“أزمـة الهـوية في المجـتـمـعـات العـربـيـة و مآلـتُـهـا” بقـلـم أمـانـي الشـرعـبـي

تعتبر الهوية جوهر الذات البشرية و السبب الأساسي لتواجد المجتمعات و بروز العلاقات بينها فمن المهم لكل إنسان –بطبيعته المدنية- أن يتعرف على ماهية الهوية و يبرز إلى أي حد تستطيع هذه الأخيرة أن تؤثر في تواجده و تفاعله داخل المجتمع.

إن كثيرا من الأخصائيين النفسانيين و الإجتماعيين قد وجدوا صعوبة في إعطاء تعريف دقيق لمصطلح الهوية و هو ما يدل أن الهوية مصطلح واسع المعاني و لكن المعنى السائد هو تلك المعطيات أو المعلومات التي من شأنها أن تعرف الشخص تعريفا ذاتيا و آخر موضوعيا بمعنى هي مجموع الخصائص التي تميز الشخص عن الآخر و السمات المجتمعية التي تميزه عن المجتمعات الأخرى.

و لا شك أن قضية الهوية قد خلقت أزمات عدة أولا في علاقة الشخص بذاته بمأن الثبات على الخصوصية و الإنفتاح على الكونية أمران متلازمان مترابطان في مفهوم الهوية و لكن هذا المفهوم على أهميته بقي مهملا خاصة داخل مجتمعاتنا العربية.

و لأن الهوية تجمع المتناقضات في آن واحد بقيت المجتمعات العربية عاجزة عن إستعاب هذا المفهوم فنظرت له من إحدى زواياه فكانت النتيجة إما التعصب و الإنغلاق ما يخلق بعد ذلك التطرف و الإرهاب الفكري أو الإستهتار التام بمسألة الهوية ما يجعل هذا المفهوم يتقهقر بالتالي يبحث الفرد في هذه الحالة عن ثقافة أخرى محاولا الإنصهار في عاداتها و تقاليدها و عادة ما يعجز في ذلك و يحاول الرجوع إلى أصله و لا يعترضه إلا التيه في كلتا الحالتين.

كما أن أزمة الهوية تكمن في تحديد الثوابت و المبادئ التي ينطلق منها الفرد لإثبات وجوده و لتحديد نوعية العلاقة التي تجمعه مع الآخر المختلف, فالهوية هي الدين هي العرق هي العادات هي التاريخ…

و السؤال هنا من أي العناصر المكونة لهوية الفرد نستقي التشريعات و كيف يمكن لهذه العناصر أن ترتبط فيما بينها إرتباطا متسامحا و نابذا للتعصب؟

إن العناصر المكونة للهوية مختلفة و متنوعة من حيث القداسة و من حيث الأهمية فأن نؤسس لأرضية مشتركة تضم الإختلاف و التقابل و تضمن كل الحقوق و تحرص على كل الواجبات يستدعي وجود هذه الأرضية تنازلات ما لم تمس هذه الأخيرة من قداسة أو ثوابت أحد العناصر.

و هذه الأزمة التي طالت هويتنا  قد خلقت صراعات حادة على مر التاريخ فكما ذكرت آنفا النظرة الذاتية المتعصبة لمسألة الهوية تعمق الأزمة و تخلق جدلا و تيها لا متناهيان.

و عادة ما يكون الصراع المنبثق عن أزمة الهوية هو صراع سلطوي فالإنغلاق و التقوقع على الذات و عدم القدرة على خلق الأرضية المشتركة التي تتعايش فيها الكونية و الخصوصية وقبول الآخر المختلف لا كعدو بل كعنصر أساسي في مبدأ الإختلاف و الإعتزاز بالهوية الذاتية كمصدر قوة و تميز يجعل الهوية مصدر تعصب و تطرف ترفض كل مختلف و تفرض قوالب جاهزة لا يجوز الخروج عنها.

كما أن الإنصهار في الثقافات الأخرى و التخلي عن الهوية تخليا تاما يجعل المجتمع في غربة مع ذاته و مع المجتمعات الأخرى و في شتات دائم.

و لعل المجتمعات العربية هي أكثر المجتمعات تأثرا بهذه الأزمة فقد خلقت صراعات طائفية إقليمية شديدة الخطورة.

و هذا ما يجعل الهوية في المجتمعات العربية هي أزمة معنى بالدرجة الأولى فالأمر هنا متعلق بتحديد ماهية الهوية و فهم كل حيثياتها و ملابساتها  قبل اللجوء إلى الصراع المتعصب الذي تكون غايته السلطة.

و قد نتج عن هذه الصراع أزمة إنسانية فالإنسانية أصبحت مهددة اليوم في وجودها و حقوقها و حرياتها.

و يبقى السؤال إما أن نستغل الهوية لخدمة المصالح الشخصية الضيقة و نبقى في سجن التعصب و التقوقع أو أن نستغل هذا المفهوم للتأسيس لحياة مشتركة تحمي الحقوق الذاتية و الكونية و تضمن الحريات و ترفع من قيمة الإنسان و تحقق إنسانيته.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: