آياّت النّصر في حرب غزّة( بقلم منال بن مبروك)

لازال البعض يناقش ما إذا كانت المقاومة إنتصرت في غزة أم انهزمت و يقيّم الإنتصار وفقا لمنطقه الخاص متغافلا على أنّ حربا لم تخضع لمنطق التكافئ منذ البداية لا يمكن إعتبارها مبارة كرة قدم و أنّ أرواح الشهداء التي صعدت إلى السماء ليست أهدافا تحسب لفائدة الخصم.خاضت المقاومة في غزة على مدار إحدى و خمسين يوما حربا ضروسا مع الجيش الإسرائيلي رابع أقوى الجيوش في العالم لم تسمح للجنود الإسرائيليين بالتّقدم شبرا في القطاع ,حربا دخلها نتانياهو بهدف القضاء على الأنفاق و سحب سلاح المقاومة فخرجها منها هو و جنوده يجرّون أذيال الخيبة بعد أن رأوا من المقاومة  ما لم ينتظروه.إنّ نصرا كهذا لهوا آية من آيّات الله وجب التفكّر فيها و الإعتبار منها .

لقد رأينا في غزة آيات لا ينكرها إلاّ أعمى البصر و البصيرة,إستطاعت المقاومة رغم قلّة  مواردها و رغم الحصار المفروض عليها من تطوير أسلحتها و معدّاتها العسكريّة لتصل مدى صواريخها إلى أبعد من  مئة كلم و تصيب عمق تلّ أبيب ,بعد أن كانت في  بدايتها  سنة 2001 لا تتجاوز 4 كم .

بل و تحدّت كتائب القسّام القبّة الحديديّة أن تتصدّى لصواريخ المقاومة في بادرة كانت الأولى التي تأخذ فيها حماس بزمام الحرب و تحدّد الساعة لبدء إطلاق الصواريخ  فأرغمت ملايّين المستوطنين على الإختباء داخل  الأنفاق حتّى صارت تلّ أبيب مدينة أشباح .”فكم من فئة قليلا غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين”

هي تلك الفصائل التي حوصرت من القريب قبل الغريب و تكالبت عليها إسرائيل بترسانتها العسكريّة و جيشها العتيد

تلك الفصائل تبهرنا  بطائرة إستطلاع “أبابيل” محليّة الصنع ,قرآنيّة التّسميّة  تخترق الأجواء الإسرائيليّة في عمليّة إستخبارتيّة و تعود إلى غزة بسلام .

هؤلاء الرجال الذي قال فيهم الشهيد نزار ريّان عندما سئل ماذا أعدّت حماس فردّ “أعدّت الله و رسوله”

بالفعل فقد أعدّوا ما إستطاعوا بفضل إيمانهم بالله و توّكلهم عليه و أبهروا العالم بهذا التطوّر النّوعي لأدواتهم القتاليّة وتحدّيهم لظروف الحصار القاسيّة التي طالت البحر و الجوّ فماكان لهم سوى عمق الأرض يغوصون فيه لحفر الأنفاق  لتصبح مراكز عمليّاتهم العسكريّة و مواقع إطلاق الصواريخ ,و فاجئنا رجال المقاومة كما فاجئوا قوّات الإحتلال بوصول هذه الأنفاق إلى قلب إسرائيل حيث تسلّلت فرقة من جنود القسّام إلى الأراضي الإسرائيليّة و عادت بعد أداء مهمّتها بسلام .

و قد نقلت مجلّة  دير شبيغل الألمانيّة تصريحات ل يوسي ألفير الذي عمل لسنوات كضابط مخابرات بالجيش الإسرائيلي وبجهاز الموساد، قد انتقد ما يحدث قائلا: “يبدو أنه لم يكن هناك أحد لديه القدرة على إدراك حجم نظام الأنفاق…” بينما قال السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن مايكل أورن والذي كان عميل استخبارات أيضا: “الأنفاق خطط تنتمي للقرون الوسطى … لكن لم نستطع رصدها على الرادار“.

إستطاعت المقاومة بهذه التّقنيّة البسيطة قهر قوّات الإحتلال و تعجيزهم فلقد كان هدف نتنايهو من هذه الحرب هدم الأنفاق بعد أن تنازل عن هدفه الأوّل بالقضاء على حماس لكنّ قوّات جيشه لم تتمكّن من الصمود أمام جنود القّسّام على إثر الإجتياح البرّي لأنّهم كما وصفهم الله عزّو جلّ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ “

و قتل منهم المئات ناهيك عن الآليّات التي تمّ تفجيرها و الأسلحة التي صادرها جنود المقاومة و قاموا بعرضها على مواقع الأنترنات

و من الإنتصارات التي تحسب للمقاومة أسر جندي إلى حدّ الآن و قد تعلن في وقت لاحق عن عدد الأسرى الحقيقي و طبعا هذا سيقوي شوكة المقاومة في المفاوضات و ينتظر أنّ يقع تحرير آلاف الأسرى في سجون الإحتلال 

و إن عددنا إنتصارات المقاومة من حيث الجانب الميداني فإنّ المعجزة الحقيقة كانت في صمود الشعب الفلسطيني و ثباته في أرض المعركة في مشاهد يقشعرّ لها الجسد كمشهد الأب الذي إستشهد أولاده فيهلّل و يكبّر و يخرّ ساجدا للّه و مشهد المقاتل الذي تبتر ذراعه و يقوم بترتيل القرآن في غرفة العمليّات و هو صابر محتسب و لعلّ آخر هذه المشاهد كلمات نجلة الشهيد محمد أبو شمالة  و هي تعدّد العمليّات التي قام بها والدها بكلّ فخر و تأكّد على تقديم روحها فداءا للأقصى..

إنّ قوما كهؤلاء يصعب على إسرائيل هزيمتهم ,إنّهم أقواما حريصون على الموت في سبيل الله حرص الإسرائيليّن على الحياة

و من الواجب دراسة تجربة المقاومة و التّعلم من تجاربها فرغم غياب التّوازن العسكري بينها و بين قوّات الإحتلال إلاّ أنّها حقّقت إنتصار لا يستهان به بإخضاعها إسرائيل للتّفاوض و إرغامها على وقف إطلاق النّار و فتح المعابر.

إنتصرت غزة بما للفظ من معنى ,بما للأحرف من رمز,بما للكلمة من رسم و إنّ النّصر القادم بإذن الله سيكون قريبا بتحرير المسجد الأقصى و تحرير كامل الأراضي الفلسطينيّة “و من يتوّكل على الله فهو حسبه”

 منال بن مبروك

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: