أحمد الشرقاوي: لماذا قبلت سورية الصفقة الروسية و مقابل ماذا..؟

 

هذا هو السؤال الجوهري المحير الذي يحاول المحللون البحث له عن جواب مقنع في غياب المعلومات الموثوقة حول طبيعة الصفقة الروسية الأمريكية وتفاصيل بنودها السرية. وكل من يدعي القدرة على تقديم جواب حاسم في هذا الشأن لا يعدو أن يكون كمن يسوق الوهم ويقدمه باعتباره حقيقة لا يمكن أن يصدقها عاقل.

 

ما يعرفه الجميع اليوم من خلال تصريحات المسؤولين الأمريكيين والروس والإيرانيين والسوريين المعنيين بالصفقة، هو أن قبول الجانب السوري بالمقترح الروسي الأمريكي الأصل، جنب دمشق تداعيات ضربة أمريكية قاسية.. وعلى هذا المعطى تبنى اليوم كل التحليلات السياسية في الغرب والشرق.

 

لكن المفارقة العجيبة، هي أنه بدل تفكيك معادلة “الكيميائي مقابل وقف الضربة الأمريكية” لمحاولة فهم العلاقة بين مكونات هذه المعادلة، وتقييم إن كانت البضاعة الأمريكية الفاسدة تستحق فعلا الثمن الكبير الذي قبل بدفعه السوري..؟ نجد التحليل في الجانب العربي ذهب بعيدا في متاهات التبرير بدل محاولة الفهم من خلال التفكيك وإعادة التركيب.

 

بمعنى، أن العديد من المحللين السوريين والمتعاطفين مع محور المقاومة، شحدوا أقلامهم لتبرير ثمن الصفقة، من خلال القول مثلا: أن الكيميائي سلاح قديم كان يشكل معادلة الردع مع النووي الإسرائيلي، وأن الزمن تغير وأصبح السلاح الصاروخي يحقق مثل هذه المعادلة، وبالتالي، لم تعد حاجة سورية لمثل هذا السلاح إستراتيجية. بل ذهب بعضهم حد القول أن سيد المقاومة اللبنانية وإن كان يرفض استعمال مثل هذا السلاح الكيميائي من الناحية الدينية والأخلاقية، إلا أنه سبق وأن أشار في إحدى إطلالاته، إلى أن ضربة صاروخية لمعامل كيميائية إسرائيلية عام 2006 كان من شأنها إحداث كارثة، لكنه تجنبها، ما يؤكد نظرية الردع الصاروخي مقابل المنشآت الكيميائية لدى العدو، والتي قد تتسبب بكارثة مضاعفة على المدنيين أكثر من وقع صاروخ كيميائي.

 

آخرون قالوا أن قبول دمشق بوضع مخزون سلاحها الكيميائي تحت الرقابة الدولية لا يعني تدميره، بل فقط مراقبته حتى لا يستعمل ضد المدنيين في الداخل السوري. فيما إعتبر أحدهم أن قبول دمشق بتسليم سلاحها الكيميائي لا يضعف قوتها لأن الروسي وضعها تحت مظلة حمايته النووية (؟؟؟).

 

هذا كلام لا يعدو أن يكون تهريج في تهريج.. ولا يجيب عن السؤال المركزي الذي طرحناه في عنوان هذه المقالة.

 

حسنا، لنعود للسؤال الجوهري الذي انطلقنا منه، ونفترض صحة الطرح الرسمي القائل بأن تسليم سورية لسلاحها الكيميائي كان مقابل تنازل الرئيس ‘أوباما’ عن الضربة العسكرية. ولفهم حقيقة هذا المعطى المثير للجدل، علينا الجواب ابتداءا عن سؤال حتمية الضربة العسكرية من عدمها من جهة، ومدى قدرتها، بميزان الإنتصار والهزيمة، على تغيير موازين القوى في سورية والمنطقة في حال حدوثها من جهة أخرى.

 

وفي هذا الباب، نعرف جميعا أن الرئيس ‘أوباما كان بمقدوره توجيه ضرب عسكرية محدودة في الوقت والنطاق عندما أعلن عنها أول مرة. هذا حق يكفله له الدستور دون منازع. لكن ‘أوباما’ لم يفعل، قرر التراجع في آخر لحظة، وأخطر إسرائيل بأربع ساعات قبل الهجوم بذلك، بدعوى أنه يفضل العودة إلى الكونجريس في هذا الشأن.. فما الذي حدث بالضبط..؟

 

المعطيات المتوفرة في هذا الشأن تتحدث عن أسباب موضوعية وإعتبارات عملاتية تتعلق بالكلفة والمردودية.. تعددت المقولات حول الأسباب الحقيقية لتراجع ‘أوباما’ عن الضربة، منها مثلا: أن الرئيس ‘أوباما’ واجه معارضة كبيرة من قبل الرأي العام الأمريكي جعلته يتراجع في آخر لحظة.. وقيل كذلك، أن من بين الأسباب البيئة الدولية المعارضة للعدوان والتي تجسدت من خلال الإحتجاجات العارمة التي عمت مختلف عواصم ومدن العالم للتنديد بالقرار الأمريكي.. وقيل كذلك، أن دعوات البابا وصوم المؤمنين وصلواتهم في كنائس الشرق والغرب كان لها تأثير كبير على قرار تراجع ‘أوباما’.. وقيل أيضا، أن الإدارة الأمريكية لم تنجح في حشد تحالف دولي قوي لشن ضربة تكون مضمونة النتائج باستثناء فرنسا وتركيا ومشيخات الخليج، بل حتى حليفتها التقليدية بريطانيا الموصوفة بـ”ذيل الكلب”، لم يقبل مجلس عمومها بمثل هكذا مغامرة غير محسوبة، ما شكل صفعة قوية لـ’أوباما’. وقيل في النهاية أن عدم تؤكد الرئيس من نيل تفويض من الكونجرس للذهاب إلى الحرب بسبب معارضة غالبية أعضاء البرلمان ونسبة مهمة من مجلس الشيوخ، جعلته وحيدا في مواجهة وضع معقد لا يمكن التعامل معه بمنطق “لاهوت القوة”، كعادة الرئساء الذين سبقوه، لأن الظرفية الدولية وموازين القوى في المنطقة تغيرت عن السابق.. خصوصا وأن الأمر لا يتعلق بسورية فقط، بل بما يمكن أن يقدم عليه حلفائها، وتداعيات ذلك على مصالح أمريكا، وعلى أمن إسرائيل نفسها، وعلى حلفاء أميركا في المنطقة.

 

هذه كلها أسباب حقيقية قائمة، وقد يكون لها تأثير نسبي على قرار الرئيس الأمريكي، لكنها لا تعتبر حاسمة بحيث تؤدي حتما إلى إلغاء الضربة. لأن الرئيس في ولايته الأخيرة، لا يهتم للرأي العام الداخلي أو الخارجي ما دام لن يترشح لولاية جديدة.. وإن كان تردده نسبيا، يعود لتداعيات قراره في حال فشل العدوان على حزبه في الإنتخابات المقبلة، وهو أمر لم يكن أوباما ليأخذه بالإعتبار، لأنه لم يكن مطروحا إرسال جنود أمريكيين إلى سورية لتكرار تجربة أفغانستان والعراق، بل الإكتفاء بالقصف الصاروخي من البحر والجو فقط لا غير، في حين تقوم المعارضة “الجيش الحر و جبهة النصرة و القاعدة” بإنجاز التغيير على المطلوب في الميدان، والمتمثل أساسا في إسقاط النظام.

 

لكن ما أصبح واضحا للجميع اليوم هو أن السبب الرئيس الذي دفع ‘أوباما’ للتراجع عن مغامرته العسكرية، هو التهديد الإيراني بشكل خاص. وفي المعلومات، طلب الرئيس ‘أوباما’ من الرئيس ‘بوتين’ أن يقنع إيران وحزب الله بضرورة إلتزام ما أسماه بـ”فترة صمت” لمدة لا تتجاوز 48 ساعة فقط لا غير. يضرب خلالها مجموعة من الأهداف السورية غير المؤثرة وينتهي الأمر ليعزز موقعه في الداخل الأمريكي وتجاه أدواته في المنطقة. الرئيس ‘بوتين’ طلب مهلة للتشاور مع حلفائه، وبعد ذلك أخبره برفض إيران القاطع لهكذا خيار، باعتبار أن الضربة من وجهة نظرها ستكون عدوانا غير مقبولا، سواء كانت محدودة لساعة أو لـ 48 ساعة، وأنه في حال الإقدام عليها فسيكون الرد المباشر في إسرائيل وكل دول المنطقة المشاركة في العدوان، بالإضافة إلى القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، وسيغلق مضيق هرمز، وأن إيران وحلفائها لا يساومون في هذا الأمر، وليفعل ‘أوباما’ ما يشاء.

 

هذا هو السبب الجوهري الحاسم الذي جعل أوباما يتراجع عن الضربة ويتوجه إلى الكونجرس حتى لا يتحمل مسؤولية مثل هذه المقامرة الخطيرة التي ستشمل تداعياتها الكارثية الجميع في المنطقة، وقد تتطور إلى دول أخرى في العالم بالتدحرج.

 

وبرغم تدخل نتنياهو شخصيا، وسفيره في واشنطن، وما يناهز 250 صهيوني من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لإقناع أعضاء الكونجرس بالموافقة على مقترح الرئيس بتوجيه ضربة محدودة لسورية، تحفظ غالبية أعضاء مجلس النواب ونسبة هامة من أعضاء مجلس الشيوخ، ما يؤشر إلى إستحالة مرور هكذا القرار في الكونجرس. وهذا ما اعترف به الرئيس ‘أوباما’ بعظمة لسانه.

 

هنا، بدأ لأول مرة في الولايات المتحدة يطرح سؤال مسكوت عنه “هل أمن إسرائيل يكون دائما له الأولوية على أمن أمريكا القومي؟”.. وفجأة خرج السؤال من داخل المؤسسات المغلقة إلى التداول في الشوارع، فتداولته الصحافة بنطاق واسع ونقلت إستياء وغضب الأمريكيين من هكذا مقاربة، ما زاد من حدة المعارضة للضربة العسكرية.. فدخل ‘أوباما’ في مأزق لا حل له، ولا سبيل للخروج منه إلا بمساعدة الروسي إنقاذا لماء وجهه، والروسي من جهته، ليس حملا وديعا يقبل بسهولة تقديم هدايا مجانية للرئيس ‘أوباما’ لينزله من فوق الشجرة من دون أن يقبض أثمان نوعية في المقابل، وإن كان لا يرى مانعا من أن تبقى هذه الأثمان سرية لتلافي إحراج سيد البيت الأبيض الضعيف والمتخاذل.

 

وتتداول أوساط سياسية في الدوائر الأمريكية مقولة مفادها، أن الرئيس ‘أوباما’ كان متسرعا عندما اتجه نحو الحرب من دون أن يعرف كيف يتراجع عن قراره، وأنه سقط في الفخ وكان من الضروري إيجاد مخرج ينقذه من الورطة التي أوجد نفسه فيها. أما عن أسباب هذا التسرع، فمرده وفق ذات المصادر إلى العامل المصري، حيث بسقوط حكم الإخوان في مصر والخوف من أن تطال عدوى التغيير ضد الإخوان تونس أيضا وربما تنتقل إلى بلدان أخرى، شعر ‘أوباما’ وفريقه من المنظرين الإستراتيجيين بالخطر المحدق على مصالح أمريكا، فقرر إعلان الحرب على سورية ليبعث من خلالها برسالة واضحة للجيش المصري واليسار التونسي وكل من يفكر في إحداث تغيير في المنطقة من دون موافقة الإدارة الأمريكية.

 

هذا السبب هو الذي دفع بأوباما وحلفائه للعمل سريعا على اتهام النظام السوري باستعمال السلاح الكيميائي ضد شعبه، لحاجتهم إلى ذريعة يبررون بها توجيه ضربة إلى سورية تسمع في مصر ولبنان وإيران وتونس واليمن وغيرها من دول المنطقة. وهذا ما يفسر سبب رفضهم لأن تتضمن مهمة لجنة التحقيق الدولية الجواب عن سؤال: “من المسؤول؟”. بل اكتفوا بتقييد مهمة المفتشين الدوليين وحصرها في معرفة: إن “كان هذا السلاح قد استعمل أم لا؟”. ليبنوا بعد ذلك على هذه الأرضية مزاعنهم الواهية استنادا إلى تقارير استخباراتية مبركة من خارج مجلس الأمن. ولعل الذي تابع خطاب الرئيس ‘أوباما’ للأمة عشية 11 أيلول، قد لاحظ قوله في هذا الشأن: “الجميع يعرف أن السلاح الكيميائي قد استعمل في سورية، والنظام السوري هو من استعمله”.

 

وهذا معناه أن ‘أوباما يبني على حقيقة قطعية متفق عليها من قبل الجميع تؤكد واقعة استعمال السلاح الكيميائي بالفعل، لكنه عندما يضيف عبارة “والنظام السوري هو من استعمله”، فهو بذلك يربط تهمة كاذبة لم تثبت رسميا وكل المؤشرات والدلائل خاصة الروسية (المقدمة لمجلس الأمن في تقرير من 100 صفحة)، وغيرها (شهادات عناصر من المعارضة جمعتها لدى ‘كارلا ديل بونتي’ المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية سابقا، وشهادة الأستاذ الجامعي وصحفي التحقيقات الفرنسي ـ البلجيكي ‘بيير بيتشينين’ الذي كان معتقلا لدى جبهة النصرة وأطلق سراحه مؤخرا) تأكد عكس ما ذهب إليه أوباما ومخابراته ومخابرات حلفائه بهدف تضليل الرأي العام.. وهنا تختبأ الذئاب.

 

أوردنا ما سلف لنصل إلى خلاصة قاطعة حاسمة ونهائية مفادها: أن الحرب لم تكن حتمية، ولا قدرا مقدورا، وأن ‘أوباما’ كان يريدها بقوة لأسباب لا علاقة لها مباشرة بالحالة السورية، وكان بإمكانه المغامرة بإشعالها، لكنه توقف فجأة، بعد أن وصلته معلومات موثوقة مفادها أنه في حال إشعالها لن يكون بمقدوره إيقافها أو التحكم بتداعياتها، وأن محور المقاومة قد يحسمها لصالحه، لأسباب وإعتبارات كثيرة لا مجال للخوض في تفاصيلها هنا.

 

وعليه، فنحن الآن أمام جواب واضح فاضح مفاده، أن الثمن الذي قبل أن يدفعه السوري يستحيل أن يكون مقابل إلغاء العدوان. وعلى من يدعي العكس إثباته بالمعطيات الموضوعية أو بحجة العقل والمنطق.

 

وبعد أن أجبنا عن هذا الجزء الأول من السؤال، نصل إلى الجزء الثاني الذي يقول: “مقابل ماذا إذن قبلت سورية التضحية بمخزون سلاحها الكيميائي الإستراتيجي إذا لم يكن من أجل إلغاء العدوان؟”، كما يروج لذلك الخطاب الرسمي الأمريكي والروسي والإيراني والسوري كما سبقت الإشارة.

 

لكن، ما دامت تفاصيل بنود الصفقة السرية لا تزال غير معروفة إلى الآن، فكل طرح في هذا الشأن لن يكون إلا جوابا إفتراضيا يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب.. غير أن المؤشرات قوية المتوفرة لدينا اليوم، قد تساعدنا على ملامسة الحقيقة وإن ظاهريا، وذلك إنطلاقا من أهداف العدوان، لأن هزيمة العدو والإنتصار عليه في الحرب كما في السياسة تتمثل أساسا في إفشال أهدافه وعدم تمكينه من تحقيقها مهما كلف الأمر، والعجز عن ذلك يعني الهزيمة.. هذا هو منطق الحرب والسلام.

 

وحيث أن العدوان الأمريكي على سورية، وفق السيناريو العسكري الذي أعده الجنرال ‘مارت ديمبسي’ واعتمده الرئيس ‘أوباما’ كأفضل خيار يصب في مصلحة إدارته ومصلحة إسرائيل ومصلحة حلفائه (السعودية، تركيا، قطر وغيرهم…) كان يهدف بالأساس إلى “إسقاط النظام” في دمشق بعد إضعاف جيشه وتدمير عتاده ومخازن سلاحه وطائراته ومطاراته ومراكز قياداته، لفتح الطريق أمام المقاتلين لدخول العاصمة وقلب نظام الحكم فيها.. فإن التراجع عن الضربة العسكرية يفترض أن يكون بالمحصلة تراجعا عن هدف “إسقاط النظام”، مقابل تنازل هذا الأخير عن ترسانة سلاحه الكيميائي الإستراتيجي.. ما سيمكن الأمريكي من القول، أنه ومن دون أن يطلق رصاصة واحدة نزع سلاح الدمار الشامل السوري، وحمى أمن إسرائيل من هذا التهديد المخيف، وجنب أمريكا وإسرائيل نفسها والمنطقة تداعيات حرب لم تكن مضمونة النتائج وتلقى معارضة قوية في الداخل والخارج.

 

هذا هو الإحتمال الأكثر ترجيحا والأقرب إلى العقل والمنطق من منطلق معطيات الميدان وسيناريوهات الحرب والمعلومات الوفيرة المتداولة بشأن النزاع في سورية عموما منذ أن انطلق وإلى اليوم، لأن محور وجوهر الأزمة السورية هو رأس الرئيس بشار الأسد. والذي من شأن إسقاطه أن يفتح الباب لتحقيق الأهداف المرحلية الأخرى المعروفة للجميع، والمتمثلة في تفتيت الجيش وتقسيم البلاد وخلافه.

 

وإذا كان هذا الهدف الكبير لم يتحقق طيلة 30 شهرا من العدوان الداخلي من خلال الإرهاب، واستحال تحقيقه من خلال العدوان العسكري للأسباب التي فصلناها أعلاه، فإن الثمن الذي قبضته أمريكا مقابل التخلي عن رأس الأسد، قد يكون مناسبا.. لماذا؟

 

لأن الأمر في حقيقته لا يتعلق بشخص الأسد، بل بسورية كدولة ودور باعتبارها حلقة مركزية في محور المقاومة ولها حليف دولي قوي ‘روسيا’ لا يمكن أن يتخلى عنها. والأسد باعتباره رمزا للدولة فهو يمثل الضمانة إستمرار هذا الدور في المنطقة. وهو ما أشار إليه الرئيس ‘أوباما’ في خطابه إلى الأمة ليلة الحادي عشر من أيلول، حيث قال: “الأسد حليف قوي لروسيا”، وهذا معناه في السياسة، أن إسقاطه لم يعد ممكنا من دون الإصطدام المباشر مع روسيا، الأمر الذي يبدو مستبعدا إن لم يكن مستحيلا.

 

ولعل من أهم الدروس المستخلصة من الأزمة الأخيرة، هي بروز محورين، المحور الروسي، الإيراني، السوري، العراقي، وحزب الله، المتماسك، المتضامن، القوي، الذي أثبت أن تحالفه متين بشكل لا يخترق، ويقوم على التشاور والتكامل و وحدة المسار والمصير.. مقابل محور أمريكا وأدواتها من الدرجة الثانية (فرنسا) والثالثة (مشيخات الخليج وتركيا). وهذا المحور هو بخلاف الأول، بحيث تحتكر الإدارة الأمريكية القرار وتأمر حلفائها بالتنفيذ، ولا تتشاور معهم في القضايا الإستراتيجية الكبرى، وبذلك نكون أمام حقيقة مفادها أن أمريكا هي السيد وأدواتها هم مجرد عبيد في خدمتها.

 

بدليل أننا لم نسمع إحتجاجا وسط صفوف محور المقاومة عند إعلان الصفقة من قبل الوزير ‘لافروف’، بل سارع السوري لإعلان موافقته وتبعه الإيراني، وكأننا أمام أوركيسترا تعزف على نفس النغمة، وتعرف ماذا تريد، وترفض ما لا يخدم مصالحها وتهدد بالتصعيد. أما المحور الثاني، فبمجرد الإعلان عن الصفقة، كثر الصراخ والنباح، وارتفع الضجيج والعويل، ووصل الأمر حد إتهام أمريكيا بالتخلي عن “حلفائها” وبيعهم في سوق النخاسة السياسية بأبخس الأثمان، وما إلى ذلك… بل الأخطر أن قيادات دول هذا التحالف الهجين بدأت تتحسس منذ الآن أعناقها، متيقنة بقرب أوان القطاف، وأجل الرحيل. وهذا هو ثمن الخيانة والعمالة كما علمتنا دروس التاريخ.

 

بقى أن نشير إلى أن فرنسا التي وجدت نفسها خارج اللعبة، حاولت تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يستنسخ تجربة العراق ويسقطها على سورية من باب الفصل السابع. الأمر الذي تصدت له روسيا ورفضته جملة وتفصيلا، وطلبت تأحيل إجتماع مجلس الأمن إلى غاية تقديم مشروع متوافق عليه بين الروسي والأمريكي.

 

وسيلتقي الخميس في جونيف كل من وزير الخارجية الأمريكي و وزير الخارجية الروسي لدراسة المقترح الروسي في هذا الشأن، والذي ستضمن نزع مخزون السلاح الروسي في مرحلتين: المرحلة الأولى، تقوم خلالها روسيا بجمع االسلاح الكيميائي من مختلف المناطق السورية ووضعه تحت إشرافها في قاعدتها بميناء طرطوس. والمرحلة الثانية، تقضي بنقل المخزون إلى روسيا لتدميره بإشراف مفتشي “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية” الدولية، وذلك في مدة 6 أشهر، بدل مدة سنة التي توقعتها المنظمة. وتضمن روسيا لأمريكا بأن سوريا لم يعد بحوزتها هذا النوع من السلاح.

 

والهدف من هذه الخطة المتوافق عليها بين ‘أوباما’ و ‘بوتين’ على هامش قمة العشرين الإخيرة في “سان بترسبورغ”، هو تحديدا عدم تكرار تجربة العراق التي استمرت 12 سنة، ولسد الطريق أمام كل من يفكر في إستغلال هذه المهمة لتحقيق أهداف أخرى تبدأ بالتجسس وتنتهي بخراب البصرة.

 

وخلال الأيام القادمة، سنسمع تصعيدا في الخطاب من الحلفائها، بل ومن الإدارة الأمريكية نفسها، حتى لا تظهر في مظهر من باعت حلفائها وتخلت عن إلتزامها بإسقاط النظام.. لكنه مجرد صراخ لا معنى ولا قيمة له، ويدخل في باب المزايدة السياسية للظهور بمظهر الحزم والتشكيك في نوايا النظام السوري من باب تضليل الرأي العالم حتى لا تبدو الإدارة الأمريكية في موقف الضعيف المستسلم للشروط الروسية.

 

الصفقة الروسية الأمريكية فتحت الطريق واسعا وسريعا إلى مرتمر “جنيف 2″، وسيبدأ العمل على التحضير له إبتداءا من الخميس 12 أيلول 2013 في جنيف، حيث من المقرر أن ينضم الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام لإجتماع ‘كيري’ و ‘لافروف’، لمناقشة جدول أعمال المؤتمر والترتيبات الضرورية لتنظيمه.. بعد أن سقط وهم نظرية بندر بن سلطان، القائلة بضرورة تغيير موازين القوى على الأرض قبل الذهاب إلى التسوية، لأن مؤتمر “جنيف 1″ سبق وأن حدد الإطار العام وبنود الإتفاق، ولا علاقة لمعادلة القوة على الأرض بالحل السياسي الذي يجب أن يكون سوريا وداخليا بحثا يقرره الشعب السوري دون سواه.

 

وفي حال إلتزم الرئيس ‘أوباما’ بتعهداته التي قطعها للرئيس ‘بوتين’ في الشأن السوري، فستساعده موسكو على حل الملف النووي الإيراني والملف السياسي اللبناني، وستحفظ مصالحها في المنطقة.

 

لكن الخطر الوحيد الذي يتهدد الصفقة اليوم، وفق معلومات إستخبارية متداولة، هي أن يقوم مسلحون بإيعاز من إسرائيل، بضرب مستوطنة يهودية بالكيماوي، لتجد إسرائيل ذريعة لنسف الصفقة وتفجير المنطقة وجر أمريكا إلى حرب لا ترغب بخوضها. والدافع الصهيوني لمثل هذا السيناريو، هو شعور ‘بنيامين نتنياهو’ وصقور إدارته، بأن أمريكا بقبولها بقاء الرئيس الأسد قد تخلت عنه وعن حلفائها (السعودية وتركيا) لأن الخطر السوري الصاروخي سيبقى قائما يهدد إسرائيل، مع احتمال فتح جبهة الجولان. وما يهم إسرائيل بالنهاية هو تفجير المنطقة لضرب حزب الله وإيران، حيث تعتبر برنامجها النووي أكبر خطر وجودي يتهددها.. وفي هذا تلتقي أهدافها مع أهداف السعودية وتركيا ومشيخات الخليج العميلة.

 

وقد بدأ في تل أبيب التصعيد في إتجاه حزب الله، بدعوى أن جزءا من السلاح الكيميائي السوري قد يكون بحوزته.. لتفتح جرحا جديدا لا يزال نازفا، ما ينذر بقلب الطاولة من جديد في المنطقة.. وهذا من طبيعة إسرائيل التي لا تستطيع العيش بأمان مع جيرانها، لأن الحرب هي الوسيلة الوحيدة التي تجعل المجتمع الصهيوني متماسكا من شدة الخوف.. ولعل في تهورها وجنونها ما سيعجل بفنائها آجلا أم عاجلا.

أحمد الشرقاوي

بانوراما الشرق الوسط

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: