الرئيسية » ولادتنا من رحم الصنم!..بقلم حازم العرضاوي
سياسة و فكر مقالات

ولادتنا من رحم الصنم!..بقلم حازم العرضاوي

ساعةَ فضَّل الخالقُ سبحانه و تعالى الإنسان على سائرِ المخلوقات صغيرها و كبيرها، وهبه عقلا، أو بمعنىً أوضح ملكةُ تفكير و وحدة للبحث و التحليل في الباطن و الظاهر من تفاصيل الحياة اليوميّة.
يبدو أنّنا في حاجة إلى الإقرار بحقيقة أنّنا عبيد و شرذمة من السذّج و “التُبَّعِ” حتّى نضربَ المسيرَ في طريق العلاج أو على الأقلّ الانتباه و اليقضة من تلكَ المصيبة.

 

لكم صَدقَ الدكتور “مصطفى محمود” ساعة صفعنا بقولهِ:
” لكن لا أحدَ يتوقّفُ ليفكِّرَ الكلُّ يهرولُ في عجلةٍ ليلحقَ بشيءٍ و هل يدري أنّ ما يجري خلفهُ سرابٌ و لا شيءٌ و أنّ الدقائق و الساعات و الأيَّام تجري و عمرهُ يجري و ٱخرَ المطاف مثواهُ الترابُ.“
حقًّا أيّ معضلة قد يصطدمُ بها الإنسان في معركةِ البقاء قدرَ أن يُسلبَ أهليّة التفلسف: التفكير في التفكيرِ نقدا و شكّا و حكما و رفضا و تبيانا و تحيّينا و غيرها من دواعي و غايات الحقيقة!

 

 

قد يبدو كلامي هذا محلّ سخرية من الكثيرين بدعوى أنّنا مكتملوا النضج و الحريّة فها نحنُ نصوّتُ في الانتخابات لمن نشاء و نأكلُ من صنوف الأطعمة ما نشاء و نعبّر عمّا في صدورنا للعلن كيفما نشاء، نسافرُ و نقرأ و نتزوّج و نشاركُ في الحراك السياسيّ و المجتمعيّ.. كلّ ذلك نحن من نصنعه و نختاره دون الخضوع لأحدهم فأيّ حريّة مسلوبةٍ تلك التّي تحدّثنا عنها في الوقتِ الذّي نغرقُ في خلجان لا حدود لها من الحريّة و التفكير؟
كلّ هذا الكلامُ هو نفسه في عمقه الاتّصالي و المعرفيّ أوجُ الاستعباد و الاغتراب! فعلاوة على أنّ تلكَ التفاصيل هي في الواقع حقوق مكتسبة و مشروعة و هنا تبزغ علينا جدليّة “الحقّ و الحريّة”، فإنّ الحيوان “اللا عقلانيّ” بحكم طبيعته يبدو أكثر تحرّرا منّا إذن: فبدافع الغريزة و البقاء يتجنّب الحيوان التهديد و يطلبُ النجاة و النفع فيأكل و يشربُ و يلتزم بقوانين القطعان و يشاركُ نسلهُ في الفعلِ و يحميه من التهديدات الخارجيّة، و تلك خليّة النحل أو صفوف النمل في دقّتها و انتظامها لهي في حريّة عقلانيّة أكثر منّا! فما الإشكالُ إذن؟
لقد اختزلَ عنّي “غسّان كنفاني” الإجابة ساعةَ قال:
” أنا أحكي عن الحريّة التّي لا مقابلَ لها، الحريّة التّي هيَ نفسها مقابل.“ و لعمري فإنّ القليل القليل منّا سيتمعّن في الاشكال و يطلبُ العلاج!
لقد بات فعليّا مراجعة أفكارنا و خطوط التماسّ مع العقلانيّة أمرا لا مفرّ منه! فصنمُ الحكومات و الساسة و بروبغندا الاشهار و وكالات الأنباء و محطّات الراديو و إرهاب “البورنوغرافيّة” و ” مازوشيّة الأفضل” و غيرها من الحجارة الصلبة التّي رسبت فينا و خلقت في أعماقنا “سلطة الصنم” وحده، لا حلّ لنا في دهشتنا ذي غير الضرب في تلك الأصنام و تحطيمها و كنسها بعيدا حتّى تشرق شمسُ “الفكرة” بعد غياب طويل بحجم اغترابنا..
ستبزغُ شموس أفكارنا المُعَقْلَنَةُ و المؤسَّسَةُ على أرضيّة خصبة، متفاعلة و فاعلة لتعكسَ إيماننا و صُلحنا مع ذواتنا و لتكشفَ عن علميّة أبحاثنا عملا بمقولة «الفكرة لا تُسقطها غيرَ الفكرة».
لقد قَنعنا بإغترابنا و بفقدنا لكنزنا المسلوب “الوعي”، علينا اتّباعُ خارطة ذاكَ النور الخافت في تفكيرنا، ذاكَ النور الذّي لم تمسسه نارُ الوصاية أو الكهنوت، لنتّبع فطرتنا و اصرارنا على فكّ فكرتنا من قيدها و التجنّد في صفوف العقلانيّين القلّة لمواجهة الطغيان الرقميّ و الأيديولوجيّ!
لأنّه ما من خطر يُهدّدنا قدر الولاء و العبوديّة للايديولوجيا، و التزيّيف، و المال و المصلحة.. على قول “جورج ارويل” بأنّ ” الولاء المطلقَ يعني انعدام الوعي.“ و نحن لا نريد أن نكون عبّادا لغير الفكرة المعقلنةِ و الأيديولوجيا الهادفة و قانون المصلحة العامّة و امّا سنجدُ أنفسنا بالضبط كما جاء في كتاب “الأمير” لـ “ماكيافلّي”:
”.. أمّا إذا كانت البلاد متعوّدة حكم أسرة مالكة فهلاكُ تلكَ الأسرة يُسهّل على الفاتح امتلاكَ البلادِ لأنّها مفطورةٌ على الطاعةِ و لأنّها تبحثُ عن أميرٍ لها بعد هلاكِ الأسرة المالكةِ فلا تجدُ..“

 

حقّا لم يعد الوقتُ يسمحُ بالغياب و الشرود و لو لثوانٍ معدودة، انّ العالم يصيرُ نحو حتفه العلميّ و المجتمعيّ أو بعبارة أدقّ “يعود شيئا فشيئا إلى طبيعته حيث البقاء للأكثر عتادا و عدّة و قدرة على المواجهة و الصمود”، ساعتها امّا لنكون المنتصرين و امّا لنكونُ نحنُ وقودَ تلكَ الحرب و لكم الخيار و تذكّروا أنَّ الفكرة المعقلنَة وحدها طريقنا نحو الخلاص..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: