لا ترحل مثلي..بقلم حازم العرضاوي

بَين تفاصيل هذا العالم المشوّه ليسَ أقسى على قلوبنا من قرار “الرحيل”! صعبة حقًا هي تلك الخطوة ومبكٍ هو ذاك القرار، كأن تتخلّى عن كلّ تفاصيلك.. نفسكَ.. قلمكَ.. رسومك.. دفاترك.. أُسْرَتُكَ وأَسِرَّتُكَ في الاَن نفسه. حقّا لن يخطو تلك الخطوة ولن يعتلي تلك القاطرة إلّا مهزوم بائس فرّط في عقله وذاكرته وربوع تفاصيله المبعثرة.

لا تحاكموا ذاك الكيان فإنّ الحياة لم تعد تساوي شيئا بالنسبة له.. هي لا تساوي غير “الرحيل”! لقد جرّبتُ الرحيل قبيل انتهاء العام المنصرم، كان ذلك أعلى جبل بقرية “باطن القزّاح”، القرية التّي لم يسمع بها غيري وأنا أهمّ بالرحيل! جرّبوا أن ترحلوا فقط، التحدّي ليس الرحيلُ نفسه وإنّما كيف تعودون منه منتصرين وحالمين.

هذه قصيدة “الرحيل” التّي كتبتها أعلى ذاك الجبل يوم رحلتُ ولم أقفل راجعا بعد!!

هَذَا المَسَاءْ
طَافَتْ بِيِ نُبُوءَاتْ الثَكْلَىَ
تُسْمِعُنِيِ رَحِيِلَيِ
وَفَقْدَ الجَائِعِيِنْ
نَسِيِمُ الحَيَاةْ يُعِيِدُ للمَسَاءِ غِيَابَهُ
مَحَطَّاتِ الرَحِيِلِ لَا تَهْدَأْ
هِيَ الأُخْرَىَ تَحْتَفِيِ بِالمَسَاءْ
أَزِيِزُ الرِحْلَةِ يَكْسُوهُ المَوْتُ
الحَنِيِنُ إِلَىَ ٱاَخِرِ رَسائِلِهَا
يُوَشِّحَ قِطَارَاتَ المَسَاءْ أيْضًا
وَيُمِيِتُ فِيَّ شَوْقَ النِهَايَاتْ..
ٱاَهٍ.. اَهِ.. اَهٍ.. اَهٍ.. اَهٍ..
مِنْ سَجَّادِ النِهَايَاتْ البَعِيِدَةِ
وَنَوَافِذُ الذَاكِرَةِ التِّيِ تُشْبِهُ الفَنَاءْ
وَأَقْبِيَةُ الفُرَاقِ..
وَعُصْبَةُ الطَرِيِقْ تَهْرُبْ بِأَضْغَاثِ رَسَائِلِهَا المُشَوَّهَةِ

اِنْتَصَفَ اللَيْلُ
اِنْتَصَفَتْ مَعَهُ طَرِيِقُ النِسْيَانْ
وَاِكْتَمَلَ المَوْتْ..

المَوْتُ الذِّيِ شَوَّهَ أَنِيِنَ الصَمْتْ
وَرَقَصَ عَلَىَ جَثَامِيِنْ الفَقْدِ
خَفَتَ مَعَهُ صَفِيِرُ مُرَاقِبِ القِطَارْ
وَحَقَائِبِ الذَاكِرَةِ
سَتَائِرُ السَكِيِنَةِ اِنْتَفَظَتَ..
لَحْظَةَ تَعَثَّرَ نَبْضِيَ الدَفِيِنْ..
المَوْتُ مَحَطَّةُ النِسْيَانِ الفُضْلَىَ
وَزِيِنَةُ العُشَاقِ الرَاحِلِيِنْ
أُحْجِيَةُ الفَرَاغْ
وَتَذْكِرَةُ الهَوَىَ
وَلَهِيِبُ الشَوْقِ فِيِ فَنَاءَاتِ الرُوحْ..
المَوْتُ مَحَطَّةُ ذَاكِرَتِيِ المَنْسِيَّةِ
كَرَسَائِلَهَا العَلِيِلَةِ فِيِ قَلْبِيِ..

كَرِيَاحِ تِشْرِيِنَ المَنْسِيَّةِ
شَقَّتْ قَاطِرَةُ الذِكْرَىَ لَيْلَ النِسْيَانْ
دَهَسْتْ فِيَّ شُمُوعَ الأَمْسِ
وَأَرْضَ الفَضِيَلَةِ
وَرِسَالَاتُهَا البَاهِتَةْ الحَافِيَةِ
اشْتَدَّ الغَسَقُ عَلَىَ قَاطِرَتِيِ
تُقَطِّعُ “رِيِمْ” سَكُونَ الطَرِيِقْ
تَصْرُخُ:
“يــَا مِــيِنْ يِجـــِيِبْ الدَوَا
قُلْــتِ الــدَوَا غـــَالـــِيِ”
يَا أَنْتَ لَيْلِيِ الطَوِيِلْ
وَكُلَّ دَائِيِ..

يَسْئَلُنِيِ مُرَاقِبُ التَذاَكِرِ:
“التَذْكِرَةُ يَا فَتَىَ”!!
التَذْكِرَةُ.. التَذْكِرَةُ.. الذَاكِرَةْ!
تَحَدَّث شَهِيِقُ الانْكِسَارِ فِيَّ:
“هَاكَ ذَاكِرَتِيِ وَدَعْ لِيِ التَذْكِرَةْ!”
دَعْ لِيِ مَوْكِبَ عَزَائِيِ
جَنَازَتِيِ الصَارِخَةْ اليَتِيِمَةُ
وَطَرِيْقُ النِسْيَانْ الأَرْمَلْ!
دَعْ لِيِ فُؤَادِيِ المُتَيَبِّسِ
نَدَىَ الطُهْرُ
وَجِبَالُ الفَرَاغْ
دَعْ لِيِ التَذْكِرَةْ وخُذْ عَنِّيِ أَنَا
تَفَاصِيِلُ الخُذْلَانِ
حَقِيِبَةُ الجَنَازَةِ
خُذْ عنّيِ الذَاكِرَةَ المُتْخَمَةَ بالْحَنِيِنْ
وَدَعْ لِيِ التَذْ.. كِرَ.. رَرَ!!
لاَ.. لَا.. خُذْ التَذَكُّرَ أَيْضًا
وَهَبْنِيِ التَذْكِرَةْ!!

رَحَلَ الجَمِيِعُ هُنَاكْ.. أَسْفَلَ النِهَايَةْ
وَرَكَضَ الأَمْسُ عِنْدِيِ سَرِيِعًا
شَيْءٌ مِنَ الذَاكِرَةِ اِسْتَفَاقْ
عَلَىَ شَجَىَ الأَمْسِ الرَاكِضِ
شَهِقْتُ.. شَهِقْتُ كَثِيِرًا..
ثُمَّ اِنْتَهَيْتُ لَحَظَةَ صَرَخَ فِيِ وَجْهِيِ:
“حَتَّىَ التَذْكِرَةُ فَــ لَا !!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: