروسة و ليست مضمونة النتائج و قد تسقط الدولة ، و يرى الطرف المتوجس خيفة أن الاحتجاجات إذا خرجت عن سلميتها أو غطت كل الولايات قد تدفع الجيش الى الاخذ بزمام الأمور وندخل في حكم عسكري يحرمنا من استحقاقات الثورة و التي لم يبق منها سوى القليل .

و يقول أصحاب هذه النظرية أن اليسار الذي فشل في كل الانتخابات السابقة و لم يحظ بقبول الشعب و لأنه افتقد امتيازاته القديمة و قربه من النظام و استفاد من بث سمومه في منظومة الدولة هو الذي يحرك هذه الاحتجاجات و مصلحته في اسقاط الحكومة و قطع الطريق على الانتخابات البلدية التي لا يكون له فيها نصيب لانه تم اقتسام الغنيمة أصلا بين النهضة و النداء . أما المحتجون من الولايات المحرومة الذين يبيتون حاليا في الشوارع و على الارصفة لا تعنيهم الحسابات السياسية و المكايدات السخيفة التي تفبرك بين الأحزاب و لا يعطون اعتبارا للانتخابات و لا للتوجهات الفكرية ، مطلبهم واضح وضوح الشمس و يريدون حياة كريمة و لقمة العيش تغنيهم عن السؤال و حقهم في التنمية و الاعمار و أعتقد أن مطالبهم مشروعة باتفاق حتى أحزاب السلطة . إذا … أيها السادة نحن أمام تيارين مختلفين … أولهما الخوف من الفوضى و عواقبها الغير محمودة و بين مطالب مشروعة لمواطنين لهم الحق في حياة كريمة يستعملون الاحتجاجات التي قد تقفز الى عصيان مدني و من ثم الى الأسوأ . و لكن للسائل أن يتساءل: ألا يوجد خيارا ثالثا غير التهديد بالفوضى و القبول بالخنوع … ؟ بالتأكيد نعم …!

و قبل عرض الخيار الثالث يتحتم علينا قراءة نفسية المواطن و شعوره تجاه التوافق و الأحزاب و السياسيين . بصراحة و انا أحدهم … لا نثق مطلقا في النداء الوريث الشرعي للحزب الدستوري الذي يهيمن على دواليب الدولة و الذي يريد أن ينتقم من الشعب و يجعله يندم على اللحظة التي فكر فيها بالثورة و الذي نجح بدهاء في تقزيم شريكه حركة النهضة التي فقدت نصف عضويتها جراء تنكرها للثورة و إدارة ظهرها للشعب و أصبحت أضعف مما كانت عليه و لقد صرح السبسي علانية (بالنيابة) أنه يعمل على اخراج النهضة من الحكم و لا غرابة أن يكون النداء وراء تهييج الجنوب على الدولة و بعدها يحل السبسي الحكومة و يبعد النهضة و يدعو الى تشكيلة حكومة انقاذ وطني. أما حركة النهضة حرصها على مصلحة الحزب و البقاء في السلطة أكثر من حرصها على الوطن و هموم المواطن و مصيبة النهضة عقدة الخوف التي منعتها من أن تتفاعل مع قضايا الناس و أن تخوض في أم القضايا و تناطح الفساد و تصلح ما يمكن إصلاحه . فالنهضة لها مشكلة وجود و تسويق نفسها على انها حركة ديمقراطية حدثية غير دينية و تقبل الانضواء تحت مظلة المجتمع الدولي على حساب الهوية و الثوابت و استقلالية القرار .

أما اليسار ذلك التيار اللقيط الذي لم يذكر بخير مطلقا و رغم نشازه فالدستور الذي رقصت له النهضة يضمن له حقوقه في النشاط السياسي و له طموحاته في اسقاط حكومة التوافق التي يرأسها العجوز الذي غدر بهم و حليفته التي لا يلتقي معها اليسار لا فكرا و لا فهما و لا مصلحة فاليسار يريد أن يثأر للخيانة التي دبرت له من قبل السبسي و يصفي حساباته مع النهضة و لو سالت الدماء بالجنوب و قتل مليون تونسيا و قد صرحوا بذلك علنا في ما مضى فتاريخ الشيوعية حافل بالجريمة و القتل. نحن أمام تخوفات محتملة من أناس ضعفاء و مطالب مستعجلة لمحتجين و طموحات مشروعة لمتآمرين دمويين و ثقة منعدمة في شخصية رئيس الدولة . فإذا عملنا العقل و الحكمة كما يدعي مفكري الصالونات يجب تلبية المعقول من مطالب المحتجين و لا تكون الاستجابة لهم بوعود كاذبة أو استخفافا بهم و يجب اثبات جدية و صدق التوجه بمحاسبة الفاسدين و استرجاع الأموال المنهوبة و إجبار الشركات الأجنبية على توظيف الممكن من العاطلين من أبناء الجنوب و انشاء مستشفيات و تحسين الخدمات و تخصيص رواتب رمزية الى حين . و هذه الحلول ليست نهائية إنما ابداء حسن النية الى حين إيقاف نزيف الجنوب و توفير حياة كريمة للمواطنين .

نواصل حمادي الغربي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: