” أزمة طلبة الهندسة : أزمة نظام ! ” … بقلم الناشطة السياسية أماني بوزيد

إضراب طلبة الهندسة منذ 5 جانفي 2015 يعدّ أحد أهم و أضخم الإضرابات العفوية التي عرفتها تونس في صفوف الطلبة منذ الثورة إلى اليوم .. لعلّ هذا ليس السبب الوحيد للتعتيم الإعلامي و التشويه و التحجيم الذي تمارسه عدّة وسائل إعلامية في حقّ هذا الإضراب  , حيث أنّ “الأخطر” من ضخامة هذا الإضراب هو الوعي و الصحوة التي تقود صفوف الطلبة ..  تحرّك كهذا يعدّ خطيرا و مُربكًا في  دولة إعتادت أن تصنّف الوعي و دعوات التحرر ب”التحرّكات الخطيرة” .

بعد القرارات الأخيرة التي اتخذتها وزارة التعليم العالي في حقّ مرحلة الدراسات الهندسية صارت معطيات الأزمة أكثر وضوحا و بلورة حتى بالنسبة  لغير المتابعين للشأن العام ..
صار من البديهي أن يدرك طلبة الهندسة أنّ الأزمة لا تتلخّص في شخص وزير التعليم الذي يملك “أسهما” في أكثر من مدرسة خاصّة لتعليم المهندسين , و أنّ الأزمة ليست أبدا صراعا طبقيا بين طلبة لجؤوا للتعليم المجّاني و آخرين يزاحمونهم أماكنهم بقوّة المال و النفوذ .. و لا أنّ الأزمة تتلخّص في بعض تلاميذ التكوين المهني الذين سيلتحقون بالدراسات الهندسية
صار من الواضح اليوم أنّ الأزمة هي أزمة سياسة دولة !

[ads2]
في محاولة للتقيّد بما يمليه عليها صندوق النقد الدولي , تقوم الدولة و منذ سنوات بالسير نحو خوصصة النظام التعليمي بالتوازي مع خوصصة القطاع الاقتصادي : عدد المدارس الخاصة الهائل ليس محض صدفة و إعطاء الرخص بهذا الكم و في فترات زمنية جدّ قصيرة ( أكثر من 7 رخص في أقل من 4 أشهر )  هو في مرحلة أولى  محاولة ل”ردم” سوق الشغل بحاملي شهادة مهندس ما سيؤثر بداهة على معدّل الأجور بالنسبة للمهندسين .
في مرحلة ثانية سارت بالتوازي مع المرحلة الأولى , قامت الدولة بدورها المثالي في ..” تحسين” .. مستوى التعليم العالي من خلال تهميش الجامعات , تتفيه البرامج التعليمية و تفريغ المخابر من المعدّات اللازمة و مماطلة الطلبات السنويّة لتجديد أو إيجاد “ما تيسّر” من حاجيات الطلبة التقنية ( معدّات و برامج  تعجز ” الدولة” عن توفيرها و تستغرق سنوات لذلك بينما تتوفّر ببساطة في الجامعات الخاصة )  ,  لم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل تمادى ليصل إلى زعزعة أعمدة الدراسات الهندسية من خلال عقد اتفاقية عبور بين وزارة التعليم العالي و وزارة التكوين تسمح بقبول تلاميذ لم تتح لهم فرصة الحصول على شهادة البكالوريا من الحصول على شهادة مهندسة .. الأمر أبدا لا يتعلّق ببعض الأفراد الذين سيتمتّعون بهذه الميزة بل يتعلّق ب”مستوى تعليمي عمومي ” يتعرّض للتهميش و الهدم , حتى يصل الأمر إلى مساوات حظوظ من تحصّل على شهادة البكالوريا و من لم يتحصّل , من تحصّل على شهادة نجاح المناظرة الوطنية للدخول إلى مدارس المهندسين العمومية و من لم يتحصّل ..
الأمر جللٌ عظيم ,( يذكّرنا بالسياسة التي انتهجتها الدولة في حقّ قطاع الصحّة و المستشفيات الخاصة ) , الدولة تسير نحو خوصصة قطاع التعليم جبرا , و رفع يدها عن رعاية شؤون الطالب إن لم يكن بإلغاء مجانية التعليم فبضرب و هدم هذا التعليم العمومي مقابل دعم التعليم الخاص لوجيستيا و ضرائبيا و إعلاميا و إداريا , ليصبح المواطن اليوم مجبرا على اللجوء للتعليم الخاص كما أجبر سابقا على التطبيب و العلاج في الخواص
سياسة الدولة أو دعني أقول نظام الدولة يسير بخطى أكثر ثباتا من العقود الفارطة نحو نموذج “النظام العالمي الرأسمالي” : نموذج الدولة التي تقوم على ضمان الحريّات للمواطن لا الدولة التي ترعى شؤونه و تسعى لتوفير الاساسيات له .. نموذج الدولة التي تضمن أن لا أحد سيتعدّى على حرياتك , حرية التنقل و حرية التعليم و حرية الشغل ( العمل)  .. و لكنّها أبدا ليس مسؤولة على توفير هذا الشغل و هذا التعليم , هي فقط تضمن الحريات و تترك رعاية شؤون الأفراد لأنفسهم : يبلعُ بعضهم بعضا !

على السياسيين و المفكّرين اليوم , بدل الخوض في مشاكل وهمية , السعي حثيثا لإيقاف النزيف و إيجاد حلول جذريّة و نماذج سياسيّة  مغايرة لما يجترّه العالم اليوم , علينا اليوم أن نمتلك الشجاعة لنعترف أنّ نموذج النظام الغربي لا يمكن أن يكون حلا وهو النموذج الذي تزامن عمره مع عمر الأزمات ( الاقتصادية , الاجتماعية , النفسية , .. ) و أنّ الحلّ لا يمكن أن يتجسّد في تطبيق ما فشل في مسقط نشأته .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: