الرئيسية » رسالة من الشيخ الصادق شورو الى شباب الثورة
الأخبار مقالات

رسالة من الشيخ الصادق شورو الى شباب الثورة

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
تونس 13 شوال 1435/ 9 أوت 2014
أيها الشباب أنتم امل الثورة
اكثر من ثلاث سنوات مرت على ثورة الحرية والكرامة ، ولقد كنتم ايها الشباب وقود هذه الثورة وراس حربتها ، وحري بكم ان تتساءلوا اليوم ، كما تساءل غيركم ، ماذا تغير بعد الثورة وما لم يتغير ؟ وما كان ينبغي ان يتغير ولم يتغير ؟ وما السبيل الى تغيير ما ينبغي تغييره ؟
هذه الأسئلة عليكم طرحها والإجابة عليها اذا أردتم الاستفادة من كل ما حدث في تلك السنوات الثلاثة واستخلاص العبر منها وتعلقت همتكم باستكمال الأشواط القادمة لهذه الثورة .
لا شك أيها الشباب ان ثورتكم كانت ضد الظلم والاستبداد و ضد الفساد بكل انواعه ، السياسي والاعلامي والاجتماعي والمالي والخلقي وغيره ، وهذا يعني ان ثورتكم كانت ثورة قيم ، وليس ثورة جياع كما أراد البعض ان يوهم الناس بذلك ، فانتم ثرتم على قيم هي من الباطل لإزالتها وإقامة قيم الحق مكانها.
ان محرك ثورتكم ، ككل الثورات ، انما هي المبادئ والقيم والعقائد ، ثم ان هذه المبادئ و العقائد تبلورت في صورة مطالب مادية ، كالشغل والصحة والمسكن وغيرها ، باعتبارها وسائل تتحقق بواسطتها تلك المبادئ والقيم .
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : هل ان تلبية تلك المطالب المادية كاف وحده لأحداث التغيير القيمي التي قامت من اجله ثورتكم ، وهو تغيير قيم الباطل لإقامة قيم الحق بدلها ؟ لا أظنكم الا أنكم تجيبون ب :لا . وتفسير هذا الجواب هو ان تغيير ظواهر الاشياء لا يؤدي الى تغيير بواطنها ، بل العكس هو الصحيح ، وبعبارة اخرى فان التغيير المادي او الاجتماعي لا يؤدي بالضرورة الى التغيير النفسي و الروحي ، بل ان التغيير النفسي ، الذي هو مقتضى التغيير القيمي ، هو العامل الاساسي في التغيير المجتمعي ، وهذا هو تفسير قوله تعالى : ” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” (الرعد.11)وهذه الآية تعني ان الله لا يغير الحالة الاجتماعية لقوم الا بعد ان يغير كل واحد منهم الحالة النفسية التي هو عليها .
وهنا تدركون ، أيها الشباب الثائر ، لماذا ، بعد اكثر من ثلاث سنوات ، لم تتغير مظاهر الباطل ، كالفساد الاعلامي والظلم الاجتماعي والتحلل الاخلاقي والفساد السياسي والحيف القضائي وغياب الأمن وانتشار الفقر وغير ذلك ، بل ان بعض هذه المظاهر قد تفاقمت بعد الثورة . وذلك لان الحالة النفسية لكثير من لتونسيين لم تتغير من وضعيتها السلبية ، كالطمع والأنانية والعدوانية الى وضعيتها الإيجابية كالتعفف والتآلف والتراحم ، الا من رحم ربك.
والسؤال الذي يخامر أنفسكم هنا هو : ما السبيل الى تغيير أوضاعنا النفسية السلبية الى اوضاع نفسية إيجابية حتى تتغير أوضاعنا الاجتماعية السيئة التي نحن عليها الى افضل الأوضاع الاجتماعية الممكنة ، اي الى أرقى الأوضاع الحضارية التي يمكن ان ترتقي اليها الشعوب ؟
ان تاريخ الحضارات يضرب اروع مثل لهذا التغيير ، الا وهو التغيير الذي شهدته الامة العربية لما ارتضت لنفسها الاسلام عقيدة ومنهج حياة ، اذ انها لما غيرت ما بنفسها من الشرك و الكفر والظلم والعدوان ومنكرات الصفات النفسية ، كالكذب والزور والفحش والكبر والعجب ، وروضت نفسها على عقيدة التوحيد و اصول الخير ، كالصبر والتوكل والرحمة والعلم والحكمة وغيرها ، عندئذ تغيرت أوضاعها الاجتماعية ، في ظرف وجيز ، لم يتجاوز الثلاث وعشرين سنة التي قضاها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بناء الجيل الاول من الامة العربية الاسلامية بالجزيرة العربية ، هذا الجيل الذي انبثقت عنه حضارة اسلامية رائدة عمت مشارق الارض ومغاربها .
لقد احدث الاسلام ثورة عميقة في الأنفس التي تروضت به ، نتجت عنها ثورة عارمة ، ولكنها هادئة ، في الأوضاع المجتمعية للامة العربية ، ثورة سلمية لم تكدرها الا محاولات الحاقدين على الاسلام قتل هذه الثورة في المهد ، ثورة قامت على أساسها اعظم حضارة عرفتها الانسانية وامتدت اول دولة لها من اقصى المحيط الهادي شرقا الى أدنى المحيط الاطلسي غربا في أمد زمني لم يتجاوز السبعين عاما .
يا شباب الثورة ، أقيموا ثورة الاسلام في أنفسكم تقم لكم ثورة الاسلام في مجتمعكم ، و بثورة الإسلام الهادئة في مجتمعكم تفتح لكم مشارق الارض ومغاربها سلما وطوعا كما فتحت لمن قبلكم . والسلام .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: