الرئيسية » تدجين الـثّـورة على أرخبيل الـثّـروة.. مقال/ الكاتب سامي باللّعج
سياسة و فكر مقالات

تدجين الـثّـورة على أرخبيل الـثّـروة.. مقال/ الكاتب سامي باللّعج

تدجين الـثّـورة على أرخبيل الـثّـروة.. مقال/ الكاتب سامي باللّعج

ما بال القشلة الهولاميّة الّتي تجرّدت لجزيرة الأحلام ، قد صارت أداة مطواعة في أيادي كبرى شركات التّنقيب على ثرواتنا المنهوبة ؟ و ما بال حكومتنا المنبثقة عن ثقتنا الإقتراعيّة قد أضحت فقاعات طفوليّة أمام أفواه القوى العالميّة النّفطيّة الشّافطة لسيادتنا الوطنيّة ؟

كانت الوعود قد قطعت إلى شباب الجزيرة الحالمين ، من قبل “باتروفاك” : ذاك التنّين المراوغ لـتطلّعات أصحاب الشّهائد المساكين ، و كانت حكومة معتولة من حمار وطنيّ شاهدة على وعد الزّور المنقوع في المطاولة و المبرّأ ، حينها ، من المقاومة ! فـتـهـيّـأ لأهالي “قرقنة” تنعّمهم بإنصاف محتشم لكلّ الّذين أفنوا شبابهم من أجل تحصيل العلم و نوال شهائد جامعيّة ظاهرها رفاء و نعمة و باطنها توجّس و ترقّب طويل محكوم بالنّسيان ! لكنّ مخاتلات سليلة المصادرات السّياديّة ، أبت إلاّ أن تفرقع هدوء ملجأ “حنّبعل”،بالحنث في كلّ الوعود الّتي قدّمتها زمن الإستكانة الأمميّة أمام هبّة تونسيّة غابرة ! و عوضا أن تعضّ الحكومة اللاّحقة لتلكم السّابقة ، بالنّواجذ ، على مكتسبات جيل ترائى له التنعّم بريع ثورة موهومة ، إذا بنا نتفاجأ في خزي المخدوع بالتحام العربة الّتي فوّضناها بالإنتخاب ، مع قاطرة الجرّ العالميّة ، و ذلك عبر سكك الحديد الموصلة مباشرة إلى مصالح الشّركات النّفطيّة المتنفّذة كمحطّات قارّة تستلب إرادتنا الوطنيّة و سيادتنا المدنيّة .

و كم بدا الإنزال المبيّت في الأرخبيل العائم على الثّروات ، مستجيبا لكلّ تلك الإملاءات الّتي اتّخذت شكل إقامة عامّة جديدة خلناها قد اندحرت من بعد تسويقات حالمة باستقلال أوهى من بيت العنكبوت ! و كم سقط في أيدي كلّ العاشقين لكرامة تونسيّة منشودة ! صعقنا لمّا نفذ أراكنة الأمم بين ظفر الحكم و لحم الشّعب التّونسيّ ، و كانت دهشتنا أشبه بالإغماءة المتعمّدة الّتي يتحرّاها أيّ جسم يجد ذاته مهدّدة بالإنقراض ، لذلك التزمت جلّ الأطراف الغيورة والمتابعة لهذا التّدهور الشّنيع ، الصّمت المؤقّت ، من أجل استجماع البقيّة الباقية من أنفاس المقاومة المشروعة و النّضال السّلميّ المحتوم. لكن و للأسف الشّديد كان رعاة المهزلة بأرخبيل الأحلام المصادرة قد فهموا على وجه الخطأ هذه الهدنة السّامقة في الحسّ الحضاريّ و ظنّوا أنّ انصهارهم الكلّيّ مع “باتروفاك” سيمكّنهم من صيد سمين و سيخوّل لهم التحوّز على حصصهم المعتادة من مغارات “ملّيتة القديمة ” الّتي تطفح نفطا و غازات و أشياء أخرى ..

و ما أشبه اتّفاقيّات الأمس “النّوفمبريّ” مع الرّموز العالميّة للإستغلال النّفطيّ في بلادنا التّونسيّة ، بنفس المعاهدات الحاليّة ..و ما أشدّ تماهي الأولى مع الأخيرة ، من حيث زخم الوساطات المعلومة و رهـق المناولات المذمومة ! و خلال هذه الصّفقات المشبوهة و التّائهة عن خزينتنا العامّة ، و لكنّها العارفة بالمسالك المؤدّية إلى جيوب أصحاب السّعادات و أرصدة السّاهرين على مصالح الشّركات النّفطيّة – يتيه الوعي التّونسيّ المكدود بين تهديد مثيلات “باتروفاك” بالجلاء الفوريّ و الوعيد المعهود لحكومة ما انفكّت تتخبّط في وحل الممارسات العتيقة لسابقاتها العريقة ! لكنّ السّؤال المفصليّ يبقى ناخسا لإدراكنا التّونسيّ الجماعيّ : فما سبب امتناع “باتروفاك” عن الإلتزام بتهديداتها المتكرّرة في الهروب من أرخبيل الأحلام الضّائعة ؟ إن لم يكن إدراك ضمنيّ و مسبق بالطّاقات الكامنة في هذه الجزيرة ! أفلم يكن الأجدر بهذه الشّركة البتروليّة العملاقة أن تلتزم بشروط تسويفاتها لأهالي “قرقنة” ، عوضا عن استئجار ترسانتنا الأمنيّة الجمهوريّة لتضرب بها طموحات شباب أكدّته المظالم و عطّلته البطالة النّاخرة لطموحاتهم كسوس نخل منقعر ؟ أليس الأولى أن ثوجّه “باتروفاك” المصاريف الجمّة المخصّصة للقوّات المتدخلّة ، إلى جيوب شباب “قرقنة” المفلسة ؟ ناهيك عن اضطلاع هذه الشّركة البريطانيّة بنفقات إقامة هذه القوّات في نزل الجزيرة الشّاغرة و ما يترتّب عنها من التزامات جمّة بالإطعام الفاخر و بالشّحن المسترسل للجوّلاات و الهواتف النقّالة ، و ما عداها من تمويلات غير محدودة بالوقود و غيرها من مستلزمات تقنيّة لإخماد الهبّات الجماهيريّة ؟ لكنّ “باتروفاك” و هي إحدى أوجه مصادرة سيادتنا الوطنيّة و عوضا عن صرف هذه المقدرات الماليّة المهولة في مجالاتها المستحقّة لفائدة الّذين قطعت لهم العهود و أعطيت لهم المواثيق من أبناء “قرقنة” المهمّشين ، نراها تقحم انتصابها الإستعماريّ المقنّع داخل بوتقة الأزمة المفتعلة بين حاكم مسلوب الإرادة و محكوم منزوع الكرامة ! فهذه الشّركة المهجّنة بفعل اتّفاقيّات منظومة مخلوعة بهبّة شعبيّة عارمة ، و أخرى مودوعة للإلتزام بالأمر الواقع ، لا تكتفي بإخلاف الوعد جهارا ، بل إنّها تتسبّب في أزمة نوعيّة بين أطراف البلد الواحد ، و قد تأتي هذه البلابل على مابقي من الأخضر من شبح الرّبيع الهارب من أمام خريف تونس الجاثم على قلوب الكلّ بسحنته الهمجيّة القمعيّة و الموحية بتلكم الملامح الإستبداديّة الّتي خلنا انقبارها ذات فرار مشهود لــذنب أفعى ، لا زال رأسها يجول و يصول خلال ردهات وقتنا التّونسيّ المتعب.

سامي بللّعج

أترك تعليقا

تعليقات

رانيــــا

مدونة تونسية ناشطة في عدد كبير من الصفحات التونسية إلتحقت بموقع الصدى خلال السنتين الأخيرتين..تشغل خطة عضوة إدارة التحرير بالموقع

%d مدونون معجبون بهذه: