hu

أزمة الشرعية في الساحة الفلسطينية : حكومة لا تحكم.. (مقال بقلم الكاتب عبد الستار قاسم)

أزمة الشرعية في الساحة الفلسطينية : حكومة لا تحكم..

يقفز إلى السطح الفلسطيني بين الحين والآخر حديث حول الحكومة الفلسطينية واحتمال إعادة تشكيلها، وتنطلق بذلك التحليلات السياسية والتكهنات حول نوعية الحكومة والأشخاص الذين يمكن أن يكونوا أعضاء فيها.

ولا تكاد تمرّ فترة ليست بالطويلة حتى يعود الحديث حول تعديلات وزارية أو إعادة تشكيل الحكومة، ويبقى الشارع الفلسطيني يستمع إلى أخبار حولها غالبا لا تهمه ولا تشكل بصمة في واقعه الحياتي.

وقد انشغل الإعلام المحلي الفلسطيني وبعض الإعلام العربي مؤخرا بهذه المسألة بسبب حديث حول إقالة الحكومة أو احتمال تقديم استقالتها. والسؤال المطروح غالبا: ما الذي سيحصل إذا أعيد تشكيل الحكومة الفلسطينية، وكيف سيتغير الواقع الفلسطيني إذا حصل ذلك؟

حكومة لا تحكم

إذا أردنا أن نجيب عن سؤال تأثير الحكومة الفلسطينية على الواقع الفلسطيني فإن علينا مواجهة واقع الحكومة الفلسطينية كما هو، وإلا سنبقى ندور في حلقة مفرغة ودون الحصول على إجابة مقنعة. الحكومات الفلسطينية المتعاقبة لا تحكم، وهي في الغالب ليست صاحبة قرار ومسلوبة الإرادة تماما من جهتين: الجهة الأولى هي إسرائيل أو الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الصهيوني، والثانية هي رئيس السلطة الفلسطينية الذي يتحكم بالحكومة وفق ما يتناسب مع الاتفاقيات مع إسرائيل.

رئيس السلطة محكوم قسرا بالاتفاقيات مع إسرائيل، ولا يبدو أنه يتمتع بإرادة للخروج من هذا القسر، وتشكيل الحكومة مرتبط بموافقة رئيسها وأعضائها على الاتفاقيات وتطبيقها. ومن حيث إن إسرائيل هي التي تهيمن على تفسير الاتفاقيات وتطبيقها، فإن لها اليد العليا وهي التي تقرر ماذا على الفلسطينيين أن يفعلوا. ولهذا تنشغل قيادة السلطة الفلسطينية دائما برضا الكيان الصهيوني حتى لا تصدر قرارات يمكن أن تستفز الصهاينة فيقطعوا الأموال. أي إنه لا سيادة للحكومة أو رئيس السلطة، وإنما السيادة لإسرائيل.

ولهذا لم نجد ضمن مسلسل تشكيل حكومات فلسطينية متعاقبة مبادرات تقوم بها هذه الحكومات للنهوض بالشعب الفلسطيني على كافة مستويات الحياة. لم تتوفر أبدا لدى الحكومات المتعاقبة خطط وبرامج قابلة للتنفيذ من أجل توفير الأمن للفلسطينيين، أو استصلاح الأراضي على نطاق واسع، أو إقامة مشاريع إسكان ومشاريع تشجير تحافظ على الأرض، أو الحفاظ على الثقافة الفلسطينية في مواجهة الثقافة الاستهلاكية أو ثقافة التطبيع والصهينة.

بل وجدنا هناك سياسات محلية تؤثر سلبا على المستوى التعليمي في المدارس والجامعات، ولاحظنا استهتارا باحترام المدرسين والمدرسات، وتضليلا إعلاميا من شأنه أن يرفع من حدة الضياع الفلسطيني، وتعميقا للانقسامات السياسية والاجتماعية، وتدهورا في شعور الفلسطيني بالأمن، وارتفاعا في منسوب الفساد، خاصة فيما يتعلق بالوساطات والمحسوبيات واستغلال المناصب العامة.

المعنى أن الحكومات المتعاقبة لم تقدم حلولا لمشاكل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية على الأقل، وقد ألحقت أضرارا كبيرة بمختلف أنسجة المجتمع الأمنية والعسكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إلخ. ومن الوارد جدا أن غياب الحكومة لن يكون مضرا، بل يمكن أن ينعكس إيجابا على الشعب. أي إن الشعب الفلسطيني سيكون بحال أفضل لو لم تكن هناك حكومة واكتفى فقط بمديري مؤسسات يسيرون الأعمال اليومية دون التزامات تجاه الصهاينة. على الأقل كان من الممكن أن يوفر الشعب الفلسطيني أموالا طائلة تدفع الآن كرواتب للأشخاص الذين شغلوا مناصب وزارية.

كان على حكومة الحمد الله أن ترأب الصدع الداخلي الفلسطيني من حيث إنها سميت حكومة التوافق الوطني، لكنها لم تفعل، ولم يكن بمقدورها أن تفعل. تتحمل الفصائل الفلسطينية جزءا من المسؤولية عن هذا الفشل، لكن رئيس السلطة الفلسطينية نفسه يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية لأنه يتصرف دائما بفئوية وينحاز لطرف دون آخر، ويهتم كثيرا بردود الفعل الصهيونية.

رئيس السلطة نفسه أفشل الحكومة قبل أن تبدأ عملها وذلك عندما قال إنها حكومته، وعليها أن تلتزم بأمرين وهما التنسيق الأمني مع الصهاينة والالتزام بالاتفاقيات مع إسرائيل. هذان الأمران هما سبب الاقتتال الداخلي الفلسطيني والانقسامات، وكونه أصر عليهما فإنه أصر على بقاء الساحة الفلسطينية في حالة من الشلل.

والمؤسف أن أعضاء الحكومة -وعلى الرغم من أن العديد منهم أساتذة جامعات يدرسون طلابهم الأخلاق الوطنية- وافقوا على الأمرين، ضاربين بعرض الحائط ما أوهموا طلابهم به عبر السنوات. وكان من الواضح أن الأعضاء ورئيسهم قد فضلوا المناصب على التمسك بالقيمة الأخلاقية الوطنية، وربما هذا يعكس أحد مظاهر ضعف الأخلاق العربية وتهاويها أمام الإغراءات المناصبية والمادية والجنسية.

أزمة الشرعية

من الذي يبادر إلى تشكيل الحكومة الفلسطينية؟ المتوقع أنه رئيس السلطة الفلسطينية، والذي يقوم بعرضها في حال تشكيلها على المجلس التشريعي الفلسطيني. المجلس التشريعي مغلق، وهو ممنوع من الانعقاد، ويقال إن مفاتيح قاعات المجلس بيد عباس، وهو الذي يمنع المجلس من الانعقاد. على كل حال، المجلس التشريعي الفلسطيني لم يعد شرعيا لأن مدة انتدابه البالغة أربع سنوات قد انتهت، ومن المفروض أن يصار إلى انتخابات لتشكيل مجلس جديد. ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس غير شرعي أيضا لأن مدة انتدابه البالغة أربع سنوات قد انتهت أيضا عام 2009.

والمؤسف، بل الأمر الذي يندى له الجبين، أن السنوات تمر وهو يستمر في الجلوس على كرسي رئاسة السلطة دون خجل أو وجل. الشعوب الحرة لا تقبل ذلك، كما أن الأحرار لا يقبلون على أنفسهم البقاء في مواقع ليست لهم. كما أن مجالس منظمة التحرير الفلسطينية -مثل المجلس الوطني، والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية- ليست شرعية، لأنها جميعها تخالف لوائحها الداخلية سواء من ناحية فترات الانعقاد أو التشكيل.

ومن المهازل الخاصة بهذا الأمر أن المجلس المركزي الذي تعتبره السلطة شرعيا، اتخذ قرارا بإلغاء التنسيق الأمني مع إسرائيل ولم يقم رئيس السلطة بالتنفيذ، مما يدل على مدى استهتار السلطة التنفيذية بالشرعية، ورئاسة منظمة التحرير بمؤسسات المنظمة. كما أن المنظمة تعمل بدون ميثاق، ولنا أن نتصور كيف لشعب مشرد وأرضه مغتصبة أن يتحرر في الوقت الذي لا يقوى فيه على صياغة دستور أو ميثاق خاص به ينظم العلاقات بين الناس وبين الناس والمؤسسات، ليعرف كل فرد مسؤولياته والتزاماته الوطنية. علما أن الميثاق الوطني الفلسطيني قد ألغي بطلب من إسرائيل وأميركا دون أن يكون هناك بديل.

والظاهر أن الشرعية الوحيدة المعمول بها في الضفة الغربية هي شرعية بني صهيون والقنصل الأميركي والمنسق الأمني الأميركي بين السلطة والصهاينة. وهذا ما يؤكده عرض أسماء حكومة الحمد الله على إسرائيل وأميركا قبل أن تعلن على الشعب الفلسطيني، ولم تعلن إلا بعد حصولها على الموافقة. أي أن الشعب الفلسطيني غير شرعي ووجوده على أرض فلسطين غير شرعي وعلى الفلسطينيين أن يجمعوا أشياءهم ويرحلوا تاركين البلاد لمن يعيث فيها الفساد والاستبداد.

لا توجد قرارات شرعية على الساحة الفلسطينية لأنها تصدر عن أناس غير شرعيين. وبسبب الصلف والإصرار على سرقة الشرعية من الشعب، لم تتقدم الحكومة الفلسطينية إلى المجلس التشريعي لطلب الثقة على الرغم من أنها سميت حكومة توافق. وبسبب مواقف الحكومة من غزة من ناحية الإعمار ورواتب الموظفين، وموقفها من الانتخابات، تستحق تسميتها بحكومة الخصام وليس التوافق.

أزمتا الهوية والتوزيع
فضلا عن أزمة الشرعية، تعاني الساحة الفلسطينية من أزمتين أخريين هما أزمة الهوية وأزمة التوزيع. يعيش الناس في الضفة الغربية بالتحديد حالة من التيه والضياع، وهم لا يعرفون بالتحديد إلى أين هم ذاهبون، ولا يدرون كيف يمكن أن تتطور الأمور مستقبلا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

طبعا لا أحد يستطيع أن يتكهن بالضبط إلى أين تذهب القضية الفلسطينية، لكن الشعوب تجد دائما في مثقفيها ومفكريها وقادتها السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين رؤية يقدمونها للناس لتضيء لهم الطريق. تجد الشعوب من يوضح لها الأمور، ومن يؤكد على أهدافها وطموحاتها وتطلعاتها وآمالها، ويقدم البرامج المختلفة لتحقيق الإنجازات.

القيادة الفلسطينية غير الشرعية لا تملك رؤية ولا إستراتيجية ولا فلسفة، ولا تقدم برامج يمكن أن يسير الشعب وفق متطلباتها. كل ما يملكه عباس هو أيديولوجية الاستمرار في مفاوضات فاشلة تلحق كبير الضرر بالشعب الفلسطيني. فمن هم الشعب الفلسطيني الآن؟ هل هم ضفاوية أم غزاوية؟ فتحاوية أم حمساوية؟ يساريون أم يمينيون؟ أصدقاء الصهاينة أم أعداؤهم؟ جنود لإسرائيل أم لفلسطين؟ عرب أم مسلمون أم فلسطينيون؟ لقد خُنق الفلسطيني إلى درجة أنه لم يعد يعرف من هو وماذا يريد، وإلى أين يتوجه وكيف ومتى؟ أميركا تنخر عظامه، وإسرائيل تستهتر به، وفصائله أعمتها المصالح الذاتية، والعديد من مثقفيه وأكاديمييه تحولوا إلى سماسرة أوطان، ومنهم من يقدم خدماته المعرفية لأعداء الوطن.

وأزمة التوزيع خانقة أيضا. فلا غرابة أن تجد متخلفا في دراسته أو جاسوسا لإسرائيل قد تبوأ مراكز إدارية حيوية، بينما يرتمي المتفوق والوطني في زاوية بعيدة لا يجد لنفسه وظيفة. الوساطات متوفرة للفاشلين و”الزعران” البلطجية وللمتخلفين، بينما المبدعون يعانون من التهميش والإقصاء. في فلسطين هناك من يرث وهناك من لا يرث، وذلك وفق الفصيل الذي ينتمي إليه الشخص ووفق قدراته على النفاق والخداع والكذب والتحايل.

العدالة في فلسطين مفقودة، وهي بلاد آلت إلى المغضوب عليهم الظالمين الذين لا يتورعون عن إلحاق الأذى بالناس والسمسرة على الوطن والمواطنين. الظلم منتشر كانتشار الفساد، ولا يوجد من يوقف عجلة التدهور. في فلسطين، هناك من ينعمون بكل ملذات الحياة، وهناك من لا يجدون علاجا لعللهم الصحية.

والمقزز أن غزة تعاني من كل شرور الحياة ومن حصار الأعداء، بينما ترتع الضفة الغربية بأموال أميركا وتقيم حياة استهلاكية مستواها أعلى بكثير من مستوى الحياة الاستهلاكية في بلدان عربية وإسلامية كثيرة. هناك من ينهبون أموال الفقراء والمساكين ويتلذذون على آلام شعبهم الذي لم يبخل يوما في تقديم التضحيات من أجل أن يكون للجميع هيبة وكرامة.

أزمات ثلاث تحاصر الإنسان الفلسطيني وتشله ماديا ومعنويا، وقيادة فلسطين ما زالت تبحث عن متاهات جديدة تؤزم المتأزمين. والمخزي أن القيادات الثقافية والأكاديمية التي من المفروض أن تحمل هموم الناس وترفع لواء مقاومة الظلم والاستبداد والفساد، منغمسة في أوحال الاستهتار وتشكل معينا كبيرا للظالمين الفاسدين.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: