أصحاب الأخدود… عبر ودروس

(فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب فقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكى ذلك إلى الراهب فقال الراهب إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر)،

إن الدين ليس فقط لحظة الاندهاش الأولى، بل هناك تربية وتثقيف وإعداد مستمر لهذا الغلام، كي يصير حاملاً للفكرة داعياً إليها، لا مجرد معجب بها أو مؤمن بها في نفسه، وبالتالي فقد كانت هناك حاجة للقاءات متكررة كلما ذهب الغلام إلى الساحر، وقد كان من ذكاء الراهب وحكمته أنه لم يعين مواعيد خاصة للقاء الغلام سوى ما يكون أثناء ذهاب الغلام وإيابه، كيلا يلفت الانتباه فيقع المحذور.

إن لقاءات الساحر بالغلام تتم بشكل منظم وبمواعيد صارمة، وهو أمر محمود في كل شيء، الاهتمام بالوقت والانضباط بشأنه وتنظيمه واستغلاله على الوجه الأمثل، لكن لماذا الضرب؟ لا شك أنها القسوة والإكراه، فليس للغلام في قلب الساحر أي محبة ولا لغيره، فكل الذي يعنيه في الأمر مصلحته الشخصية. والغريب أو اللافت أن الغلام لم يبح بالسر للساحر وكان بإمكانه أن يفسر له سبب تأخره، ولعل الضرب قد تكرر بمعنى أنه حاول أن يعالج الموضوع وحده، وهو يلوذ بالصمت. إنه لم يخبر الساحر لمَ يتأخر أو أين يتأخر، والمؤكد أن الساحر سأله قبل الضرب وبعده ما يعني أولاً حب الغلام للراهب وتحذير الراهب للغلام من أن يكشف السر لأحد وبالذات للساحر، والمتوقع أن الراهب قد أخبر الغلام بسر اعتزاله المجتمع مع حرص الراهب أن يظل أمره مخفياً.

من الطبيعي أن يتأخر الغلام على الساحر فإنه يخرج من البيت في ساعة يكون الوقت كافياً ليصل الساحر في الموعد، فإذا جلس إلى الراهب لبعض الوقت، كان ذلك على حساب موعده مع الساحر، وكذلك سيكون طبيعياً تأخره على أهله لأن موعد انتهاء لقائه مع الساحر معروف للأهل، فإذا جلس إلى الراهب وهو عائد فلا بد أن يتأخر عليهم.

إن من غير المعقول ولا المقبول أن يلتزم الغلام الصمت مع تكرر مساءلته وضربه فربما تعرض لتعذيب أكبر يضطره للكشف عن سره، ومن الواضح قبل ذلك أن الساحر لم يتوقع أن يكون تأخره مرتبطاً بلقاء الراهب.

إن “الغلام يشتكي إلى الراهب هذا البلاء شكوى الذي يعاني من مشكلة تعوق انطلاقه واستمراره، ولم تكن شكوى الذي يقدم المعاذير ليتخلى ويتراجع، والحاسة السليمة للدعاة هي التي تكشف علة أي شكوى”[1].

كان الكلام السابق أن الغلام يأتي الراهب وهو ذاهب إلى الساحر لكن قول الراهب للغلام: ( وإذا خشيت أهلك ) يعني أن الساحر قد قرر أن يبدأ، أو أنه كان قد بدأ فعلاً، بمزيد من اللقاءات التربوية التثقيفية للغلام لمضاعفة الجرعة ولمسح وإزالة آثار تعليم الساحر والرد على باطله.

أما لماذا يخاف أهله، وهل تراهم يشكلون خطراً حقيقياً على الغلام والدعوة والاستمرار؟ إن الأهل وإن لم يكونوا بالضرورة أعداء للغلام، فإن حرصهم على ابنهم وخوفهم عليه وعلى أنفسهم من النظام، يجعلهم في غاية الحرص على عدم الاصطدام بالنظام أو التعرض لعقوبته ولذلك لن يقبلوا بلقاء ابنهم بالراهب.

لماذا يطلب الراهب من الغلام أن يكذب؟  الكذب هنا جائز بل هو إلى الوجوب أقرب، حرصاً على الدعوة والدعاة أيضاً من الأعداء، لكن ” ليحذر كل من يمارس الدعوة من الخروج عن حدود النصوص التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الكذب حتى لا تتسرب تلك الصفة إلى طبيعته فيكتب عند الله كذاباً ويفقد أقوى إمكانيات التأثير على الناس إذ إن الثقة في الداعية هي باب الإيمان بالدعوة وأساس التحرك فيها ولهذا فإن أول كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته كانت لتأكيد أساس الثقة فيه فقال: ( هل إذا قلت لكم إن الجيش مصبحكم. هل تصدقوني قالوا: نعم لأننا لم نجرب عليك كذباً قط قال: إني نذير بين يديّ عذاب شديد)”[2].

وهذا يدل أيضاً على أن الراهب حريص على ألا يتعرض الغلام في بداياته، وهو يمثل فسيلة ضعيفة، للرياح العاتية التي يخشى أن تقتلعها وتقتلع معها اليد الغارسة لها، كي تنمو وتكبر بهدوء، مع أنه في الواقع قد بدأ يلاقي مستوى معينا ً من البلاء؛ ” وهذا الضرب يمثل بالنسية للغلام بلاءً وامتحاناً إذا راعينا أنه غلام صغير. ولكن الله تبارك وتعالى يريد أن يتربى هذا الغلام – من البداية – تربية حقيقية كاملة ويريد أن يكون ارتباطه بالدعوة متفقاً مع طبيعتها لأن هذا الغلام سيكون منطلقاً أساسياً لتلك الدعوة، وسيكون دليل الناس إليها… لذا كان لابد من أن يكون شخصية متكاملة بمعنى التكامل الشخصي للدعاة والذي لا يتحقق ولا يتم إلا بالاستعداد للبلاء والصبر عليه عندما يقع.

” فطبيعة التلقي لهذا الدين هي التي تحدد طبيعة اعتناقه والالتزام به والدعوة إليه، والذين يتلقون هذا الدين على أنه بلاء، هم الذين يبقون إلى النهاية، وأخذ هذا الدين بقوة هو ضمان الاستمرار عليه.

” وبذلك أراد الله تبارك وتعالى أن يتفق تكوين هذا الغلام مع طبيعة الدعوة وأن لا تشذ شخصيته عن تكاليفها فابتلاه الله في لحظات التكوين ووقت النمو وفترة التربية فصدق وصبر[3]“.

(فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس):

والسؤال الذي يتبادر: هل كان أمر الساحر ليختلط على الغلام حتى إنه ليشك أي الرجلين أفضل؟ بل أيهما أمره أحب إلى الله تعالى؟

من الواضح أن الساحر كان يزيف وعي الغلام مقنعاً إياه بأن الملك ونظامه هو الحق والخير وأن ما عداه وما خالفه شر وباطل، لا بل إنه، وكما يستفاد من النص، يسعى إلى إقناع الغلام بأن الملك أحب وأقرب إلى الله تعالى ودينه، وهي التي فيها مصلحة الناس، ما يعني أن مهمة الغلام في خدمة الملك وتثبيت أركان حكمه وتزييف وعي الجماهير هي مهمة مقدسة.

ونحن نلاحظ حرص الأنظمة المعاصرة مثلاً على التستر بالدين، وادعاء الانتساب إليه، وأنهم نسل أنبيائه، ودعاة دينه، ومطبقو شرعه، وحماة مقدساته، وخُدام مساجده… والتركيز على أن معارضي هذه الأنظمة، وبالذات الدعاة الحقيقيون، هم أعداء الدين المتسترون به، وهم أهل التطرف والإرهاب.

إن هذا الاختلاط لدى الغلام بسبب تزييف الساحر لا يعني أنه كان محتاراً، بل كان الراجح لديه والأقرب إلى قلبه ومشاعره، فضلاً عن عقله، هو الراهب، وهذا ما نلحظه في دعائه، فإنه قال: ( اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة)، ولم يقل العكس : اللهم إن كان أمر الساحر أحب إليك من أمر الراهب، فالأقرب إلى حب الله تعالى، كما يترجح لدى الغلام، هو أمر الراهب، ولذلك فالموضوع كما يبدو هو من قبيل: ولكن ليطمئن قلبي.

حتى يمضي الناس): إن المحك الحقيقي والمصداقية لأي فكرة أو مبدأ ليس مقدار ما فيه من البهرجة وحسن الصياغة والبلاغة، بل بأثرها وواقعيتها وفاعليتها وإيجابيتها في حياة الناس، وقدرتها على معالجة مشكلاتهم وقضاياهم، وكذلك الأمر بالنسبة لحَمَلة الدعوة فإن عنوان صدقهم وإخلاصهم وبرهان مشروعيتهم، هو تبنيهم لقضايا الناس والسعي لحل مشاكلهم وانغماسهم في الجماهير، وليس مجرد التنظير. لقد جمع الغلام بين قضيتين متلازمتين: الفكرة ومَن يحملها، حيث أراد أولاً أن يستيقن أي الرجلين أفضل الساحر أم الراهب، وكذلك أي الفكرتين والطريقين أحب إلى الله: أمر الراهب أو أمر الساحر.

ومما يستوقف هنا حديث الغلام عن ( أمر الراهب) و ( أمر الساحر)، والأمر في اللغة الشيء الخطير العظيم الشأن، فالغلام يعي ويدرك تماماً أن ما يسمعه من الساحر، وكذلك ما يسمعه من الراهب، أمران عظيمان شأنهما خطير، وهذا بالطبع لأن العمل لدى الملك لتثبيت نظامه ليس بالأمر العادي، ومثله بل أعظم منه وأخطر، الدين الذي يتعلمه من الراهب، ودعوة التوحيد التي يراد تحرير الناس، ولذلك فإن الغلام لم يكن يريد قتل الدابة لمجرد القتل، ولكن ليتيقن من أحقية أمر الراهب من جهة، ومن جهة أخرى لأنه معنيُّ بإنقاذ الناس.

 ( فرماها فقتلها ومضى الناس) لقد مضى الناس وهم بالتأكيد ينظرون إلى هذا الغلام نظرة إكبار وإعجاب وحب وتقدير، وكانت بداية لفت الأنظار إليه ليس باعتباره الساحر القادم للملك، بل باعتباره منقذاً للناس من خطر عظيم داهم، حيث أزاح عن كاهل الجماهير هماً ثقيلاً، وفي بعض روايات الحديث:” فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغلام، ففزع الناس إليه، وقالوا: قد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد”.

*************************

( الحلقة 5) الراهب يسلم الراية  للغلام

( فأتى الراهب فأخبره): ثقة وحب وتواصل، بين التلميذ وأستاذه، بين الداعية ومرشده، بحيث لا يكاد يمر بالغلام أمر إلا ويخبر به الراهب، وقد رأينا من قبل كيف اشتكى إليه ضرب الساحر.

( أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى): من الواضح أن هذا الراهب على درجة عالية من الإخلاص لله تعالى، فلا يجد غضاضة في أن يقول للغلام إنه أفضل  منه، بمعنى أنه أقدر على العمل للدين منه، وأنه أقرب إلى الله منه، حتى وقعت على يديه تلك الكرامة، وكأنه يسلمه قيادة الدعوة ويتراجع خطوة إلى الوراء مقدماً الغلام على نفسه، لكنه في الوقت ذاته يضع علمه وخبرته بين يدي الغلام، فيعرفه أنه سيبتلى.

إنه ينظر إليه كابن له وليس مجرد تلميذ، والوالد لا يضيره أن يتفوق عليه ولده لا بل إنه ليسعد بذلك، بل هو يعمل لهذا الهدف، وهذا فرق جليّ بينه وبين الساحر الذي يتعامل بالقسوة والضرب ويخشى المنافسة حتى لقد أخر البحث عن وارث إلى قرب نهاية حياته.

(أنت اليوم أفضل مني): وهو درس للكبار والصغار، للآباء والأبناء، للمعلمين ولتلاميذ، للقادة والجنود، أن فرق العمر والخبرة لا يعني الأفضلية بالضرورة، فربما يلهم الله تعالى الأصغر ما لم يلهمه الأكبر، وفي التنزيل: ( ففهمناها سليمان)، وقد كان الصحابة يشيرون على الرسول عليه الصلاة والسلام، إن لكل شخص طريقته في التفكير وخبراته الخاصة وتجاربه المختلفة وقد رأينا خبرة سلمان الفارسي في اقتراح الخندق، فضلاً عن أن موضوع الإخلاص والصدق مع الله تعالى يحلق بصاحبه في الأعالي، ويفتح عليه ما لم يفتح للقادة المربين الذين سبقوه.

والدرس المطلوب: أن يفسح الكبار والمربون والقادة، المجال الكبير لمن تحت إشرافهم كي يدلوا بدلوهم ويظهروا مواهبهم، كما أن المطلوب من الجنود والمرؤوسين والتلاميذ ألا يستصغروا شأنهم وألا يتهيبوا طرح رؤاهم وأفكارهم على من يكبرونهم، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مختبراً من حوله:( إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله بن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ فقال: هي النخلة، قال: فذكرت ذلك لعمر فقال: لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا )، وفي هذا تشجيع لولده أن لا يمنعه الحياء من إظهار مواهبه أمام من هم أكبر منه سناً.

إن قول الراهب للغلام: أنت اليوم أفضل مني، يفيد المربين ألا يظنوا بأن من تحت أيديهم سيظلون على الحال التي التقوهم فيها أول مرة؛ فإن مرور الأيام وتطور الجنود والمرؤوسين والتلاميذ مستمر دون توقف، وقد تحصل قفزات كبيرة جراء بعض التحديات، وما يمكن أن يمن الله به على أهل الصدق والإخلاص من السائرين الجدد، ما يستدعي من الكبار ألا يجمدوا عند مواقفهم الأولى.

وقد كان لافتاً توجيه الإمام عليّ رضي الله عنه، المربين أن لا يكرهوا أبناءهم على ما تربوا عليه لأنهم خُلقوا لزمان غير زمان الآباء، فالتحديات التي تواجه الأبناء غير تلك التي واجهت الآباء، والجيل الجديد أسرع تكيفاً وأكثر استجابة للجديد، لذلك من المناسب أن يُعطَوا زمام المبادرة في وجود الكبار، فيتدربوا على اتخاذ القرارات ويجري توجيههم وتصويبهم وإرشادهم.

وأمر آخر ما ينبغي تجاهله؛ وهو حديث الغلام للراهب ورد الراهب عليه، الغلام يقول للراهب أنه قد تأكد له أنه أفضل من الساحر، وأن أمره وطريقه أحب إلى الله من أمر الساحر، لكن الراهب لم يجعل من ذلك دليلاً ليزيد من رصيده لدى الغلام ويضاعف من تعلقه به وخضوعه له، فكل الذي يعنيه هو أن أمره وطريقه أحب إلى الله، ولم يفكر في ذاته، ولذلك التقط من القصة ما هو أهم، وهو أن الغلام أفضل عند الله منه في الدعوة إلى الدين وحمل الدين، وأخبره بواقعه وحقيقة أمره وما حباه الله تعالى، ليعرف قدره وفضل الله عليه ومواهبه وإمكانياته ليسير على هدى من ذلك.

 ( وإنك ستبتلى فإن ابتيت فلا تدل عليّ)

إنها التهيئة والإعداد للتحديات القادمة، لا لأجل أن يقحم نفسه في البلاء؛ فالمؤمن ليس بالمتهور، ولا يغتر بل يسأل الله تعالى العافية، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد لاحظنا كيف أن الراهب كان حريصاً على تجنيب الغلام الصدام والتحديات؛ فلقاءاته به كانت تتخفى وتتستر  بذهاب الغلام وإيابه، ولم يكن يرتب له مواعيد خاصة، كما أنه نصحه بل أمره بالكذب على الساحر وعلى أهله، كيلا يكلف الغلام فوق طاقته أو يعرضه لابتلاء لا يحتمله ويودي بالدعوة وبهما جميعا.

إنك لا بد حين تبتلى ستُسأل من أين أتيت بهذه العقيدة؟ ومن علمك هذا الدين؟، فلتحرص على ألا تكشف السر، وذلك ضمانة لعدم إلقاء القبض على الجميع، وحتى يظل الراهب متوارياً عن الأنظار يتحرك بالدعوة سراً بعيداً عن الأضواء والضوضاء، فالحفاظ على الدعوة يقتضي الحرص على ألا تنكشف حلقات التنظيم للأعداء.

أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم؛ وقد لاحظنا كيف أن بلاء الغلام أشد من بلاء صاحبيه فقد رأى ما أصابهما، كما عذب من قبل، كما أن التهديد المتواصل والتخويف حتى ذروة الجبل ثم في عُرض البحر، ولا ننسى أن الابتلاء بالإغراء والترغيب لا يقل شدة إن لم يزد، عن الابتلاء بالتعذيب والترهيب، فهو الشاب الذي ينتظره المستقبل الباسم والقرب من الملك والعمل ساحراً له، فيما الراهب والجليس كبيران في السن وليس لديهما طموح كبير أو مستقبل باسم كالذي ينتظر الغلام، ولذلك فالامتحان أبلغ وأقوى.

وقد من حكمة الراهب أن بين للغلام حقيقة وضعه ومستواه الإيماني بعدما رأى تلك الكرامة الخارقة، فقول الراهب للغلام: أنت اليوم أفضل مني، قبل قوله: وإنك ستبتلى، يتضمن أنه بما بلَغه من الإخلاص والإيمان سيُعان على تجاوز الابتلاء والنجاح فيه، كما يتضمن أن الله تعالى الذي أعانه بالكرامة الخارقة لا بد سيمن عليه بالعون على تجاوز البلاء، وسيظهر أن البلاء الحقيقي ليس في الكشف عن ” خيوط التنظيم”، ولكن في الثبات على الدين.

وقد بدأ الراهب بأداة التوكيد وثنى بأداة الشك:( وإنك ستبتلى … فإن ابتليت)، لئلا يقع الغلام في الكرب قبل وقوعه فيصيبه الجزع، كما ألمح إلى ذلك صاحب كتاب دليل الفالحين شرح رياض الصالحين، ففي الوقت الذي أكد الراهب أن الغلام لا بد سيلقى البلاء فهذه هي سنة الله تعالى إلا أنه لم يشأ أن يملأ قلب الغلام بالخوف ولا نفسه بالجزع، بل فقط المطلوب هو التهيؤ والاستعداد، ولذلك استخدم أداة الشك ( فإن ابتليت ): وكأن البلاء احتمال ضعيف.

 ولعل بعض الدعاة وهو يريد إعداد تلاميذه للبلاء القادم، تراه يوقعهم في اليأس والجزع من شدة ما يصور لهم الأهوال التي تنتظرهم، وبطريقة توحي لهم أنهم لن يتجاوزوها.

( فإن ابتليت فلا تدل عليّ): إنك حين تبتلى لا بد ستُسأل من أين أتيت بهذا الكلام ومن علمك هذا الدين ولقنك تلك العقيدة، فلتكن حريصاً على ألا تكشف السر وذلك حفاظاً على الدعوة بسلامة قادتها وأفرادها.

**************************

( الحلقة 6) الدعوة في بلاط الفرعون

(وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع، إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا. إنما يشفي الله. فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن بالله. فشفاه الله).

بعد الإعلان الجماعي الذي عرّف بالغلام، صار له حضور في تخفيف معاناة الناس بمداواتهم أولاً من الأمراض المستعصية كالبرُصان والكُمه الذين ولدوا عمياً حيث يندر شفاؤهم لتلفت النظر إلى ما عند هذا الغلام مما ليس عند غيره.

وكما تطور إيمان الفتى، فإن دعوته وانتشاره يتضاعف حتى يبلغ أمره جليساً للملك، وهو كما سيأتي الخيط المؤدي لظهور الدعوة والانكشاف أمام قمة هرم السلطة وبالتالي وقوع الابتلاء الذي نبه إليه الراهب.

من الواضح أن الغلام وهو يداوي المرضى ويعالجهم كان يشترط عليهم ألا يكشفوا أمره بدليل أن الجليس سمع عن الغلام كطبيب معالج أو كساحر يشفي من الأمراض المستعصية، لا كداعية للإيمان، ولذلك أتاه بهدايا كثيرة، والجليس نفسه سيُعذب حتى يُضطر إلى كشف الغلام، ولم يبادر إلى الإخبار عن الذي يعلمه الدين من تلقاء نفسه، كما بادر بالإعلان عن إيمانه.

إن مشكلة الطب أن القادرين وكبار القوم هم من يستطيعون الوصول إلى أمهر الأطباء وأفضل المستشفيات، الأمر الذي لا يتوفر  لعامة الناس، والمعتاد أنهم يصلون إلى هؤلاء قبل الفقراء والعامة، وأما في حالتنا هذه فقد وصل العلاج والدين إلى العامة قبل كبار القوم.

وفي كلام الجليس أن المريض وذا الحاجة على استعداد لدفع كل ما يملك، ولتقديم الغالي والنفيس لأجل حصول الشفاء، ذلك أن صاحب الحاجة أرعن كما يقال، وإذا كان أصحاب المبادئ الهدامة والغايات الدنيئة يستغلون ذلك في نشر مبادئهم وتحقيق مصالحهم، فإن المؤمنين الدعاة أصحاب الحق أولى بأن يسعوا في حل مشاكل هؤلاء وتخفيف معاناتهم.

واللافت أن الجليس لم يصله خبر الغلام بأنه يدعو إلى الإيمان بالله بل بلغه أن الغلام يعالج أو بحسب حلمه وأمنيته أنه كان يشفي، حيث يتحرك بين الناس بالدعوة مستفيداً من تقديمه خدمة العلاج للناس، متستراً من الحكومة بهذا الأمر وبكونه ساحر الملك.

(إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى): الإخلاص لله تعالى، وعدم تقديس الذات، ومن جهة أخرى تعزيز عقيدة أن الشافي هو الله تعالى وحده ( وإذا مرضت فهو يشفين)، إن الغلام “يداوي” لكن الشافي هو الله تعالى وحده.

(فآمن بالله فشفاه الله): وكأنه لصدقه وإخلاصه في إيمانه شفاه الله تعالى حتى قبل أن يدعو له الغلام بالشفاء، وتأكيداً على حقيقة أن الشفاء فقط بيد الله تعالى.

وتفيد هذه القصة مثل ما أفادت قصة سحرة  فرعون ألا نيأس من إمكانية هداية الناس مهما بلغ عداؤهم للدين أو قربهم من الطغاة، لا بل حتى الفراعنة أنفسهم فإن الدين قد جاء لينقذهم من شرور أنفسهم، لقد آمن الغلام الذي أُعد ليكون ساحر الملك، ومن بعده آمن جليس الملك.

هل يجوز اشتراط الإيمان قبل العلاج؟

أولاً: لقد آمن الغلام نفسه دون خارقة ودون ” جائزة”، كل ما هنالك أنه سمع كلام الراهب فأعجبه، وأغلب الظن أن الغلام قد تحرك في الناس بالطريقة ذاتها التي كانت سبب إيمانه، ولكن مداواة الناس كانت مهمة كي تسهل تحركه بينهم وتكون العلاجات الخارقة دليلاً على صدقه عند من يحتاجون إلى أدلة مادية، وكذلك فإن الخوارق مهمة لشدة طغيان النظام، فيحتاج المؤمنون إلى ما يثبت إيمانهم في مواجهة شدة بطش الملك وجبروته وتفننه في تعذيب المؤمنين، وحالة الجليس بما فيها من علاج خارق للعمى بمجرد الإيمان تؤكد أهمية الخارقة في تحمل وتقبل التعذيب ومن بعده القتل.

وبالتالي فليس في هذا الموقف دليل لمن قد يظن أن بإمكانه اشتراط إيمان الناس، حتى يقدم لهم ما يحتاجونه من غذاء وعلاج أو أية معونات أخرى، ولم يكن هذا أسلوب المسلمين في الدعوة قديماً ولا حديثاً.

( فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس. فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام):

حضر الجليس عند الملك دون قائد ولا عصا، وجلس إليه كما كان يفعل قبل أن يصاب بالعمى، وكان من الطبيعي أن يسأل الملك هذا الجليس: من رد عليك بصرك؟ أي طبيب نطاسي بارع ذاك الذي أعاد إليك بصرك؟ فقال الجليس ربي، فيسارع الملك مستهجنا هذا الكلام: أولك رب غيري؟

الملك يقول: إن كل خير يأتيك أو يأتي غيرك في المملكة، مباشراً كان أو غير مباشر، فأنا وراءه وأنا ربكم وهذا يقتضي أن أكون أنا إلهكم ومعبودكم.

( ربي وربك الله):  

الله خالقي وخالقك، المنعم عليّ وعليك، والملك لم يكن ينكر وجود الله تعالى، ولذلك لم يسأله من هو الله؟ ولم يقل له أين الله، وقلّ من يوجد في الواقع والتاريخ من ينكر وجود الله تعالى أو يجادل في الخالق سبحانه، وهذا القليل في مراحل متناثرة من التاريخ منها ما كان بعد انتشار الشيوعية في العصور المتأخرة، أو من أطلق عليهم الزنادقة في بعض عصور التاريخ الإسلامي، أو غيره، وهم في إنكارهم مكابرون لا جاهلون.

ربي وربك الله… لست الرب، أيها الملك، فأنت مثلي وأنا مثلك، أنا وأنت عبدان لله الواحد القهار، إنها كلمة السر إذن في حرب الفراعنة والطغاة، ضد الدين، ضد التوحيد، ضد الإيمان الحق؛ فالملوك يريدون أن يتألهوا على الناس ويتسلطوا على رقابهم، يملكوهم ويملكوا الأرض التي يحكمونها بكل ما عليها ومن عليها استعباداً وتسخيراً، ولذلك فالحرب الشعواء الضروس سببها أن المؤمنين الموحدين يرفعون رؤوسهم أمام الفراعنة المتألهين ويصرخون في وجوههم أننا وإياكم عبيد لله تعالى.

( فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام):

 فأولاً تتجلى شدة قسوة النظام الكافر، وأنه لا يهمه أحد مهما كان قربه منه، فهذا الرجل جليس للملك أي أنه ليس فقط مجرد مسؤول كبير من أعوان الملك وأركان حكمه، بل هو إلى ذلك يكثر الجلوس إلى الملك، ما يعني أن الملك يكثر مجالسته ويستريح إليه ويكثر استشارته لكونه يستفيد منه، لكن ذلك كله لم يكن ليشفع له، فعندما ذكر للملك بأن الله تعالى هو ربه ورب الملك لم يحتمل ذلك منه فأوقع عليه أشد العقاب.

ترى هل تسرع الجليس بإعلان إيمانه أمام الملك وتحديه بأن الله ربهما جميعاَ، أوَما كان يسع الجليس التعريض والمداورة؟

أرى، والله أعلم، أن هذا الأمر قد تم بوعي وفهم وبتنسيق مشترك بين الجليس والغلام، ونحن لا نتحدث عن شخص مغامر فالجليس يفترض فيه أنه رجل سياسي محنك ويدرك خطورة أن يكلم الملك بهذه الطريقة، ومعنى ذهابه إلى الملك أنه ذهب قاصداً إيصال الدين إليه وتحديه به كأنما قد حان وقت: ( اذهب إلى فرعون إنه طغى).

لقد أخذت الدعوة حظها من التحرك بين الجماهير، وصار لزاماً أن تواجه الفراعنة فهم السدود والحواجز المانعة من إيمان الناس، ثم إن من حق الملك وكبراء الدولة على الدعاة أن يبلغوهم دين الله فلعل أحدهم أن يتذكر أو يخشى، فيؤمن بإيمانه خلق كثير، وإلا فقد قامت عليه الحجة، ولم يبق له عذر أمام الله تعالى.

“ويجب ألا يمنع الاستضعاف ضرورة المواجهة بين الدعوة والحكم الظالم وليس في تلك المواجهة دون اعتبار للإمكانيات المادية – أي تهور، ولهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن سيد الشهداء من يقوم إلى حاكم ظالم يأمره وينهاه، وهو يعلم أنه سيقتله فقال: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله)  لأنه أكد مايؤكده الشهداء بقتالهم الكافرين أصحاب القوة والسلطان ويزيد عليهم أن الشهداء كانوا يقاتلون باحتمال النصر أو الشهادة، وهو يواجه باحتمال واحد وهو الشهادة”[4].

كان العذاب شديداً وقاسياً ومستمراً وفوق قدرته على الاحتمال، والجليس بقدر ما كان معنياً بإعلان إيمانه، فإنه وفي الوقت ذاته كان حريصاً على عدم الكشف عمن علّمه الإيمان والتوحيد، وإلا لكان اعترف به دون حاجة إلى كل هذا التعذيب، هذا يعني أن الغلام قد أوصى الجليس بما أوصاه الراهب ألا يدل عليه إذا ابتلي، وبعض العاملين للإسلام قد يصفون هذه الحالة بأنها: علانية الدعوة وسرية التنظيم.

ويلفت الانتباه هنا: الاستمرار بالنشر حتى يسقط شقا الراهب والجليس، ذلك أن الشخص لا يلبث أن يموت بعيد وصول المنشار إلى دماغه، فلماذا يستمر النشر حتى النهاية؟

إنه الحقد الشديد على أهل الإيمان، مصداق قوله تعالى: ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)، حيث إن إيمانهم بالله العزيز الحميد، يجعل رؤوسهم في السماء، فيرفضون المذلة، ويستعلون بإيمانهم، ويأبون الخضوع لأمثالهم من العبيد، فيغتاظ منهم الطغاة المتألهون، والذين فقدوا كل معاني الإنسانية، وصاروا إلى التوحش أقرب، فلم يبالوا أن يشقوا المؤمنين بالمناشير أو أن يحرّقوهم بالأخاديد.

 

طارق مصطفى حميدة

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: