mohamed hnid

أربعة مسامير في النعش الانقلابي المصري بقلم محمد هنيد

[ads2]

مصر هي قلب الأمة العربية والإسلامية بلا منازع. هذه الحقيقة أدركتها كل القوى الاستعمارية التي تداولت على حكم مصر منذ حملة نابليون وحتى قبلها وإلى اليوم وهو ما جعل من الرهان على القاهرة رهانا على كل المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج.

يجد هذا التوصيف أسسه الصلبة في الأثر الخطير الذي أحدثه الانقلاب العسكري الدامي في صائفة 2013 على مجمل ثورات الربيع العربي السلمية وعلى المسار الذي كان يمكن أن تسلكه. فالانقلاب المصري هو الذي سمح بتشجيع الانقلابيين في ليبيا من بقايا عسكر القذافي وهو الذي دفع في نفس الصائفة بقوى الدولة العميقة من بقايا يسار “بن علي” إلى تنفيذ اعتصام الرحيل المضمخ بدماء الشهداء من المناضلين ونجحوا في إسقاط الحكومة وفي الانقلاب الناعم على المسار الثوري.

الانقلاب المصري هو الذي ساهم بشكل كبير جدا في تحويل الثورة السورية إلى حرب إبادة جماعية وهو الذي أجهض الموجة الأولى لثورات الربيع السلمية وذلك بأن شجعت قابليةُ المشهد المصري للانقلاب الدولةَ العربية العميقة على التنكيل بالثورة والثوار. الانقلاب المصري هو نقطة الإشارة التي أطلقها الوكيل الاستعماري العسكري في مصر من أجل وأد ربيع العرب وذبح مطالبه بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

لكن إنجاز الانقلاب من جهة والتمكين له أمران مختلفان مثل الثورة والتمكين للثورة حيث أثبت الربيع العربي أن الإنجاز أسهل بكثير جدا من المحافظة على المُنجَز. فرغم التباين الكبير بين المُنجز الشرعي من ناحية والمنجز الانقلابي من ناحية أخرى فإن كلا الأمرين يتطلبان جهدا كبيرا جدا للمحافظة عليهما والتطبيع معهما.

رغم كل ذلك فإن خاصية فارقة وحيدة تميّز بين الحدث الثوري والحدث الانقلابي وهي الخاصية التي تسمح بتجدد الأول وتمنع استمرار الثاني أي أنها تسمح بتجدد الفعل الثوري لكنها تمنع استمرار الفعل الانقلابي وتواصله.

هذه الخاصية هي “مبدأ طبيعية الحركة” وهي المحدد الداخلي للفعل الإنساني عموما والاجتماعي الحضاري بشكل خاص.

فالفعل الثوري هو فعل طبيعي ناجم عن شروط داخلية طبيعية دفعت مجموعة إنسانية ما إلى الحركة وإلى إسقاط النظام لأنه وصل إلى مرحلة نهاية الفعل وبذلك تكون الثورة كما هو حال ثورات الربيع الأخيرة استجابة طبيعية لشروط داخلية حتمت في مرحلة تاريخية من عمر الأمة إنجاز الفعل الثوري.

الفعل الانقلابي هو فعل مخالف للطبيعة لأنه ناجم عن شروط خارجية صناعية وغير طبيعية دفعت مجموعة مسلحة عامة إلى رد الفعل على حركة طبيعية سابقة وإلغائها لأنها نجحت في الوصول إلى السلطة والحكم وهو حال كل الانقلابات التي عرفتها منطقة الربيع العربي مؤخرا.

بناء على ما تقدم فإن الانقلاب المصري بدأ في وضع مسامير نعشه الانقلابي باكرا ونقصد بالمسامير مجموع الأسباب والشروط التي ستؤدي إلى انهيار الانقلاب وسقوطه قريبا وقريبا جدا لا بمعنى القرب الزمني فقط بل بمعنى تواتر الشروط التي ستؤدي إلى موت الانقلاب ووصوله إلى مرحلة العجز عن مواصلة الفعل.

يتمثل أول مسامير النعش الانقلابي في عملية تنفيذ الانقلاب نفسها بما هي منجَز ضد طبيعة الفعل وهو بهذه الخاصية يحمل شروط فنائه في داخله لأنه فعلٌ قام بالقوّة القاهرة ضد طبيعة الأشياء ومسارها العادي.

ثانيها هي مجموع المجازر التي ارتكبها النظام الانقلابي في حق المدنيين العزل من أبناء شعبه وفي حق الشرعية عبر ما شاهدنا من مذبحة رابعة والنهضة وجرائم الموت والتعذيب المتواصلة يوميا في كل السجون المصرية ومراكز الإيقاف التي لا تختلف كثيرا عن مراكز الاعتقال النازية.

ثالث هذه المسامير هو تحالف الانقلاب مع ألد أعداء أمته متمثلا في الكيان الغاصب بفلسطين وتنسيقه معه بشكل علني مباشر سواء في سيناء أو في غزة أو حتى في الداخل المصري متحولا بذلك إلى وكيل استعماري علني يضع مصر تحت الوصاية الصهيونية المباشرة ويحوّلها من دولة الطوق المقاوم إلى دولة متواطئة تمثل امتداد للمشروع الاستعماري على الأرض العربية.

أما رابع مسامير النعش الانقلابي وأشدّها إحكاما فتتمثل في الانهيار المريع لنظام العدالة المصرية بشكل تحولت معه مصر إلى أضحوكة باكية في كامل الوطن العربي بل وفي العالم بأسره. فإذا كان العدل هو مطلب الثورة ومطلب التغيير المركزي فإن إسقاط هذا المطلب والانقلاب عليه هو جوهر الحركة الانقلابية وهدفها الأساسي.

من كان يصدّق مثلا أن تصدر أحكام بالإعدام في حق أطفال لم يبلغوا سنّ الرشد؟ ومن كان يصدّق أن يتحوّل القضاء بما هو الضامن لحق الفرد والمجموعة إلى سيف مسلط على رقاب الأحرار ومشرّع أساسي للظلم؟ كيف تسجن صبايا في عمر الزهور فقط لأنهنّ تظاهرن ضد الباطل؟ من يحمي الإنسان المصري الفقير من جرائم العسكر والشرطة والبلطجية وكل العصابات المرتبطة بهم؟

إرهاب نظام الانقلاب القمعي في مصر لم يقف عند هذا الحد وها هو يتقدم نحو وضع المسمار السادس في نعشه الكبير حيث تحوّل العسكر إلى جزء أساسي من محركات الفوضى الإقليمية على مستويات عديدة خاصة بعد تحويل العقيدة العسكرية المصرية من “ضمان حدود الوطن وسيادته ضد الكيان الصهيوني الغاصب” إلى “محاربة الإرهاب” بما هو تنفيذ لأجندة صهيونية تهدف إلى تصفية المقاومة وعناصرها.

تسبب النظام الانقلابي كذلك في تمديد الفوضى غربا نحو الجوار الليبي بدعم الجنرال الانقلابي هناك ومساندة المجموعات المتطرفة سرا وعلنا عبر المال الخليجي الفاسد والداعم للانقلاب على ثورات الشعوب.

لقد صار النظام المصري مهددا أساسيا للروابط التي لا تزال تجمع الدول العربية الشقيقة بعد تحويل علاقة الرئيس الشرعي محمد مرسي بدولة قطر العربية المسلمة إلى تهمة توجب أحكام المؤبد والإعدام في سعي صريح إلى ضرب مجلس التعاون الخليجي وإثارة ردود أفعاله.

إن هذا التقدم نحو الهاوية لن يجرّ النظام العسكري والعصابة المرتبطة به إلى حتفهما فحسب بل سيجرّ دولا أخرى إقليمية ساعدته في تنفيذ الانقلاب أو صمتت عليه بشكل متواطئ.

إن مجلس التعاون الخليجي بما هو المكوّن العربي والإسلامي الأصلب قادر اليوم على إيقاف المهزلة المصرية ووضع حدّ لمغامرات العسكر التي تحولت في جزء كبير منها إلى عنصر وظيفي مباشر في المشروع الإيراني الذي يستهدف أول ما يستهدف أرض الجزيرة العربية وبلاد الحرمين بشكل خاص عبر إضعاف محيطها الرخو مثلما فعل سابقا في العراق ويفعل اليوم في سوريا واليمن قبل أن ينفذ فيها مشروعه الإجرامي وحلمه الإمبراطوري القديم.

[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: