أحداث الشّعانبي : إرهاب بأهداف سياسيّة ( بقلم عبدالله مشاعلي /كاتب ومحلّل سياسي تونسي )

لن أتحدّث عن الشّعانبي وما يجري فيه لأنّي مثل غيري من التّونسيين لا نملك سوى كمّ شحيح من المعلومات مقابل تعتيم مطبق من قبل دوائر القرار في الدولة ، تعتيم سمح لبعض الناس بالتهويم شرقا وغربا باحثين عن جهة يحمّلونها مسؤوليّة ما يقع وكلّ حسب أهوائه ومصالحه وانتماءاته العقائديّة و الايديولوجيّة ولكن ذلك لا يمنعنا من محاولة قراءة أثر ذلك العمل الإجراميّ الجبان على النّخبة السّياسيّة في تونس خاصّة وأنّ ظروف العمليّة وتوقيتها وطريقة تنفيذها بدا مريبا بسبب ما سبقه من مشاحنات حزبيّة ودعوات من بعض الأطراف لتأجيل الانتخابات و تمديد فترة تسجيل النّاخبين .

لقد تلا ذلك الحادث مباشرة حركة دؤوب في هرم المشهد السّياسيّ في تونس حيث عقدت طاولات المحاورات وجيء بجهابذة السّياسة والإعلام والأمن ليجمع عدد هامّ منهم على ضرورة تهجير الإسلاميين من جديد أو إعادتهم للسّجون بل هنالك نقابيّا أمنيّا تهكّم على هذا الأمر قائلا إنّ لهم في لندن بيوتا ومنازل ، هذا في مستوى الإعلام الذي حاول بكلّ جهده توجيه بوصلة المشاهد نحو تحميل حركة النّهضة وحدها مسؤوليّة زرع الإرهاب في ربوعنا والدّعوة إلى محاسبتها حسابا عسيرا .

أما في مستوى الشّارع فقد تحوّلت مظاهرة ضدّ الإرهاب دعا إليها الرّباعي الرّاعي للحوار الوطنيّ إلى سبّ وشتم لقياديين من حركة النهضة شاركوا فيها ممّا يبرز حجم الهوّة داخل الطّبقة السّياسيّة بين اليسار والإسلاميين خاصّة.إنّ هذا المشهد أثبت حالة العجز الذي تعيش داخله النّخبة السّياسيّة التّونسيّة التي لم تنصرف بعد الثّورة لمعالجة القضايا الحارقة التي قامت من أجلها ثورة 17 ديسمبر بقدر ما اتّجهت لتقاسم كعكة السّلطة التي أنتجت زيجات هجينة و أنتجت صراعا مقيتا كان ضـحيّته وطن بأكمله انهار اقتصاده وأنهكت إدارته وغطّته الأوساخ.

إنّ تحليلنا هذا ليس نابعا من فراغ بل هو قراءة تثبتها الوقائع على الأرض فحركة النّهضة المنتشية بفوزها في انتخابات 23 أكتوبرعملت بجهد على تثبيت أقدامها داخل مفاصل الدّولة التّونسيّة متناسية مطالب الشّعب الحقيقيّة في الشّغل والحريّة والكرامة فغاب تطبيق القانون في مواضع كثيرة وأصبح لأدعياء السّلفيّة مواطئ في المساجد وداخل البلاد يعتدون فيها على النّاس ويجبرونهم على سلوك يرتضونه هم (إغلاق الحانات والتهجّم على السافرات من النساء)في تحدّ واضح لسلطة الدّولة ، أمّا الشقّ المعادي لها ( اليسار التّونسي ) فحين أدرك حجمه الضئيل داخل الشّارع التوّنسيّ بعد الانتخابات انصرف لمحاولة إسقاط تجربة النّهضة في الحكم ولو بإسقاط الدّولة فاستعمل اتحاد الشغل (يسيطر عليه اليسار والقوميون) عبر تكثيف الاضرابات وتعطيل العمل الذي بلغ أرقاما قياسيّة في حين كانت في عهد بن علي تعدّ على أصابع اليد من جهة وبواسطة إحياء جثّة التّجمّع ممثّلا في نداء تونس وقائده الباجي قايد السبسي الذي طالب بإجهاض المسار الدّيموقراطي برمّته .

هذا الصراع الدّامي نتجت عنه محاصصة جديدة في الحكم ليس على أساس برنامج يخدم مصلحة الشّعب بل على أساس برنامج يقدّم التّنازل تلو الاخر للقوى الغربيّة التي أقحمت نفسها في الدّائرة التّونسيّة وأصبح البلد خاضعا في برامجه الاقتصاديّة والاجتماعيّة لصندوق النقد الدّولي الذي فرض شروطا قاسية زادت الفقير فقرا وهوت بالطبقة الوسطى إلى الحضيض ،وعن طريق حكومة هي أقرب لوكيل لرجال أعمال متنفّذين منه لحكومة تونسية وطنيّة .

من خلال هذه الشّقوق تسلل الإرهاب ليغرس أصابعه في جسد وطن مثخن بنصف قرن من التّفقير والتّجهيل الممنهج لمناطقه الدّاخليّة فوجد في شباب مهمّش بائس جاهل خير خزّان بشريّ مستغلّا في ذلك أموالا طائلة تتدفّق من دول الخليج العربيّ التي عملت جهدها في ضرب تجربة حكم الاخوان في مصر وتونس فرأينا خيمات أمام المعاهد والمدارس ومطويّات فاخرة توزّع و أموال تغدق دون حسيب أو رقيب. ومستغلاّ بنية نفسيّة هشّة عند هؤلاء الشّباب وغياب أفق واضح أو أمل في المستقبل حتىّ أنّ ألإرهhبيّ الذي قتله الجيش أخيرا يتحدّث عنه النّاس بأنّه حاول مرّات عدّة الهجرة سرّا إلى أوربّا وفشل في ذلك فانضمّ للارهابيي تحت إغراءات متعدّدة .إ

إنّ هؤلاء قد تغلغلوا في المساجد وسيطروا على بعضها وكفّروا الأحزاب وخاصّة حركة النّهضة التي صوّروها كعدوّة أولى للدّين الاسلامي فالتقوا في ذلك موضوعيّا مع شق يساريّ استئصاليّ ينادي بنفي الاسلاميين من جديد والتقوا موضوعيّا كذلك مع دولة عميقة يسيطر عليها التجمّعيّون ويرون أنفسهم الأحقّ بالحكم دون سواهم ولو كان ذلك دون انتخابات .

من هنا تصبح كلّ عمليّة إرهابيّة في تونس تتخذ طريقتين في التّحليل تؤدّيان لنتيجتين مختلفتين ، إمّا أنّ هذا الإرهاب تمارسه القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتهدف من ورائه إلى بثّ الفوضى وتقويض الدّولة في تونس كي تتمكّن من الانتصاب بها خاصّة و أنّ لها قاعدة خلفيّة في ليبيا و إمّا هو إرهاب مصطنع بواسطة مخابرات أجنبيّة لها عملاؤها في تونس وتهدف من خلاله إلى إعادة تجربة استئصال الإسلاميين من تونس وتركيز دكتاتوريّة على الطّريقة السّيسيّة في مصر تقيهم شرّ نجاح التّجربة الدّيموقراطيّة التّونسيّة وما ستثيره من وبال عليهم داخل بلدانهم . كلا التّحليلين له ما يبرّره و كلا الطريقتين قابلتين للتّحقيق إذا لم تتوحّد النّخبة السّياسيّة حول مشروع وطن جامع وتنزع عنها الحسابات وطبخات المؤامرات .

ــ لننتظر ونرى ..

عبد الله مشاعلي ( كاتب ومحلّل سياسي تونسي )

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: