الرئيسية / مقالات / سياسة و فكر / “كفى دمارا..أوقفوا التخريب العلماني الممنهج ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

“كفى دمارا..أوقفوا التخريب العلماني الممنهج ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

العلمانية بألقابها المختلفة: المدنية..و الليبرالية..و الديمقراطية..أرهقت البلاد العربية و الإسلامية و مازالت، ألقت بنا في طاحونة مرعبة و وضعتنا في مهب العواصف تصدق علينا كل عناوين السوء: الفقر..الجوع..التمزق..الحروب الأهلية .. الفواحش.. الجرائم.. الجهل و الجهالة و صفرا حضاريا محاطا بأسلاك شائكة، و الأدهى هو وقاحة هذا النظام و استماتته على الباطل فهو يقدم نفسه دينا وضعيا بلا إله و يرفض أي تدبير و أي تفكير خارج دائرته و إلاّ فتهم راجمات قاصفات تنتظر المخالفين، و اليوم بعد هذه العقود الطويلة من النكبات و النكسات و الخيبات التي حطمت أجيالا بأكملها نتأكد أن العلمانية أيا كان لقبها ديمقراطيا أو حداثيا هي بلا مشروع إلاّ مشروع التخريب الممنهج، فهي بالتحقيق الفكري و المحاسبة الحضارية و المقياس المبدئي و بالنتائج الملموسة حالة إفلاس مرعبة تراوح مكانها و تصطنع الحلول إصطناعا و تصور هزائمها انتصارات..ألم يقل رئيس الأركان الأسبق رشيد عمار أن تونس “ترابها سخون” و محمية بالأولياء الصالحين، و سؤال الصحافي كان حينها عن الاستراتيجيات، ألم يقل رئيس الحكومة الحبيب الصيد معلقا على فشل حكومته “ساعة القضاء ليها غفلة”.. هذه العلمانية أيضا تعطي صورة مغشوشة و مزيفة عن الإسلام ثم تقدم نفسها نقيضا و بديلا له لتكسب الوجاهة و المصداقية عبر المقارنة أي أنها تطرح السؤال الخاطئ فتوهم بالجواب الصحيح، و الأدهى أنها مازالت تسعى إلى اختطاف سنين أخرى غالية من عمر هذه الأمة بين التجريب و التخريب، و سنقدم أدلة ساطعة تبين أن هذه العلمانية فعلا قررت للتغطية على إفلاسها ممارسة سياسة الدمار الشامل بعد أصبحت غير قادرة على ضمان حاضنة شعبية و مد جماهيري، بل هي مشمولة بكل أنواع الغرابة و الغربة رغم أنها تملك وسائل الإعلام بطولها و عرضها و رغم أنها في كفالة النظام العالمي و هي جزء من ترتيباته تستعمل نفس شعاراته و سياقاته و هي في مطلق الولاء له دون أدنى مشادّة و لا تحفظ.. و رغم أنها تستمد مبرر سندها و استمرارها مما يسمونه “مكاسب” يتقوون بها على خصومهم و يعتبرون المخالفين لهم كهوفا من القرون الوسطى، و ينتحلون لهذه المكاسب المزعومة قداسة وضعية، فهي عندهم فوق التفكير بل دون تفكير أي يقدمونها بديهيات و مسلمات من قبيل (الجمهورية..و لا شيء سواها) (الحريات و لا خلاف لها) (تحرير المرأة برواية بورقيبة و على نهجه و كفى) و (الدولة المدنية و المجتمع المدني و القانون المدني و الأخلاق المدنية) و رغم كل هذه الحبال التي تشد هذه العلمانية و رغم كل هذه الإسنادات زائد القوة الغاشمة أو ما يسميه بورقيبة “الضرب بيد من حديد”، فإن هذه العلمانية عاجزة و بلا مشروع واقعي و لا واعد و لا قدرة لها على التعبئة و لا قدرة لها على تخليق الأمل و لا تصنيعه و لا حتى البدء في الخروج من الأزمة قيد أنملة، و لأن هذه العلمانية في البلاد الإسلامية و منها تونس ليست حالة انبثاق و ليست نبتا طبيعيا بل هي حالة استيطانية إكراهية و هي في حالة فشل ذريع مخز في وقت قياسي فقد دخلت مرحلة التوتر الشديد و الهلع و الجزع وافتقاد الوزن.. فهاهي اليوم لا تملك إلاّ أن تضخ مزيدا من السموم و تنتقل إلى المستوى الثاني من التخريب و وسائلها في ذلك من أبشع الوسائل:
1- تعميم الفساد..أي توريط الجميع في نسبة و مقدار من الفساد و بذلك يدافع كل فرد عن منظومة الفساد كلها و يرفض أي تغيير ليدافع عن موقعه فيها و حصته منها.. و نؤكد أن الفساد في النظام الرأسمالي العلماني ليس استثناء و لا مجرد عثرات و مجرد تجاوزات يراد تداركها و إنما الفساد هو من طبيعة النظام نفسه و من صميمه لأن مقياس الأعمال عند العلمانية هو النفعية و لأن تعتبر أن الرابطة الأولى و الطبيعية التي تربط أبناء المجتمع هي المصلحة.
و اليوم في تونس لا يكاد يخلو قطاع و لا مجال و لا ملف من فساد معقد و الأدهى أنه فساد محمي بشكليات إدارية و قانونية أي يبدع في التحايل و التستر و التمويه و الإفلات من المتابعة و هذا في ذاته فساد مضاعف.. و الفساد المالي الأكبر اليوم يشمل أزيد من 30 بالمائة من الصفقات العمومية، و الإقتصاد الموازي و السوق السوداء جاوزا ال50 بالمائة من إقتصاد البلد و تهريب الأموال و تبييضها يساوي ميزانية البلاد مضاعفة، أما الفساد المتوسط و نعني به الشركات و المؤسسات في تعاملها مع محيطها فهو فساد يحضر في كل المشاريع و المعاملات بلا استثناء تقريبا (أنظر تقرير لجنة تقصي الحقائق بإشراف الدكتور عبد الفتاح عمر)، أما الفساد الأصغر و لكنه الأعم و نعني الرشوة و “تدبير الراس” و الذي يعترض الفرد كل يوم في كل الخطوات و الاتجاهات فهو الطامة الكبرى و قد خلق منظومته القيمية الشاذة و عرفه الخاص ما جعل الدكتور عبد الفتاح عمر يقول:” المواطن التونسي مطبع مع الفساد”.. يقال عندما طلب بعض الأمنيين الزيادة في الأجور في عهد بن علي قال لهم (عندكم مصادر أخرى أنتم تعرفونها و نحن نعرفها).. و توريط الجميع في الفساد جعل المحاسبة مستحيلة و الفكاك منه غير مقدور عليه و نقصد هنا بالأخص الفساد المالي و الاقتصادي.
2- تعميم الرداءة و الإسفاف و الانحطاط:
نعم، العلمانية المجرمة تريد الحط من مستوى الفكر و الهبوط بالناس إلى أدنى مراتب الذوق و تعويد الناس على المنكرات بل معاشرتها لتسكن فيهم كل مسكن.. و لكم أن تنظروا إلى هذا السيل الجارف من أشباه المثقفين الذين يُعطًوْن المواقع المريحة و المناسبات المتعددة للدفاع عن الشذوذ الجنسي و الخمور و المخدرات بطريقة مقرفة مع دعوة متكررة إلى قبوله بل تقنينه و دعوتهم إلى التساهل مع عبدة الشياطين و أمثالهم ضمن حرية الإعتقاد و الضمير.. يقول عياض بن عاشور: “إن ما يسمى فسقا و مجونا هو عينه ما تشمله حرية الضمير”.. كل ذلك ضمن قصف إعلامي مرعب متواتر.. يرتكبون كل ذلك قاصدين متعمدين دون ملاحظة المحاذير في حدها الأدنى و لو عقليا فما بالك شرعيا و دون أدنى إحساس بالمسؤولية على كيان الأمة و المجتمع.
و من تمام هذه الرداءة و الانحطاط تطويع الخطاب الإسلامي في المساجد و في البلاد ليكون بلا شوكة ساكتا غير مبال إن لم يكن مبررا و خادما لهذه العلمانية المقيتة و بالفعل صار الإسلام تحت وصاية وحراسة علمانية مرعبة.. و هكذا أغرق الإعلام بوجوه كالحة بذيئة بلا حياء، همها ليس من هم الناس، مُنْبتة متعالية عن انتمائها، من بينهم نوال السعداوي صاحبة الآراء المضحكة المبكية التي لا تستقيم لا معرفيا و لا منهجيا: كاعتبارها الزواج عقدا احتكاريا ذكوريا و الدعوة إلى تجاوزه بعلاقة مفتوحة بين المرأة و الرجل.. و مثل محمد الطالبي الذي لولا صفات تسبق إسمه يحرص عليها هو و من يأتي به للإعلام من قبيل (دكتور..علامة..مفكر) لولا ذلك لنَسبتَ قوله إلى سفاهة عربيد في إحدى الحانات و الملاهي.. تذكرون جيدا في عهد حكم بن علي كيف عممت السلطة منشورا على كل المعاهد بإمضاء أربعة وزراء يدعو إلى حمل التلاميذ النجباء مساء الجمعة إلى الملاهي و المراقص بإشراف و رعاية المعهد للإستمتاع و الترفيه.. نعم، إنه انحطاط مع سبق الإصرار و مزيد القصد، و هكذا يعممون الرداءة و الإسفاف و الانحطاط بما يمنع كل أنواع الفكر و الوعي و المبدئية و العمق و بعد النظر، ديدنهم “أن المصيبة إذا عمت خفت” و الصواب أن يقال “إن المصيبة إذا عمت ثقلت”.
3- الإستنجاد بالعصا الغليظة و القمع
في زمن أعطى بارقة أمل للأمة للتحرر من الظلم و من الإستعمار أي زمن الثورات يعود بنا العلمانيون بمختلف ألقابهم إلى زمن الدكتاتورية و ذلك باستدراج البلاد إلى كل أنواع القوانين الإستثنائية التي تطلق يد البوليس و التي تجعل القضاء يتجاوز قرينة البراءة و هي ركيزة أي قضاء عادل و هم يريدون لهذه القوانين الإستثنائية أن تكون تفصيلية و التفافية ليتحكم الفرع في الأصل و الإستثناء في القاعدة،و نحن نراهم يستحدثون شرطة الجباية بصلاحيات واسعة لتفتش في كل أرزاق الناس الواقعة و الممكنة.. و في مصر (و كذلك الخلايا الدكتاتورية النائمة في تونس) يدعون إلى الإنقلاب و يمارسونه فعلا و هاهم قد أدخلوا أرض الكنانة في دورة دموية لا تنتهي.. و لكم أن تتصوروا مقدار الدكتاتورية الحاقدة الجاهلة عند أتباع هذا التيار العلماني و هم يكدسون الكتب الإسلامية في الساحات و يحرقونها مصفقين صائحين فيذكروننا بمحاكم التفتيش في الأندلس و همجية التتار في بغداد أي بذلك العار في جبين الإنسانية.. إنها علمانية بلا حياء و لا شهامة و لا يمكن أن تترعرع في العالم الإسلامي إلا في أجواء الدم و الظلام و الحديد، و يزيد أولياء العلمانية و الحداثة في مصر من مكرهم و خساستهم فيدعو بعضهم البعض إلى حملة واسعة لخلع الحجاب و العمل على ذلك واقعيا و تشريعيا ليؤكدوا أنهم -منذ الدكتاتور كمال أتاتورك إلى الآن- يحالفون الثالوث الشيطاني: الفساد و الرداءة و الظلم.
4- الطائفية و العرقية هي ملاذهم و خط دفاعهم الأخير:
لاحظوا و من عجب حين بدأت الأمة تتململ و تستفيق و لا تركن للظالمين و تنزع إلى وحدتها مجددا، و ما مطلب الخلافة إلاّ ترجمة لهذا الوجدان الظاهر و الكامن في الناس، في هذا الزمن نجد العلمانية تستند خارجيا إلى دول الإستعمار و الإستكبار لتستقوي على شعوبها بل لتنسفها بالبراميل المتفجرة و الكيمياوي و نجدها محليا تلوذ إلى كهوفها القبلية و العرقية، و النظام السوري أكبر دليل، فقد استعان بشار في حربه على شعبه بطائفته العلوية و هي التي سلطها أبوه على الناس في الحكم و الأمن و الجيش عقودا.. و النظام الموالي للإستعمار في العراق يستخرج كل الفتن النائمة من طائفية و عرقية و قومية و يؤججها بالأحقاد لتصبح المتحكم في كل الأعمال السياسية و العسكرية.. و اليمن السعيد بعنوان الطائفية و القبلية دمره النظام العلماني لعقود فوجدنا أن علي عبد الله صالح و إبنه و أقاربه يمارسون على اليمن سياسة الأرض المحروقة و يتحالفون حتى مع خصوم الأمس(الحوثيين) و هم المتفاخرون بعلمانيتهم.. و الجميع يعلم فضيحة الجمهورية الوراثية التي أعدها حافظ الأسد لابنه فتغير الدستور في 14 دقيقة ليكون على مقاس الوريث بشار، و ما فعله صدام حسين من إعداد لابنيه لخلافته معلوم و أصبح جزء من التحليل السياسي في العراق لأزيد من عشر سنوات.. و العائلة النافذة المالكة في عهد بن علي فضائحها فوق العد و الحصر.. و من قبل عائلة القذافي الذي أوهم الناس بالوحدة و خدرهم بها و لكنه مارس أحط أنواع القبلية الضيقة و سلط أبناءه على البلاد و العباد و أعدهم للحكم من بعده.. و قس على ذلك.

كم هو قبيح وجه هذه العلمانية المنافقة التي زادت إلى الثالوث الشيطاني (الفساد و الرداءة و الظلم) العصبية القبلية و الطائفية المقيتة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم:”دعوها إنها منتنة”.. و بالمقابل حاربت هذه العلمانية المشروع الطبيعي للأمة أي دولة الإسلام الواجبة بل أم الفرائض و الضديد المنهجي لهذا الدمار العلماني الشامل.

على المثقفين و السياسيين أن يغيروا صعيد البحث بجرأة و سرعة و أن يوقفوا هذا الطاعون المسمى العلمانية و عدم السماح لها باستنزاف الأمة فهي خير أمة لا حقل تجارب و لا رحما للإستئجار.. نعم، لا بد من حالة استنفار قصوى لوقف هذه الجريمة مستوفية الأركان لا أن نواصل في عدّ المآسي عدا و الإختيار بين السيئ و الأسوأ.
قال تعالى: “و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون”

في 19 أفريل 2015

أترك تعليقا

تعليقات

عن أماني بوزيد

أماني بوزيد عضو إدارة التحرير بموقع الصدى من مواليد جوان 1991، أصيلة ولاية سوسة، طالبة هندسة إختصاص إعلامية، متحصّلة على عدة شهادات في مجال التنمية البشرية “قوة التفكير، القيادة السياسية”