Kas-Turkey

آق سنقر (قسيم الدولة) / مع د. راغب السرجاني


من هو آق سنقر ؟
إنه آق سنقر الحاجب التركماني! وكما هو واضح من اسمه فهو من قبائل الأتراك، من قبيلة تُعرف باسم ساب يو، وهي قبيلة تمتَّعت بمكانة رفيعة عند السلاجقة الأتراك[1].

وكان آق سنقر من أصحاب السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان، وهو السلطان العظيم الذي امتدَّت حدود دولته من الصين شرقًا إلى آسيا الصغرى غربًا[2]، وكان عادلاً حسن السيرة؛ ولذلك لم يكن يُقَرِّب منه إلاَّ الصالحين، ويكفي أن وزيره الأول كان نظام الملك، وهو من أعظم الوزراء في الإسلام، وحاجبه كان آق سنقر والد عماد الدين زنكي، فهذا من أدلَّة صلاح السلطان ملكشاه الذي يَسَّر له الله عز وجل البطانةَ الصالحة.

وكان آق سنقر مقرَّبًا بدرجة كبيرة إلى قلب السلطان ملكشاه لدرجة أنه أنعم عليه بلقب عجيب، وهو «قسيم الدولة»، ومعنى اللقب أن يقتسم معه إدارة الدولة وشئونها، وهي منزلة رفيعة جدًّ[3].

ملكشاه بن الب أرسلان يدخل حلب بعد مقتل سليمان بن قتلمش:
ثم كانت هناك أحداث صعبة تمرُّ بها بلاد الشام؛ حيث كانت تُمَزِّقها صراعات سياسية خطيرة، خاصَّة منطقة حلب حيث كان يتنازع السيطرة عليها ثلاث قوى رئيسية: أمَّا القوة الأولى فهي قوَّة مسلم بن قريش العقيليّ صاحب الموصل وحلب[4]
وأمَّا القوَّة الثانية فهي قوَّة تتش بن ألب أرسلان أمير دمشق، وهو أخو السلطان ملكشاه، ولكنه -كما ذكرنا قبل ذلك- كان خبيثًا فاسدًا، وكذلك صار أولاده من بعده؛ وهم: رضوان ودقاق. وأمَّا القوَّة الثالثة فهي قوَّة سليمان بن قتلمش مؤسِّس إمارة سلاجقة الروم ووالد قلج أرسلان الأول؛ الذي مرَّ ذكره في بدايات قصة الحروب الصليبية.

وكنتيجة مأساويَّة لهذا الصراع قُتل مسلم بن قريش على يد سليمان بن قتلمش، وأصبح الطريق إلى حلب مفتوحًا لسليمان، ولكن أهلها رفضوا تسليم المدينة له، وأرسلوا إلى السلطان العادل ملكشاه ليتسلَّم مدينة حلب، فوافق السلطان ملكشاه، وجاء بجيشه [5]، لكن في هذه الأثناء قُتل سليمان بن قتلمش على يد تتش بن ألب أرسلان[6]، وانطلق تتش ليستولي على حلب، غير أنه وصلها مع وصول جيش أخيه ملكشاه، ووجد تتش أنه لا طاقة له بهذا الجيش العملاق، فانسحب وترك المدينة لملكشاه[7].

«حلب» وبداية جديدة:
ملكشاه بن ألب أرسلان يولى آق سنقر مدينة حلب (شوال 479هـ= يناير 1087م)
كان الوضع في حلب سيِّئًا للغاية نتيجة الصراعات الدموية التي دارت في المنطقة؛ فلم يجد السلطان ملكشاه حلاًّ لإصلاح أوضاعها إلاَّ بتسليم إدارتها إلى الرجل الذي يثق في قدراته وأخلاقه وورعه، وهو قسيم الدولة آق سنقر الحاجب، وكان ذلك في شهر (شوال 479هـ= يناير 1087م)، وهكذا بدأ الحكم السلجوقي لمدينة حلب، بل وأعطاه إلى جوار حلب عدَّة مدن في المنطقة منها حماة ومَنْبِج واللاذقية[8].

حلب وتدهور أوضاعها قبل تسلم آق سنقر لها:
تسلَّم آق سنقر الحاجب -رحمه الله- المدينة وهي في حالة مزرية من الفوضى والاضطراب بفعل الصراعات الكثيرة التي كانت بين حكَّام وأمراء المنطقة؛ مما جعل الحكام الذين تولَّوْا حكمها لا يلتفتون أبدًا إلى أمورها الداخلية، أو إلى حياتها الاقتصادية، فتراجعت واردات البلاد، وفُرضت ضرائب باهظة على السكان، ونتيجة لغلاء الأسعار انتشر اللصوص في المدينة، وعُدِمَ الأمن؛ ومن ثَمَّ تعطلت الحركة التِّجارية، كما تراجعت الزراعة، وهذا كله -لا شكَّ- أثَّر سلبًا في كل قطاعات المجتمع[9].
ومع هذا التدهور الرهيب في كل مناحي الحياة فإن آق سنقر بدأ يُمارس عمله بنشاط، ساعيًا بكل طاقته لإصلاح الأمور كلها، وكانت نظرته شمولية، فلم يهتم بجانب على حساب آخر، بل تناول الأحوال جملة واحدة.

آق سنقر والإصلاحات الأمنية فى حلب:
اهتم آق سنقر بداية بالحالة الأمنية الخطيرة التي كانت تُعاني منها حلب، فأقام الحدود الشرعية، وطارد اللصوص وقُطَّاع الطريق، وقضى عليهم، وتخلَّص من المتطرِّفين في الفساد.
وإضافةً إلى هذه السياسة التي تعتمد على وجود شرطة قوية عادلة تُدافع عن الحقوق، وتستخدم سلطتها في حماية الناس بدلاً من التسلُّط عليهم، إضافةً لهذه الشرطة فإن آق سنقر لجأ إلى سياسة أخرى عجيبة آتت ثمارًا رائعة وفي وقتٍ محدود؛ ذلك أنه أقرَّ مبدأ المسئولية الجماعية لكل قرية أو قِطَاع في المدينة؛ مما يعني أنه في حالة إذا هُوجمت قافلة أو إنسان، فإن أهل القرية يتحمَّلون مسئولية الدفاع عنه، وإذا سُرقت أمواله، فإنهم يجتمعون معًا لتعويضه عما سُرق؛ ومن ثَمَّ أصبحت مهمَّة الحفاظ على الأمن هو مهمَّة الجميع[10]، ولا يمكن أن يشكَّ الناس في لص أو عصابة مجرمين دون الإخبار عنها؛ لأن المسئولية أصبحت جماعية وليست فردية، وهذا له مرجع في الشريعة، حيث مبدأ «العاقلة»، بمعنى أن أفراد العائلة الواحدة أو القبيلة الواحدة، أو القرية الواحدة يتعاقلون فيما بينهم، أي يتعاونون فيما بينهم لجمع الدِّيَة المطلوبة من أحدهم، أو سداد الدين عنه، وبذلك تعود الحقوق لأصحابها مهما كانت كبيرة.

آق سنقر وانتشار الأمن والأمان فى حلب:
ونتيجة لسياسة آق سنقر البارعة ونتيجة للاستخدام الصحيح لجهاز الشرطة في الإمارة، عمَّ الأمن والأمان في كل الربوع وفي غضون أشهر قليلة، وانعكس ذلك -ولا شكَّ- على حركة التجارة والزراعة، وانعكس على حركة الأموال والبضائع؛ ومن ثَمَّ تحسَّن الاقتصاد بشكل ملموس وانخفضت الأسعار، وتوفَّرت المنتجات، وصار لحلب شأن عظيم بين الإمارات المجاورة[11].

ولا بُدَّ أن نُؤَكِّد هنا أن آق سنقر -رحمه الله- كان حريصًا تمامًا على إقامة الحدود الشرعية، مع أن الكثيرين قد يعتقدون أنها ستترك مجتمعًا مشوَّهًا نتيجة قطع أيدي السارقين، وقتل القاتلين، ورجم الزناة المحصنين، وجلد الزناة غير المحصنين، وجلد شاربي الخمر؛ قد يعتقد البعض أن المجتمع في حلب أصبح مشوَّهًا نتيجة تطبيق الحدود في وجود الكثير من المفسدين والمجرمين! لكن واقع الأمر أن هذا لم يحدث؛ لقد كان تطبيق الشريعة مع مجرم أو اثنين رادعًا لبقية المجرمين، ولم تَنْقِلْ لنا المصادر أن عددًا كبيرًا قد عُوقب بهذه الحدود، إنما نقلت أن الأغلب الأعمَّ من المجرمين ارتدع عن جرائمه، وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]، فأصبحت حياة حلب وأمنها وعزِّها وتحسُّن اقتصادها وعلوّ شأنها في تطبيق القصاص، وفي الالتزام بالحدود الشرعية، وفي التطبيق الحرفيِّ لكتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ونتيجة هذا الأمن المتناهي نادى آق سنقر في أهل حلب بأمر عجيب جدًّا، وهو أن لا يرفع أحد متاعه من الطريق إذا أراد أن يذهب إلى مكان بعيد ثم يعود، بل يتركه دون حراسة، وهو ضامن له ألا يُسرق!
لقد كان أمنًا عجيبًا تحدَّث عنه الناس هنا وهناك.

آق سنقر ونشر الأمن والامان فى حلب:
ومما يُروى في هذا الصدد قصَّة عجيبة، وهي أن آق سنقر كان قد مرَّ بقرية من قرى حلب، فوجد أحد الفلاحين -وكان لا يعرف آق سنقر- قد فرغ من عمله في حقله، ويستعدُّ لحمل أداة من أدوات الزراعة على دابَّته ليحملها إلى القرية، وكانت هذه الآلة مغلَّفة بالجلد، فقال له آق سنقر: ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحدٌ متاعًا ولا شيئًا من موضعه؟ بمعنى أنه يضمن لك حفظه من السرقة. فقال الفلاح: حفظ الله قسيم الدولة، وقد أُمِّنَّا في أيامه، وما نرفع هذه الآلة خوفًا عليها من السرقة، لكن هنا حيوان يقال له ابن آوَى (حيوان مثل الذئب) تأتي إلى هذه الآلة فتأكل الجلد الذي عليه، فنحن نحفظه منها ونرفعه لذلك. فعندما عاد قسيم الدولة إلى حلب أمر الصيَّادين فتتبعوا هذه الحيوانات في كل الإمارة، فصادوها حتى أفنوه[12]!

لقد كان أمنًا يخرج عن حدِّ الواقع إلى الخيال!

آق سنقر واسهاماته فى المجال العمرانى فى حلب:
ولم يكن إسهام آق سنقر في إنتشار الأمن والامان فقط، بل نجد إسهاماته العمرانية ما يُثبت أنه كان قائدًا متوازنًا مهتمًّا بكل التفاصيل في إمارته، وقد جدَّد -رحمه الله- منارة مسجد حلب الجامع، وما زال اسمه منقوشًا عليها إلى اليوم[13].

آق سنقر واسهاماته فى المجال العسكرى فى حلب :
وأمَّا في المجال العسكري، فكان قسيم الدولة -رحمه الله- منظّمًا إلى أبعد درجة، وكان له جيش نظاميٌّ معظمه من التركمان، وكان له -أيضًا- جيش احتياطي مكوَّن من العرب والتركمان، وكانت القوَّات الاحتياطية تبلغ عشرين ألف مقاتل[14].
وصار قسيم الدولة آق سنقر -رحمه الله- حديث الناس كلهم أجمعين! وأحبَّه أهل حلب حبًّا جمًّا، بل شُغِف بأخباره عامَّة المسلمين.

آق سنقر و أقوال بعض المؤرخين:
يقول المؤرخ ابن القلانسي في ذيل تاريخ دمشق عن آق سنقر: «وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة (الطريق المسلوك) للمتردِّدين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبَّع المفسدين فأبادهم، وقصد أهل الشرِّ فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحُسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر، فعمرت السابلة للمتردِّدين من السفار، وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار»[15].

وقال ابن الأثير في حقه: «وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسةً لرعيته، وحفظًا لهم، وكانت بلاده بين رخص عام وعدل شامل وأمن واسع»[16].

وقال ابن كثير: «كان قسيم الدولة من أحسن الملوك سيرةً، وأجودهم سريرة، وكانت الرعية في أمن وعدل ورخص»[17].
كانت هذه هي حياة قسيم الدولة آق سنقر رحمه الله.

تتش بن ألب أرسلان وحقده علي اق سنقر:
ومع هذه الروعة فإنَّ هذه الحياة لم تكن تُرضي الجميع! بل كان هناك مَنْ يُنكر عليه خيره، ومن يكره فضله، ومن يحقد عليه لأجل صلاحه وورعه! وعلى رأس هؤلاء كان تتش بن ألب أرسلان أخو السلطان ملكشاه، وكان تتش يطمع في بسط سيطرته على الشام بكاملها، وفي وجود مثل هذا الحاكم العادل في حلب فإنَّ ذلك سيصعب عليه؛ فالناس يحبونه، وكذلك السلطان ملكشاه.

فماذا يفعل تتش؟!
لقد كان تتش ذكيًّا في شرِّه! فبدأ في السعي لضمِّ كل الإمارات الشامية باستثناء حلب؛ لأنه يعلم أن ملكشاه يحبُّ آق سنقر، فلا داعي لاستثارة السلطان عليه، ثم إنه أثار حملة السلطان لمساعدته بأن ذكر له أن بقية الإمارات الشامية واقعة تحت تهديد النفوذ العبيديِّ، فأمر السلطان ملكشاه أمراء الشام بما فيهم آق سنقر أن يساعدوا تتش في حروبه ضدَّ العبيديين[18].

لكن قسيم الدولة كان يُدرك أطماع تتش الانفصالية، وكان في الوقت نفسه عظيم الوفاء للسلطان ملكشاه، لكنه لم يستطع أن يطعن في تتش لكونه أخَا ملكشاه، وهذا دفعه لمساعدة تتش بغير حماسة[19]؛ مما أوغر صدر تتش عليه أكثر وأكثر، بل وراسل أخاه السلطان ملكشاه في أمر قسيم الدولة.

أراد السلطان ملكشاه أن يحلَّ الأزمة برفق؛ فهو لا يُريد أن يُغضب كلا الطرفين؛ ومن ثَمَّ فقد استدعى كل أمراء الشام بما فيهم آق سنقر وتتش إلى مقرِّه في فارس ليتباحثوا في أمر الشام، وهناك قام تتش بصراحة باتهام آق سنقر بعدم الإخلاص للسلاجقة، وهذا دفع آق سنقر لأن يدافع عن نفسه؛ بل واتهم تتش بالكذب، ومن العجب أن السلطان ملكشاه أقرَّ آق سنقر على رأيه، ورفض عزله، وأوصى أخاه تتش بعدم التعرُّض له[20]!

وكان هذا اللقاء في (رمضان 484هـ)، أي بعد خمس سنوات من ولاية آق سنقر على حلب، لكن في السنة التالية حدث أمر مفجع وهو

وفاة ملكشاه بن ألب أرسلان في (شوال 485هـ= نوفمبر 1092م)، وتولَّى بَرْكيَارُوق ابنه الأكبر الولاية على السلطنة السلجوقية الكبرى:
وفاة السلطان ملكشاه في (شوال 485هـ= نوفمبر 1092م)، وتولَّى بَرْكيَارُوق ابنه الأكبر الولاية على السلطنة السلجوقية الكبرى[21]، وهذا أغضب تتش الذي كان يطمع في هذا المنصب الرفيع؛ ولذلك قرَّر تتش أن يتحرَّك بالقوَّة العسكرية لحرب ابن أخيه بَرْكيَارُوق، والسيطرة على السلطنة بالقوَّة!
ولكن تتش كان يخشى من وجود قوَّة آق سنقر خلف ظهره، وفي الوقت نفسه كان يُريد أن يستغلَّ قوَّته العسكرية الكبيرة في تحقيق مطامعه، فأمره أن يأتي على رأس جيشه ليُعاونه في حرب بَرْكيَارُوق بن ملكشاه!!

وقع قسيم الدولة آق سنقر في أزمة كبيرة؛ فهو يعلم أن قوَّة تتش أكبر بكثير من قوَّته، وهو في النهاية أخو ملكشاه السلطان المتوفَّى، وعمُّ السلطان الحالي بَرْكيَارُوق، لكن في الوقت نفسه هو على وفائه للسلطان العظيم ملكشاه، ويُريد أن يحفظه في ابنه، كما أنه يعلم أطماع تتش، ويعلم أنه ليس بالشخصية الجديرة بحكم المسلمين، فماذا يفعل؟!

مقتل آق سنقر:

حادثة قتل آق ٌ سنقر:
لقد فكَّر قسيم الدولة آق سنقرفي خطَّة خطيرة! قد يدفع ثمنها من حياته يومًا ما، لكن لم يجد أمامه حلاًّ آخر!

لقد قرَّر قسيم الدولة آق سنقرأن يخرج بجيشه مع تتش، ويوهمه أنه سيقاتل معه، فإذا التقى الجيشان، ترك قسيم الدولة جيش تتش وانضمَّ إلى جيش بَرْكيَارُوق[22]!

إنها خطة خطيرة ستقضي تمامًا على قسيم الدولة آق سنقر لو انتصر تتش! لكنَّ قسيم الدولة كان يرى أن الحقَّ مع بَرْكيَارُوق، ليس لأنه الوريث الشرعيُّ للحكم فقط، ولكن لكونه أصلح وأتقى ألف مرَّة من تتش؛ ولذلك ضحَّى بأمنه وحياته من أجل الدفاع عن هذا الحقِّ.

إنه نوعية فريدة حقًّا من الرجال!

ونفَّذ قسيم الدولة خطته، وفي سنة (486هـ) التقى جيش تتش مع جيش بَرْكيَارُوق في مدينة الرَّيِّ بفارس، وفعلاً انسحب آق سنقر بجيشه وانضمَّ إلى بَرْكيَارُوق، وفعل الشيء نفسه أمير الرها بوزان، وكان وفيًّا كذلك للسلطان الراحل ملكشاه، فاختلَّ توازن جيش تتش؛ ومن ثَمَّ انسحب مهزومًا من الرَّيِّ، وعاد إلى الشام بخُفَّي حُنَيْن، لكنه عاد بقلبٍ أشدَّ حقدًا على قسيم الدولة آق سنقر[23].

أعاد بَرْكيَارُوق قسيم الدولة آق سنقر إلى إمارة حلب تابعًا له، وذلك في ذي القعدة (486هـ)، وأمدَّه بقوات إضافية؛ لأنه كان يتوقَّع ضربة انتقامية وشيكة من تتش.

وسرعان ما جاءت هذه الضربة؛ فقد جمع تتش عدَّة جيوش، وتقدَّم صوب حلب لامتلاكها، وخرج له قسيم الدولة بعد أن استغاث ببعض الأمراء التابعين لبَرْكيَارُوق، لكنَّ الأمراء تأخَّرُوا في القدوم؛ مما جعل قسيم الدولة يُواجه تتش بجيشه وحده، وكانت الهزيمة المفجعة، وأُسِرَ آق سنقر، وقام تتش بقتله على الفور[24]!

كانت هذه المأساة في يوم السبت 9 من جمادى الأولى 487هـ= مايو 1094م، وهكذا انتهت فترة حكم آق سنقر -وهي ثمانية أعوام- لمدينة حلب، ويشهد الجميع أنها كانت من أزهى عصور حلب مطلقًا.

هذه هي قصة الرجل العظيم قسيم الدولة آق سنقر الحاجب!
هذه هي قصة الرجل الذي تربَّى في بيته عماد الدين زنكي!

آق سنقر في عيون المسلمين:
لقد قُتل قسيم الدولة آق سنقر، بينما لم يتجاوز ابنه عماد الدين زنكي عشر سنوات[25]!! لقد كان عماد الدين زنكي طفلاً صغيرًا، ولا بُدَّ أن كثيرًا من الناس أشفقوا عليه من الضياع، وكم من الأيتام ضاعوا ويضيعون! لكن عماد الدين زنكي لم يضِع، بل أعزَّه الله ونصره، ولم يمُتْ إلا وهو على رأس إمارة واسعة، وكان من أحبِّ خلق الله إلى قلوب العباد.

إن قسيم الدولة وإن كان لم يترك لابنه مالاً كثيرًا، ولا منصبًا رفيعًا؛ فإنه ترك له أشياء أخرى كثيرة أعظم كثيرًا من المال والسلطان.

ماذا ترك آق سنقر لإبنه عماد الدين زنكى ؟
– لقد ترك له أولاً رعاية الله عز وجل وحفظه، وكفى بهذه الرعاية ميراثًا! لقد كان قسيم الدولة ورعًا تقيًّا قائلاً للحقِّ دومًا، حتى قال عنه ابن العديم[26]:
«وكان قسيم الدولة شديد التقوى، عميق الإيمان»[27]. وهذه التقوى حفظت الابن الصغير الضعيف كما وعد الله عز وجل: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}[النساء: 9].

وترك قسيم الدولة آق سنقرلابنه ثانيًا حبًّا عظيمًا للشريعة وآدابها، وتوقيرًا كاملاً لقوانينها وحدودها، ورأى عماد الدين زنكي بعينيه بركات تطبيق الشريعة، فما تركها قط.

وترك قسيم الدولةآق سنقر لابنه ثالثًا إعلاءً لقيمة العدل، حتى ترسَّخ ذلك في قلبه وكيانه، فكَرِه الظلم بكل صوره، وصار من أعدل حكام المسلمين كما كان أبوه.

وترك قسيم الدولةآق سنقر لابنه رابعًا رحمة فطرية على الرعية، حتى كان يُقَدِّم مصالحهم على مصالحه، ويعفو ويصفح لو كان الخطأ في حقِّه، ويرحم الضعفاء والفقراء، ويأخذ الحقَّ لأهله دون تجاوزٍ أو طغيان.

وترك قسيم الدولة آق سنقر لابنه خامسًا تواضعًا عظيمًا، جعله لا ينظر إلى بهرجة السلطان، وعظمة الكرسيِّ، بل كان دائمًا متواضعًا لله سبحانه وتعالى، يُدرك فضل الله عليه؛ ومن ثَمَّ لا يتكبَّر على خلق الله، ولا يُعْجَبُ بما يُحَقِّق من نصر أو تمكين.

وترك قسيم الدولة لابنه سادسًا مهارة إدارية وقيادية؛ جعلته قادرًا على تحريك الجموع وسياستهم، وجعلته محبًّا لفكرة الوَحْدَة والتجمُّع تحت راية واحدة.

وترك قسيم الدولةآق سنقر لابنه سابعًا حبًّا للجهاد وتعظيمًا له، فحياته كلها كانت جهادًا، وكذلك حياة ابنه؛ لقد علَّم ابنه كيف يكون مجاهدًا في سبيل الله لا في سبيل الملك والمال، كما عَلَّمه ركوب الخيل وفنون الفروسية، فقد كان قسيم الدولة من أمهر الناس قتالاً، ومن أعظمهم جهادًا.

وترك قسيم الدولة آق سنقرلابنه ثامنًا حبًّا في قلوب أهل حلب، فقد تعلَّقت قلوبهم جميعًا بهذا الحاكم العادل الرحيم، حتى قال ابن الأثير كلمة عجيبة تصف حبَّ الناس له، فقال: «توارث أهل حلب الرحمة عليه إلى آخر الدهر!». وقال ابن العديم كذلك: «وعامل أهل حلب من الجميل بما أحوجهم أن يتوارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر!»[28]. أي أن كلَّ أبٍ يُوصِي أبناءه أن يتراحموا على قسيم الدولة، وهكذا إلى آخر الدهر! فأيُّ درجةٍ من الحبِّ كانت هذه الدرجة! ولا شكَّ أن هذا سيكون له مردود كبير على حياة عماد الدين زنكي.

وترك قسيم الدولة آق سنقرلابنه تاسعًا حبًّا واضحًا للسلاطين العادلين الأقوياء من السلاجقة، فقد كان ولاء قسيم الدولة لملكشاه، ولابنه بَرْكيَارُوق من بعده، وهذا أعطى وضوحَ رؤيةٍ كبير لعماد الدين زنكي، فلم ينبهر في حياته بلقبٍ أو شخص، إنما جعل ولاءه للسلطان العادل، ولم يتشتَّت بين القوى المختلفة، بل ظلَّ ثابتًا في اتجاه واحد، وهذا حقَّق له خيرًا كثيرًا في حياته.

وترك قسيم الدولة آق سنقرلابنه عاشرًا وأخيرًا مجموعة من الأصدقاء الأوفياء الذين أحبوه لله، لشخصه لا لسلطانه، فحفظوا ابنه اليتيم بعد موته، تمامًا كما فعل قسيم الدولة عندما حفظ ابن السلطان ملكشاه بعد موته؛ لأنه كان يحبُّ السلطان لله، وهكذا دائمًا يحدث؛ فالجزاء من جنس العمل، والله عز وجل يقول: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].

فتلك عشرة كاملة تركها قسيم الدولة لابنه الصغير عماد الدين زنكي! فمَنْ مِن المسلمين ترك لابنه مثلما ترك قسيم الدولة لابنه؟!

إن الناس تنشغل بترك المال والثروة، وتأمين الشقَّة والسيارة، وتوصية فلان وفلان، ولكنَّ القليل الذي يترك مثل الذي تركه قسيم الدولة رحمه الله، لكنَّ القليل -أيضًا- الذي يكون مثل عماد الدين زنكي، فاعتبروا يا أولي الأبصار!

[1] ابن العديم: بغية الطلب في تاريخ حلب 8/3844.
[2] ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص186.
[3] ابن الأثير: التاريخ الباهر ص4.
[4] ابن العديم: زبدة الحلب 2/91، 92.
[5] ابن العديم: زبدة الحلب 2/99، 100.
[6] النويري: نهاية الأرب 27/93.
[7] ابن واصل: مفرج الكروب 1/18.
[8] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/443.
[9] مصطفى شاكر: دخول الترك الغز إلى الشام ص307، 314، 315. المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام الأول، عمان 1975م.
[10] ابن الأثير: الباهر ص15.
[11] سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان 8/244.
[12] ابن العديم: زبدة الحلب 2/104.
[13] ابن العديم: زبدة الحلب 2/105.
[14] ابن العديم: زبدة الحلب 2/104.
[15] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص196.
[16] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/495.
[17] ابن كثير: البداية والنهاية 12/147.
[18] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/477.
[19] سهيل زكار: مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص216.
[20] ابن العديم: بغية الطلب 4/1956.
[21] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/484.
[22] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/488.
[23] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/489، وابن العديم: زبدة الحلب 2/109، 110.
[24] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/494، 495، وابن واصل: مفرج الكروب 1/27.
[25] ابن الأثير: التاريخ الباهر ص15.
[26] ابن العديم (586-660 هـ=1192-1262م): كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، الصاحب العلامة رئيس الشام، وكان محدثًا حافظًا مؤرخًا صادقًا فقيهًا مفتيًا منشئًا بليغًا كاتبًا مجودًا، درس وأفتى وصنَّف، وترسل عن الملوك، ولد بحلب، ورحل إلى دمشق وفلسطين والحجاز والعراق، وتوفي بالقاهرة، من كتبه: (بغية الطلب في تاريخ حلب). انظر ابن شاكر: فوات الوفيات 3/126-129، والذهبي: تاريخ الإسلام 14/938.
[27] ابن العديم: زبدة الحلب 2/105.
[28] ابن العديم: بغية الطلب فى تاريخ حل

قصة الإسلام

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: