image

أحكام المواريث (لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله) / الجزء الثالث

أحكام المواريث (لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله) / الجزء الثالث
ميراث الحمل

قد يكون من جملة الورثة حمل ، ومعلوم حينئذ ما يحصل من الإشكال الناشئ عن جهالة الحالة التي يكون عليها من حياة أو موت ، وتعدد وانفراد ، وأنوثة وذكورة ، والحكم يختلف غالبا باختلاف تلك الاحتمالات ، من هنا اهتم العلماء – رحمهم الله – بشأنه ، فعقدوا له بابا خاصا في كتب المواريث .

والحمل ما يحمل في البطن من الولد ، والمراد به هنا ما في بطن الآدمية إذا توفي المورث وهي حامل به ، وكان يرث أو يحجب بكل تقدير ، أو يرث أو يحجب في بعض التقادير ، إذا انفصل حيا .

والحمل الذي يرث بالإجماع هو الذي يتحقق فيه شرطان :

الشرط الأول : وجوده في الرحم حين موت المورث ، ولو نطفة .

الشرط الثاني : انفصاله حيا حياة مستقرة ؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم – : ” إذا استهل المولود ورث ” رواه أبو داود ، ونقل عن ابن حبان تصحيحه ، ومعنى استهلال المولود بكاؤه عند ولادته برفع صوته ، وقيل : معنى الاستهلال أن يوجد منه دليل الحياة من بكاء أو عطاس أو حركة ، ولا يختص ذلك بالبكاء ؛ فالاستهلال بعد الولادة دليل على انفصاله حيا حياة مستقرة ، وبه يتحقق الشرط الثاني .

أما الشرط الأول – وهو وجوده في الرحم حين موت المورث – فيستدل على تحققه بأن تلده في المدة المحددة للحمل ، ولها أقل ، ولها أكثر ، بحسب الأحوال ، وذلك أن للحمل المولود بعد وفاة المورث ثلاث حالات :

الحالة الأولى : أن تلده حيا قبل مضي زمن أقل مدة الحمل من موت المورث ؛ ففي هذه الحالة يرث مطلقا ؛ لأن حياته بعد الولادة في هذه المدة دليل على أنه كان موجودا قبل موت المورث ، وأقل مدة الحمل ستة أشهر بإجماع العلماء ؛ لقوله تعالى : ” وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ” مع قوله تعالى : ” وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ” فإذا طرح الحولان وهما أربعة وعشرون شهرا من ثلاثين شهرا ؛ بقي ستة أشهر ، وهي أقل مدة الحمل .

الحالة الثانية : أن تلده بعد مضي زمن أكثر مدة الحمل من موت المورث ؛ ففي هذه الحالة لا يرث ؛ لأن ولادته بعد هذه المدة تدل على حدوثه بعد موت المورث .

وقد اختلف العلماء في تحديد أكثر مدة الحمل على ثلاثة أقوال :

الأول : أن أكثر مدة الحمل سنتان ؛ لقول أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – : ” لا يبقى الولد في بطن أمه أكثر من سنتين ” ومثل هذا لا مجال للاجتهاد فيه ؛ فله حكم المرفوع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم –

الثاني : أن أكثر مدة الحمل أربع سنين ؛ لأن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى الوجود ، وقد وجد بقاء الحمل في بطن أمه إلى أربع سنين .

الثالث : أن أكثر مدة الحمل خمس سنين .

وأرجح الأقوال – والله أعلم – أن أكثر مدة الحمل أربع سنين ؛ لأنه لم يثبت بالتحديد دليل ، فيرجع فيه إلى الوجود ، وقد وجد أربع سنين ، والله أعلم .

الحالة الثالثة : أن تلده فيما فوق الحد الأدنى لمدة الحمل ودون الحد الأعلى لها ؛ ففي هذه الحالة : إن كانت تحت زوج أو سيد يطؤها في هذه المدة فإن الحمل لا يرث من الميت ؛ لأنه غير متحقق الوجود حين موت المورث ، لاحتمال أن يكون من وطء حادث بعد موت المورث ، وإن كانت لا توطأ في هذه المدة لعدم الزوج أو السيد أو غيبتهما أو تركهما الوطء عجزا أو امتناعا فإن الحمل يرث ؛ لأنه متحقق الوجود .

هذا وقد اتفق العلماء على أن المولود إذا استهل بعد ولادته فقد تحققت ولادته حيا حياة مستقرة ، واختلفوا فيما سوى الاستهلال ؛ كالحركة والرضاع أو التنفس ، فمن العلماء من يقتصر على الاستهلال ولا يلحق به غيره من هذه الأمور ، ومنهم من يعمم فيلحق بالاستهلال كل ما دل على حياة المولود ، وهذا هو الراجح ؛ لأن الاستهلال لا يقتصر تفسيره على الصراخ فقط ، بل يشمل الحركة ونحوها عند بعض العلماء ، وحتى لو اقتصر تفسير الاستهلال على الصوت والصراخ ؛ فإن ذلك لا يمنع الاستدلال بالعلامات الأخرى . والله أعلم .

كيفية توريث الحمل :

إذا كان في الورثة حمل ، وطلبوا القسمة قبل وضعه ومعرفة حالته من حيث الإرث وعدمه ؛ فالذي ينبغي في هذه الحالة الانتظار حتى يعرف مصير الحمل ، خروجا من الخلاف ، ولتكون القسمة مرة واحدة .

فإن لم يرض الورثة بالتأخير والانتظار إلى وضع الحمل ؛ فهل يمكنون من القسمة ؟ اختلف العلماء – رحمهم الله – في ذلك على قولين :

القول الأول : أنهم لا يمكنون وذلك للشك في شأن الحمل ، وجهالة حالته ، وتعدد الاحتمالات في شأنه تعددا يترتب عليه اختلاف كبير في مقدار إرثه وإرث من معه .

القول الثاني : أن الورثة يمكنون من طلبهم ، ولا يجبرون على الانتظار ؛ لأن فيه إضرارا بهم ؛ إذ ربما يكونون أو يكون بعضهم فقراء ، ومدة الحمل قد تطول ، والحمل يحتاط له ، فيوقف له ما يضمن سلامة نصيبه ؛ فلا داعي للتأخير .

وهذا هو القول الراجح فيما يظهر ، لكن اختلف أصحاب هذا القول في المقدار الذي يوقف له ؛ لأن الحمل في البطن لا يعلم حقيقته إلا الله ، تتجاذبه احتمالات كثيرة ، من حياته وموته ، وتعدده وانفراده ، وذكوريته وأنوثيته ، ولا شك أن هذه الاحتمالات المتعددة تؤثر على مقدار إرثه وإرث من معه ؛ لذلك اختلفوا في المقدار الذي يوقف للحمل على أقوال :

القول الأول : أنه لا ضبط لعدد الحمل ؛ لأنه لا يعلم أكثر عدد ما تحمل به المرأة من الأجنة ، لكن ينظر في حالة الورثة الذين يرثون مع الحمل ، فمن يرث في بعض التقادير دون بعض ، أو كان نصيبه غير مقدر – كالعاصب – فهذا لا يعطى شيئا ، ومن يرث في جميع التقادير متفاضلا فإنه يعطى الأنقص ، ومن لا يختلف نصيبه في جميع التقادير فإنه يعطى نصيبه كاملا ، ثم يوقف الباقي بعد هذه الاعتبارات ؛ إلا أن ينكشف أمر الحمل .

القول الثاني : أنه يعامل الحمل بالأحظ ، ويعامل الورثة معه بالأضر ، فيوقف للحمل الأكثر من ميراث ذكرين أو أنثيين ، ويعطى الوارث معه اليقين من نصيبه ، فإذا ولد الحمل ، وتبين أمره ؛ أخذ من الموقوف ما يستحقه ورد الباقي إن كان أكثر من نصيبه أو أخذه كاملا إن كان قدر نصيبه ، وإن كان أنقص من نصيبه رجع على الورثة بما نقص .

القول الثالث : أنه يوقف للحمل حظ ابن واحد أو بنت واحدة أيهما أكثر ؛ لأن الغالب المعتاد أن لا تلد الأنثى أكثر من واحد في بطن واحد ، فينبني الحكم على الغالب ، ويأخذ القاضي من الورثة كفيلا بالزيادة على نصيب الواحد ؛ لأن الحمل عاجز عن النظر لنفسه ، فينظر له القاضي احتياطا .

والراجح من هذه الأقوال ما كان فيه الاحتياط أكثر ، وهو القول الثاني ؛ لأن ولادة الاثنين في بطن واحد كثيرة الوقوع ، وما زاد على الاثنين نادر ، وأخذ الكفيل كما في القول الثالث قد يتعذر ، وحتى لو وجد الكفيل ؛ فقد يعتريه ما يعتريه ، فيعجز عن التحمل ، فيضيع حق الحمل إذا تبين أكثر من واحد .

فعلى القول المرجح يجعل للحمل ستة مقادير ؛ لأنه إما أن ينفصل حيا حياة مستقرة ، وإما أن ينفصل ميتا ، وإذا انفصل حيا حياة مستقرة ، فإما أن يكون ذكرا فقط ، أو أنثى فقط ، أو ذكرا وأنثى ، أو ذكرين ، أو أنثيين ، فهذه ستة مقادير ، يجعل لكل تقدير مسألة ، وتجرى عليها العملية الحسابية ، وينظر في أحوال الورثة : فمن كان يرث في جميع المسائل متساويا أعطيته نصيبه كاملا ، ومن كان يرث فيها متفاضلا أعطيته الأنقص ، ومن كان يرث في بعضها دون بعض لم تعطه شيئا ، ويوقف الباقي إلى أن يتضح حال الحمل كما سبق ، والله أعلم .
ميراث المفقود

المفقود لغة : اسم مفعول من فقد الشيء : إذا عدمه ، والفقد أن تطلب الشيء فلا تجده ، والمراد بالمفقود هنا من انقطع خبره وجهل حاله ، فلا يدرى أحي هو أم ميت ، سواء كان سبب ذلك سفره أو حضوره قتالا أو انكسار سفينة أو أسره في أيدي أهل الحرب أو غير ذلك .

ولما كان حال المفقود وقت فقده محتملا مترددا بين كونه موجودا أو معدوما ، ولكل حالة من الحالتين أحكام تخصها : أحكام بالنسبة لزوجته ، وأحكام بالنسبة لإرثه من غيره ، وإرث غيره منه ، وإرث غيره معه ، ولم يترجح أحد الاحتمالين على الآخر ، كان لا بد من ضرب مدة يتأكد فيها من واقعه ، تكون فرصة للبحث عنه ، ويكون مضيها بدون معرفة شيء عنه دليلا على عدم وجوده .

وبناء على ذلك ؛ اتفق العلماء على ضرب تلك المدة ، لكن اختلفوا في مقدارها على قولين :

القول الأول : أنه يرجع في تقدير المدة إلى اجتهاد الحاكم ؛ لأن الأصل حياة المفقود ، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين أو ما في حكمه ، وهذا قول الجمهور ، سواء كان يغلب عليه السلامة أم الهلاك ، وسواء فقد قبل التسعين من عمره أو بعدها ، فينتظر حتى تقوم بينة بموته أو تمضي مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها .

القول الثاني : التفصيل ، وذلك أن للمفقود حالتين :

الأولى : أن يكون الغالب عليه الهلاك ، كمن يفقد في مهلكة ، أو بين الصفين ، أو من مركب غرق فسلم بعض أهله وهلك بعض ، أو يفقد بين أهله ، كأن يخرج لصلاة ونحوها فلا يرجع ، فهذا ينتظر أربع سنين منذ فقد ؛ لأنها مدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار ، فانقطاع خبره إلى هذه المدة يغلب على الظن أنه غير حي .

الثانية : أنه يكون الغالب على المفقود السلامة ؛ كمن سافر لتجارة أو سياحة أو طلب علم فخفي خبره ؛ فهذا ينتظر تتمة تسعين سنة منذ ولد ؛ لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا .

والراجح هو القول الأول ، وهو أنه يرجع في تحديد مدة الانتظار المفقود إلى اجتهاد الحاكم ؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والبلدان والأشخاص ؛ لأنه في زماننا توفرت وسائل الإعلام والمواصلات ، حتى صار العالم كله بمثابة البلد الواحد ، مما يختلف الحال به عن الزمان السابق اختلافا كبيرا .

فإذا مات مورث المفقود في مدة الانتظار المذكورة :

– فإن لم يكن له وارث غير المفقود وقف جميع ماله إلى أن يتضح الأمر ، أو تمضي المدة .

– وإن كان له ورثة غير المفقود ، فقد اختلف العلماء في كيفية مسألتهم على أقوال ، أرجحها قول أكثر العلماء : أنه يعامل الورثة الذين مع المفقود بالأضر ، فيعطى كل منهم إرثه المتيقن ، ويوقف الباقي ، وذلك بأن تقسم المسألة على اعتبار المفقود حيا ، ثم تقسم على اعتباره ميتا ، فإن كان يرث في المسألتين متفاضلا ؛ يعطى الأنقص ، ومن يرث فيهما متساويا يعطى نصيبه كاملا ، ومن يرث في إحدى المسألتين فقط لا يعطى شيئا ، ويوقف الباقي إلى تبين أمر المفقود .

هذا في توريث المفقود من غيره ، وأما توريث غيره منه فإنه إذا مضت مدة انتظاره ولم يتبين أمره فإنه يحكم بموته ، ويقسم ماله الخاص وما وقف له من مال مورثه على ورثته الموجودين حين الحكم بموته ، دون من مات في مدة الانتظار ؛ لأن الحكم بموت المفقود جاء متأخرا عن وفاة من مات في مدة الانتظار ، ومن شرط الإرث حياة الوارث بعد موت المورث .

ميراث الغرقى والهدمى

هذه المسألة كثيرة الوقوع ، عظيمة الإشكال ، ألا وهي مسألة الموت الجماعي ، الذي يموت فيه جماعة من المتوارثين ، لا يعرف من السابق بالوفاة ليكون موروثا ، ومن المتأخر ليكون وارثا ، وكثيرا ما يقع هذا في هذا العصر نتيجة لحوادث الطرق التي يذهب فيها الجماعات من الناس ، كحوادث السيارات والطائرات والقطارات ، وكذا حوادث الهدم والحريق والغرق والقصف في الحروب وغير ذلك .

فإذا حصل شيء من ذلك ؛ فلا يخلو الأمر من خمس حالات :

الحالة الأولى : أن يعلم أن الجماعة مات أفرادها جميعا في آن واحد لم يسبق أحدهم الآخر ، ففي هذه الحالة لا توارث بينهم بالإجماع ؛ لأن من شرط الإرث تحقق حياة الوارث بعد موت المورث ، وهذا الشرط مفقود هنا .

الحالة الثانية : أن يعلم تأخر موت أحدهم بعينه عن موت الآخر ولم ينس ، فالمتأخر يرث المتقدم بالإجماع ؛ لتحقق حياة الوارث بعد موت المورث .

الحالة الثالثة : أن يعلم تأخر موت بعضهم عن موت البعض الآخر من غير تعيين للمتقدم والمتأخر .

الحالة الرابعة : أن يعلم تأخر موت بعضهم عن موت البعض الآخر بعينه ، لكن نسي .

الحالة الخامسة : أن يجهل واقع موتهم ؛ فلا يدرى أماتوا جميعا أم ماتوا متفاوتين .

ففي هذه الأحوال الثلاث الأخيرة مجال للاحتمال ومسرح للاجتهاد والنظر ، وقد اختلف العلماء – رحمهم الله – فيها على قولين :

القول الأول : عدم التوارث في هذه الأحوال الثلاث جميعا ، وهي قول جماعة من الصحابة ، منهم : أبو بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عباس – رضي الله عنهم – وقال به الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وهو تخريج في مذهب أحمد ؛ لأن من شروط الإرث تحقق حياة الوارث بعد موت المورث ، وهذا الشرط ليس بمتحقق هنا ، بل ومشكوك فيه ، ولا توريث مع الشك ، ولأن قتلى وقعة اليمامة وقتلى وقعة صفين وقتلى الحرة لم يورث بعضهم من بعض .

القول الثاني : أنه يورث كل واحد من الآخر ، وهو قول جماعة من الصحابة – رضي الله عنهم – منهم عمر بن الخطاب وعلي – رضي الله عنهما – وهو ظاهر مذهب أحمد – رحمه الله – ووجه هذا القول أن حياة كل منهم كانت ثابتة بيقين ، والأصل بقاؤها إلى ما بعد موت الآخر ، ولأن عمر – رضي الله عنه – لما وقع الطاعون في الشام جعل أهل البيت يموتون عن آخرهم ، فكتب بذلك إلى عمر ، فأمر أن يورثوا بعضهم من بعض .

ويشترط للتوريث أن لا يختلف ورثة الموتى المشتبه في ترتب موتهم ، فيدعي ورثة كل ميت تأخر موت مورثهم ، وليس هناك بينة ؛ فإنهم حينئذ يتحالفون ، ولا توارث .

وكيفية التوريث على هذا القول : أن يورث كل واحد من تلاد مال الآخر ؛ أي : من ماله القديم ؛ دون طريفه ، أي : ماله الجديد الذي ورثه ممن مات معه في الحادث ، وذلك بأن تفرض أن أحدهم مات أولا ، فتقسم ماله القديم على ورثته الأحياء ومن مات معه ، فما حصل لمن مات معه من ماله بهذه القسمة قسمته بين ورثته الأحياء فقط ، دون من مات معه ؛ لئلا يرث مال نفسه ، ثم تعكس العملية مع الآخر ، فتفرضه مات أولا ، وتعمل معه ما عملته مع الأول .

والراجح في هذه المسألة هو القول الأول ، وهو عدم التوارث ؛ لأن الإرث لا يثبت بالاحتمال والشك ، وواقع الموتى في هذه المسألة مجهول ، والمجهول كالمعدوم ، وتقدم موت أحدهم في هذه الحالة مجهول ؛ فهو كالمعدوم ، وأيضا الميراث إنما حصل للحي ليكون خليفة للميت ينتفع بماله بعده ، وهذا مفقود هنا ، مع ما يلزم على القول بتوارثهم من التناقض ؛ لأن توريث أحدهم من صاحبه يقتضي أنه متأخر عنه بالوفاة ، وتوريث صاحبه منه يقتضي أنه متقدم ، فيكون كل واحد منهما متقدما متأخرا ، فعلى هذا القول الراجح – وهو عدم التوارث – يكون مال كل منهم لورثته الأحياء فقط دون من مات معه ، عملا باليقين ، وابتعادا عن الاشتباه ، والله أعلم .

التوريث بالرد

الرد لغة : الصرف والإرجاع ، يقال : رده ردا : أرجعه وصرفه ، والارتداد الرجوع ، ومنه سميت الردة ؛ لأنها رجوع عن الدين الصحيح .

والرد في اصطلاح الفرضيين : هو صرف الباقي من التركة عن فروض الورثة إذا لم يكن هناك عاصب يستحقه إلى أصحاب الفروض بقدر فروضهم .

وذلك أن الله سبحانه قدر فروض الورثة بالنصف والربع والثمن والثلثين والثلث والسدس ، وبين كيفية توريث العصبة من الذكور والإناث ، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” ألحقوا الفرائض بأهلها ؛ فما بقي فلأولى رجل ذكر ” فكان هذا الحديث الشريف مبينا للقرآن ومرتبا للورثة بنوعيهم :

أصحاب الفروض والعصبات ، فإذا وجد أصحاب فروض وعصبة ، فالحكم واضح ، ذلك بأن يعطى ذوو الفروض فروضهم ، وما بقي بعدها يعطى للعصبة ، وإن لم يبق شيء سقط العصبة ؛ عملا بهذا الحديث الشريف ، وإن وجد عصبة فقط أخذوا المال بالتعصيب على عدد رءوسهم .

إنما الإشكال فيما إذا وجد أصحاب فروض لا تستغرق فروضهم التركة ، ولم يوجد عصبة يأخذون الباقي ؛ فالباقي في هذه الحالة يرد على أصحاب الفروض بقدر فروضهم – غير الزوجين – وذلك للأدلة الآتية :

أولا : قوله تعالى : ” وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ” وأصحاب الفروض من ذوي أرحام الميت ، فهم أولى بماله ، وأحق من غيرهم .

ثانياً : قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” من ترك مالا فهو لورثته ” رواه البخاري ومسلم ، وهذا عام في جميع المال الذي يتركه الميت ، ومنه ما يبقى بعد الفروض ، فيكون أصحاب الفروض أحق به ؛ لأنه من مال مورثهم .

ثالثا : جاء في حديث سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – أنه قال للنبي – صلى الله عليه وسلم – لما جاءه يعوده من مرض أصابه : “يا رسول الله ! لا يرثني إلا ابنة لي ” ولم ينكر عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – حصر الميراث في بنته ، ولو كان ذلك خطأ لم يقره ؛ فدل الحديث على أن صاحب الفرض يأخذ ما بقي بعد فرضه إذا لم يكن هناك عاصب ، وهذا هو الرد .

والذين يرد عليهم هم جميع أصحاب الفروض ، ما عدا الزوجين ؛ لأن الزوجين قد يكونان من غير ذوي الأرحام ؛ فلا يدخلان في عموم قوله تعالى : ” وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ” .

وقد اتفق أهل العلم على أنه لا يرد على الزوجين ؛ إلا ما روي عن عثمان – رضي الله عنه – أنه رد على زوج ، وهذا يحتمل أنه أعطاه لسبب غير الرد ؛ ككونه عصبة أو ذا رحم ، فأعطاه من أجل ذلك ، لا من أجل الرد . والله أعلم .

ميراث ذوي الأرحام

ذوو الأرحام في اصطلاح الفرضيين : كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة ، وهم على سبيل الإجمال أربعة أصناف :

الصنف الأول : من ينتمي إلى الميت ، وهم أولاد البنات وأولاد بنات البنين وإن نزلوا .

الصنف الثاني : من ينتمي إليهم الميت ، وهم الأجداد الساقطون والجدات السواقط وإن علوا .

الصنف الثالث : من ينتمي إلى أبوي الميت ، وهم أولاد الأخوات وبنات الإخوة وأولاد الإخوة للأم ومن يدلي بهم وإن نزلوا :

الصنف الرابع : من ينتمي إلى أجداد الميت وجداته ، وهم : الأعمام للأم ، والعمات مطلقا ، وبنات الأعمام مطلقا ، والخؤولة مطلقا ، وإن تباعدوا ، وأولادهم وإن نزلوا .

هذه أصنافهم على سبيل الإجمال ، وهم يرثون إذا لم يوجد أحد من أصحاب الفروض غير الزوجين ، ولم يوجد أحد من العصبة ، وذلك لأدلة ، منها :

أولا : قوله تعالى : ” وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ” أي : بعضهم أحق بميراث البعض الآخر في حكم الله تعالى .

ثانيا : عموم قوله تعالى : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ فلفظ الرجال والنساء والأقربين يشمل ذوي الأرحام ، ومن ادعى التخصيص فعليه الدليل .

ثالثا : قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : ” الخال وارث من لا وارث له ” رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ، وقال : ” حديث حسن ” .

ووجه الدلالة منه أنه جعل الخال وارثا عند عدم الوارث بالفرض أو التعصيب ، وهو من ذوي الأرحام ، فيلحق به غيره منهم .

هذه بعض أدلة من يرى توريث ذوي الأرحام ، وهو مروي عن جماعة من الصحابة ، منهم عمر وعلي – رضي الله عنهما – وهو مذهب الحنابلة والحنفية ، والوجه الثاني في مذهب الشافعية إذا لم ينتظم بيت المال .

وقد اختلف القائلون بتوريث ذوي الأرحام في كيفية توريثهم على أقوال ، أشهرها قولان :

القول الأول : أنهم يرثون بالتنزيل ؛ بأن ينزل كل واحد منهم منزلة من أدلى به ، فيجعل له نصيبه ؛ فأولاد البنات وأولاد بنات البنين بمنزلة أمهاتهم ، والعم لأم والعمات بمنزلة الأب ، والأخوال والخالات وأبو الأم بمنزلة الأم ، وبنات الإخوة وبنات بنيهم بمنزلة آبائهن … وهكذا .

والقول الثاني : أن توريث ذوي الأرحام كتوريث العصبات ، فيقدم الأقرب فالأقرب منهم ، والله تعالى أعلم .

ميراث المطلقة

من المعلوم أن عقد الزوجية هو مما جعله الله سببا من أسباب الإرث ، حيث يقول جل شأنه : ” وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ “.

فما دام عقد الزوجية باقيا فالإرث باق ، ما لم يكن هناك مانع من موانع الإرث .

وإذا حل عقد الزوجية بالطلاق حلا كاملا – وهو ما يسمى بالطلاق البائن – فإنه ينتفي الإرث ؛ لأنه إذا عدم السبب عدم المسبب ؛ إلا أنها قد تكون هناك ملابسات حول الطلاق تجعله لا يمنع الإرث ، كما أنه إذا لم يحل عقد النكاح بالطلاق حلا كاملا فإن التوارث بين الزوجين لا ينتفي ، ما دامت في العدة ، وهو ما يسمى بالطلاق الرجعي ، ولذا يعقد الفقهاء بابا يسمونه باب ميراث المطلقة .
فالمطلقات إجمالا ثلاثة أنواع :

النوع الأول : المطلقة الرجعية ، سواء حصل طلاقها في حال صحة المطلق أو مرضه .

الثاني : المطلقة البائن التي حصل طلاقها في حال صحة المطلق .

الثالث : المطلقة البائن التي حصل طلاقها في حال مرض موت المطلق .

فالمطلقة الرجعية ترث بالإجماع إذا مات المطلق وهي في العدة ؛ لأنها زوجة لها ما للزوجات ما دامت في العدة .

والمطلقة البائن في حال الصحة لا ترث بالإجماع ، لانقطاع صلة الزوجية من غير تهمة تلحق الزوج في ذلك ، وكذا إذا حصل هذا الطلاق في مرض الزوج غير المخوف .

والمطلقة البائن في مرض الزوج المخوف – وهو غير متهم بقصد حرمانها من الميراث – لا ترث أيضا .

والمطلقة البائن في مرض الموت المخوف – إذا كان الزوج متهما فيه بقصد حرمان الزوجة من الميراث – فإنها ترث في العدة وبعدها ؛ ما لم تتزوج أو ترتد .

والدليل على توريث المطلقة طلاقا بائنا يتهم فيه الزوج : أن عثمان – رضي الله عنه – قضى بتوريث زوجة عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – وقد طلقها في مرض موته فبتها واشتهر هذا القضاء بين الصحابة ، ولم ينكر مع قاعدة سد الذرائع ؛ لأن هذا المطلق قصد قصدا فاسدا في الميراث ، فعومل بنقيض قصده ، وهذا المعنى لا ينحصر في زمن العدة حتى يقصر التوريث على زمن العدة ، والله أعلم .

ويتوارث الزوجان بعقد النكاح إذا مات أحدهما قبل الدخول والخلوة لعموم الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : ” وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ” إلى قوله : ” وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ” الآية ؛ لأن علاقة الزوجية علاقة وثيقة وشريفة ، يترتب عليها أحكام ، وتبنى عليها مصالح عظيمة ، فجعل الله لكل منهما نصيبا من مال الآخر إذا مات ؛ كما جعل لأقربائه ، وهذا مما يؤكد على الزوجين أن ينظر كل منهما إلى الآخر نظرة احترام وتوقير .

وهذه هي أحكام الإسلام ، كلها خير وبركة ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا عليه ويميتنا عليه .

التوارث مع اختلاف الدين

اختلاف الدين هو أن يكون المورث على ملة والوارث على ملة أخرى .

وتحت ذلك مسألتان :

المسألة الأولى : إرث الكافر من المسلم وإرث المسلم من الكافر :

اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال :

القول الأول : أنه لا توارث بين مسلم وكافر مطلقا ، وهو قول أكثر أهل العلم ؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم – ” لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم ” متفق عليه .

القول الثاني : أنه لا توارث بين مسلم وكافر إلا بالولاء ؛ لحديث : ” لا يرث المسلم النصراني ؛ إلا أن يكون عبده أو أمته ” رواه الدارقطني ؛ فهو يدل على إرث المسلم لعتيقه النصراني ، ويقاس عليه العكس ، وهو إرث النصراني مثلا لعتيقه المسلم .

القول الثالث : أنه يرث الكافر من قريبه المسلم إذا أسلم قبل قسمة التركة ؛ لحديث : ” كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم ، وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على ما قسم الإسلام ” فالحديث يدل على أنه لو أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم ورث .

القول الرابع : أنه يرث المسلم من الكافر دون العكس ؛ لحديث : ” الإسلام يزيد ولا ينقص ” وتوريث المسلم من الكافر زيادة ، وعدم توريثه منه نقص ، والحديث يدل على أن الإسلام يجلب الزيادة ولا يجلب النقص .

والراجح – والله أعلم – القول الأول ، وهو عدم التوارث بين المسلم والكافر ؛ لصحة دليله وصراحته ؛ بخلاف بقية الأقوال فإن أدلتها إما غير صحيحة وإما غير صريحة ، فلا تعارض دليل القول الأول .
المسألة الثانية : توارث الكفار بعضهم من بعض :
للكفار حالتان :

الحالة الأولى : أن يكونوا على دين واحد ؛ كاليهودي مثلا مع اليهودي ، والنصراني مع النصراني ، ففي هذه الحالة لا خلاف في إرث بعضهم من بعض .

الحالة الثانية : أن تختلف أديانهم ؛ كاليهود مع النصارى أو المجوس أو الوثنيين ؛ ففي هذه الحالة اختلف العلماء في حكم توريث بعضهم من بعض ، ومبنى الاختلاف هو هل الكفر ملة واحدة أو ملل متعددة ؟

القول الأول : وهو قول الحنفية والشافعية مع اتحاد الدار ، ورواية في مذهب الحنابلة ، وهو قول الجمهور : أن الكفر بجميع أشكاله واختلاف نحله ملة واحدة ، فيتوارث الكفار بعضهم من بعض دون نظر إلى اختلاف دياناتهم ؛ لعموم النصوص في توارث الآباء والأبناء ؛ فلا يخص من عمومها إلا ما استثناه الشارع ، ولقوله تعالى : ” وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ” .

القول الثاني : أن الكفر ثلاث ملل ، فاليهودية ملة ، والنصرانية ملة ، وبقية الكفر ملة ؛ لأنهم يجمعهم أنهم لا كتاب لهم ؛ فلا يرث اليهودي من النصراني ولا يرث أحدهما من الوثني .

القول الثالث : أن الكفر ملل متعددة ، فلا يرث أهل كل ملة من أهل الملة الأخرى ؛ بدليل قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” لا يتوارث أهل ملتين شتى ” رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

ولعل هذا القول هو الراجح لهذا الحديث ، وهو نص في محل النزاع ، ولعدم التناصر بين أهل الملل ؛ فلا توارث بينهم ؛ كالمسلمين مع الكفار ، ولأنه قد تعارض موجب الإرث مع المانع من الإرث وهو اختلاف الدين ؛ لأن اختلاف الدين يوجب المباينة من كل وجه ، فقوي المانع ، ومنع موجب الإرث ، فلم يعمل الموجب لقيام المانع .

والذين يرون أن الكفر ملة واحدة يرون أن اختلاف الدار مانع من توارث بعض الكفار من بعض ؛ لعدم التناصر والتآزر بينهم ، وهذا المعنى موجود مع اختلاف الملل ، فعلى هذا القول الذي يظهر لنا أن الراجح أنه لا يرث النصراني مثلا قريبه اليهودي أو قريبه المجوسي أو الوثني ، ولا يرث الوثني مثلا قريبه اليهودي ، وإنما يتوارث النصارى فيما بينهم ، واليهود فيما بينهم ، والمجوس فيما بينهم ، وكذا بقية الملل الكفرية . والله أعلم .
حكم توريث القاتل

قد تتوفر أسباب الإرث ، ولكنه لا يتحقق لمانع عارض هذه الأسباب فمنع من تحقق مقتضاها .

وموانع الإرث كثيرة ، منها قتل الوارث لمورثة ، وذلك لقوله – صلى الله عليه وسلم – : ” ليس لقاتل ميراث ” وقوله – صلى الله عليه وسلم – : ” لا يرث القاتل شيئا ” ولأجل سد الذريعة ؛ لأن الوارث قد يحمله حب المال على قتل مورثه لأجل الحصول على ماله ، والقاعدة المعروفة أن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه .

وحرمان القاتل من الميراث مجمع عليه بين أهل العلم في الجملة ، وإن اختلفوا في تحديد نوعية القتل الذي منع من الإرث :

– والصحيح من مذهب الشافعي – رحمه الله – أن القاتل لا يرث بحال ، أيا كان نوع القتل ؛ لعموم قوله – صلى الله عليه وسلم – : ” لا يرث القاتل شيئا ” ولأن القاتل حرم من الميراث لئلا يجعل القتل ذريعة إلى استعمال الميراث ، فوجب أن يحرم بكل حال لحسم الباب .

فعلى هذا لا يرث كل من له دخل في القتل ولو كان بحق كالمقتص ، ومن حكم بالقتل كالقاضي وكذا الشاهد ، وحتى لو كان القتل بغير قصد ؛ كالقتل الذي يحصل من نائم ومجنون وطفل ، وكذا لو كان القتل ناتجا عن فعل مأذون فيه شرعا ، كالمؤدب والمداوي إذا ترتب على التأديب والعلاج موت المؤدب والمعالج .

– وذهب الحنابلة إلى أن القتل الذي يمنع الإرث هو القتل بغير حق ، وهو ما وجب ضمانه بقود أو دية أو كفارة ؛ كالقتل العمد وشبه العمد والخطأ ، وما جرى مجراه كالقتل بالسبب والقتل من الصبي والمجنون والنائم ، وما ليس بمضمون بشيء مما ذكر فإنه لا يمنع الميراث ؛ كالقتل قصاصا أو حدا أو دفعا عن النفس أو كان القاتل عادلا والمقتول باغيا ، أو كان القتل ناتجا عن فعل مأذون به شرعا ، كالتأديب والعلاج .

– وكذا مذهب الحنفية ، إلا أنهم اعتبروا القتل بالتسبب لا يمنع الميراث ، كما لو حفر بئرا أو وضع حجرا في الطريق ، فانقتل بذلك مورثه ، وكذا القتل بغير قصد لا يمنع الميراث ؛ كالقتل من الصبي والمجنون .

– وعند المالكية أن القاتل له حالتان :

الحالة الأولى : أن يكون قتل مورثه عمدا عدوانا ؛ ففي هذه الحالة لا يرث من مال مورثه ولا من ديته .

الحالة الثانية : أن يكون قتل مورثه خطأ ؛ ففي هذه الحالة يرث من ماله ، ولا يرث من ديته ، ووجه توريثه من المال عندهم في هذه الحالة أنه لم يتعجله بالقتل ، ووجه كونه لم يرث من الدية ؛ لأنها واجبة عليه ، ولا معنى لكونه يرث من شيء يجب عليه .

وباستعراض هذه الأقوال نجد القول الوسط منها ، وهو أن القتل الذي يوجب الضمان على القاتل يمنع الميراث ، والقتل الذي لا يوجب الضمان على القاتل لا يمنع الميراث ، كما قال به الحنابلة والحنفية ؛ لأن ما أوجب الضمان يكون القاتل فيه غير معذور ومتحملا لمسئوليته ، فيترتب على ذلك حرمانه من الميراث ، وما لا يوجب الضمان يكون القاتل معذورا فيه وغير متحمل لمسئوليته ؛ فلا يمنعه من الميراث ، ولو عملنا بقول الشافعية فجعلنا كل قتل يمنع الميراث لكان ذلك سببا لعدم إقامة الحدود الواجبة ، ولعدم استيفاء الحقوق كالقصاص ونحوه .

فعلى هذا يكون عموم قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : ” ليس للقاتل ميراث ” مخصوصا بما إذا كان القتل بغير حق وغير مضمون .

بحمد الله تعالى تم باب في احكام المواريث ..

من مكتبة الشيخ الدكتور: صالح بن فوزان بن عبد الله آل فوزان حفظه الله ورعاه ..
نسأل الله تعالى أن ينفع به .. وأن يجعله في موازين حسنات شيخنا الجليل .. إنه سميع مجيب..

شبكة الفضول… إنتهى

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: