الرئيسية » محاولات في شرط تحقّقنا الحضاريّ… مقال/ الكاتب سامي بللّعج
سياسة و فكر مقالات

محاولات في شرط تحقّقنا الحضاريّ… مقال/ الكاتب سامي بللّعج

محاولات في شرط تحقّقنا الحضاريّ… مقال/ الكاتب سامي بللّعج

هل السّيادة طوع بـنـانــنــا ، أم هي رهينة لدى القوى الشّافطة لخيرات بلادنا ؟

هل نحن أحرار في فحوى القرار ، أم أنّنا حروف و فقرات هذا القرار لدى الأساطيل القادمة من بعيد و الحامية لهذه الدّار؟

ليس من الحكمة التّغاضي عن حجمنا الحقيقيّ و استبداله بحلم ورديّ أرعن..و ليس من مصلحتنا التّماهي مع أطلال ثورة هي أشبه بانتفاضة تلقائيّة و فجئيّة ، و أقرب للتّنفيس الشّعبيّ المرحليّ ..منها للهبّة المنظّمة أو الحراك الشّعبيّ الّذي يسبقه نضال سرّيّ طويل . إذن فنحن “دويلة” صغيرة المساحة و محدودة التّأثير على دول الجوار ، و نحن في مهبّ الرّياح الغربيّة القادمة من الشّمال و الزّاحفة من غرب الإبسال ، فلا خيار لنا غير التّأقلم مع هذا الواقع الّذي قد يبدو للكثير مصدر إزعاج و مكمن حرج كبير.

و تـبـعا لذلك ، أليس من الحكمة أن نـضـع في الحسبان هذه الحقائق الدّامغة ؟، و من ثمّة نهذّب ذواتنا الفكريّة و كينونتنا السّياسيّة على مقاس حجمنا الواقعيّ ، فنوجأ بأنفسنا من مغبّة الإنجراف وراء مخيال همجيّ ينبني على النّعرات الإنتقاميّة الهدّامة ، و الّتي لا تأخذ البتّة بعين الإعتبار حقيقة كوننا وصفاء لدى قوى إقليميّة جبّارة ، منها الّتي بالجوار و أعتاها من قدمت من وراء البحار و من كانت سبّاقة في انـتـهـاك استقلاليّتنا المهلهلة على الدّوام.

ألسنا بالتّالي ذرّة نشيطة تتحرّك نواياها تلقائيّا و عفويّا ، و لكنّها بعيدة كلّ البعد عن القدرة على التّأثير السّلبيّ أو الإيجابيّ على دول أخرى ذات اقتدار إقليميّ واسع و ذات نفوذ عسكريّ أوسع ؟ إذن فنحن “مفعول به” نمطيّ ، و قدرنا الرّاهن أن نتأقلم مع القوى الإقليميّة العالميّة منها و القارّيّة أو الحضاريّة ، و هذا يعني قبولنا بحجمنا التّشخيصيّ و النّأي بأنفسنا عن أحلامنا الإنطباعيّة . و بمعرفتنا لحدود مقدرتنا و هامش فعلنا صلب التّفاعل الدّوليّ ، نكون قد اتّخذنا الخطوة الأولى نحو تحرّرنا الذّاتيّّ و انعتاقتنا المأمولة بعد قرون الرّقدة و ذلّ العبوديّة لأدوات السّلطة فينا .

و لن يكون بمقدور المصنّفة “عظمى” بين الحضارات الرّاهنة ، أن تتصدّى لمثل هذا الوعي الوليد لدينا ، فمن الغباء تصوّر حرب معلنة على أفكار واقعيّة أو تجييش جيوش ضدّ وعي جماعيّ متماهي مع معلنات الحضارة الكونيّة ، إذ سيكون ذلك ازدواج خطير و نفاق مفضوح من قبل الّذين يدّعون السّبق الإنسانيّ في مضمار الحوكمة و تشاركيّة الحكم بقانون انتخابيّ.

لذلك فلنلتزم بهذا الإيقاع العالمي الرّاهن ، و لنطرح عن عقولنا غوغائيّة السّيادة العالميّة ، من أجل تثبيت أركان البيت الدّاخليّ الصّغير جدّا بحجمه الأرضيّ ، و لكنّه الأكبر من كلّ تصوّر بطاقة عقوله الصّاحية و طموح ألبابه النّاشدة للصّلاح الإنسانيّ و الفعل الحضاريّ . فإن كان الّذي تقدّم بالقياس إلى العالم، فمن باب أولى و أحرى أن يكون التزامنا بإزاء امتدادنا العربيّ أكثر نضجا و أوعى مسئوليّة ، و لن يتحقّق ذلك -لا محالة- إلاّ بالتخلّي عن أفكار تصدير الرّؤى الدّينيّة ، و الإقلاع نهائيّا عن نرجسيّة القناعات الرّوحيّة . و سيكون لالتزامنا الفكريّ هذا ، ثماره العاجلة و نعمه الآجلة ، أمّا الآنيّ منها فهو منوط بحصر تركيزنا أكثر على قضايا سيادتنا الوطنيّة و الّتي على رأسها خيراتنا الطّبيعيّة الّتي في باطن أرض وجودنا الفعليّ ، و كم سيكون عجز القوى السّالبة لها أمام اقتدارنا العمليّ ، لو أنّنا تخلّينا عن اقتتالنا الجاهليّ ، و تغاضينا عن نعراتنا الحزبيّة المهلكة ، و أسقطنا من اعتباراتنا حميّتنا السّلطويّة الضيّقة الآفاق . آنذاك سنواجه سرّاق خيراتنا بالإلتزامات الدّوليّة و الإتّفاقيّات القانونيّة العالميّة ، و سنفحمهم بأدوات سلطويّتهم الكونيّة المزعومة . و أمّا الآجل من ثمار هذا التّجديد في الوعي و الّذي نحن في أمسّ الحاجة إليه ، فسيكون في شكل انسجام اجتماعيّ رائع من شأنه أن يوفّر سلما و نماء سيؤدّيان حتما إلى صحوة اقتصاديّة شاملة .

تلك هي رؤى عامّة لشرط تحقّقنا الحضاريّ وسط هذا اللّغط المريج من بلابلنا الإنقلابيّة و قلاقلنا السّياسيّة ، و قد تبدو تنظيرات عامّة ، إلاّ أنّها تبقى توضيحات واجبة بإزاء المرحلة الرّاهنة.

سامي بللّعج

أترك تعليقا

تعليقات

رانيــــا

مدونة تونسية ناشطة في عدد كبير من الصفحات التونسية إلتحقت بموقع الصدى خلال السنتين الأخيرتين..تشغل خطة عضوة إدارة التحرير بالموقع

%d مدونون معجبون بهذه: