الرئيسية » حلب أم القدس 1948؟ بقلم حازم العرضاوي
سياسة و فكر مقالات

حلب أم القدس 1948؟ بقلم حازم العرضاوي

2016/12/21 تاريخ جديد هو، يشوّه لغة الأرقام التّي تحكمنا نحن العرب منذ قرون، تاريخ متجّدد سيخلّده الأسى والقهر في نفوس أبناء “حلب” وستكتبه رجالاتها بلون الدمّ والدمار. ما يؤرقني أكثر من لون الدمّ وصرخات “هادي العبداللّه” التّي لا تهدأ، أن يمرّ القادمون غدا على هذا التاريخ منكسرين خائبين: الدمع وحده يروي عنهم تراجيديا الفراغ والانهيار، سيكتبون بألوان الدعاء والصلاة وصايا المجاهدين ورحيل المستضعفين: ليسَ أقسى من أن يُهجّر الإنسان من مدينته الثكلى التّي مسحت عنه دموعه أيّام الفقْدِ ورسمت فيه أصوات الوطن ليالي الحرب، الأمر لا يختلف كثيرا عن رضيع في سنّه الأولى.. في أولى حروبه وأخر هزائمه.. يُهجَّرُ قسرا من بين أحضان أمّه التّي تموت بين كلّ نفسٍ وذكرى ألفَ مرّة.

أذكرُ بكلّ حرقة ذكرى النكبة الفلسطينيّة يوم تخلّى الجميع عن أرض “أبو جهاد” وأذرع “القسّام” وتُرِكَ الوطن الكنعانيّ في مواجهة الفراغ والعدوّ وخياناتنا المتكرّرة، ها نحن اليوم نُعيد ذات الفعلة مع “حلب الجريحة”، الأرض التّي أزهرت مقاومة من رحم المؤامرة والنسيان.

“غسّان كنفاني” استطاع لوحده ترجمة ألامنا نحن التائهون: “أتعرفين ما هو الوطن يا صفيّة؟ الوطن هو ألّا يحدثَ ذلك كلّه.” بالفعل يا ليتَ “سوريا” كانت أرض الشعب وحده لم تمسّها يد الطغيان حتّى. ليتَ سوريا لم تكن أرض السياسة والعساكر وجميلة الجميع يتهافتون عليها: الروس والمجوس والأمريكان وغيرهم.. “حلب” تلكَ الوليدة من رحم الدمار لا تستحقّ ما يحدث فيها واللّه.

ها هم أبناء “حلب” يرحلون عنها ملطّخينَ بذاكرة النسيان، وذكرى الفقدِ. ها هم وقبلَ أن يرحلوا منكسرين يخطّون صكوك العودة ووعود الأرض، “قولوا لكلّ طغاة الدنيا انّو راح نرجع لعند حلب، راح نرجع لعند أرضنا، عرضنا وشرفنا..”هلَ تقدّرون معنى أن ترحلَ عن أرضكَ بعيدا، أن تُهجَّرَ عن أمّك قسرا، أن تموت وأنت ترحل عن أرضكَ أكثر جحودا من أن تموت قتلا أو تفجيرا.!

الوطنَ لا يطلبُ منك الكثير، انّه مساحة وفاء وعرضَ كتفينَ، ليس من السهل عليهم أن يتخلّوا عن تفاصيل أرضهم: شجرة التوت التّي عُلّقت عليها أرجوحة حلبيّ بريء ها هي الان تُخفي الام الذكرى وأصوات الرصاص ولون الدمّ يشوّه أوراقها التّي لن تُزهرَ بعد اليوم.. أسواق المدينة الصاخبة رأس كلّ سنة تحتفل بابتسامات السعداء، هذه السنة “حلب” لن تحتفل برأس السنة الجديدة فحتّى رأسُ السنة قطعته الميليشيّات المجرمة هنا بسوريا، “بابا نويل” لن يرجع هاته السنة فلقد قتله “بشّار الأسد” كما اغتال أحلام “مهرّج حلب” المسالم، لقد قطع هدوء مدينتنا وعروبتنا فقد جلب لنا كلّ طغاة الكون ليُحارب فينا توقنا للكرامة والحياة والمواطنة، لقد اغتال أحلامنا البسيطة حتّى..

حلبُ لا يمكن قتلها أو اغتيالُ صمودها فكما أزهرت بعدما امتدّت لها يد “كسرى” وعاثت فيها ألما وفسادا، ستعود يوما لتؤرّخ لنفسها.. لشرفها.. لعزّتها. يوم تطبّع مع لون الدمّ وتكرّم أبنائها المقاومين ونسائها الشريفات يومها لن تخفت البسمة على محيّاها أبدا، ساعتها ستكون “حلب” المدينة الثانية بعد “القدس” التّي تُزهرُ كلّما اغتيلت وتلدُ أحلاما كلّما قاوموا عزّتها.. يوم تسقط “ورقة التوت” لن ترفرف غير ابتسامات “بانا العابد” وصمود “هادي العبداللّه” وروائح الشهيد تزيّن أطراف المدينة المدمّرة..

شكرا “حلب” كما “القدس” تماما..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: