” أكاذيب لعينة .. و الانتخابات البريطانية ” .. بقلم رئيس جامعة اوكسفورد كريس باتن

لا نستطيع أن نصف الانتخابات الديمقراطية باعتبارها منافَسة تهدف إلى الكشف عن أي المرشحين ينبئنا بالحقيقة الناصعة. إن أغلب الساسة يحاولون تجنب الإدلاء بأكاذيب صريحة، فهم ينتهجون طريقة أشبه بالملاكمين عندما يواجهون بأسئلة ربما توقعهم في شَرَك الكذب الصريح. ولكنهم يبالغون دوما في تقدير ما يمكنهم تقديمه، فضلا عن المخاطر التي قد تترتب على فوز خصومهم.

من المفهوم أن الساسة ينبغي لهم أن يعظموا رؤيتهم للمستقبل وأن يستخفوا بما يعرضه خصومهم من رؤى. وكل هذا معقول إذا لم يتجاوز الحدود كثيرا، وإذا كان يشبه بعض الشيء ما حققه نفس السياسي عندما كان في السلطة.

والواقع أن الناخبين يرصدون عادة الكذابين السياسيين ويراقبون استمرارهم في الكذب. ولكنهم أيضا لا يتوقعون أن يكون ممثلوهم المنتخبون قديسين. فهم على استعداد لتفسير الشكل لصالحهم (ويُعَد هذا إلى حد كبير السمة الأكثر أهمية التي قد يمتلكها أي زعيم سياسي). وفي اعتقادي أن رئيس الوزراء ديفد كاميرون في يوم الاقتراع سوف يثبت امتلاكه لهذه السمة الأساسية.
ويتمتع الناخبون أيضا بغريزة داخلية -عادة، ولكن ليس دائما- تجعلهم يدركون أن أحزاب اليسار التقليدية سوف تزيد الضرائب والإنفاق، وأن أحزاب اليمين سوف تفعل العكس. والواقع أن الطريقة التي يستجيب بها الناخبون تعكس الكيفية التي يرون عليها التاريخ الحديث وماذا يريدون لأنفسهم وأسرهم في المستقبل. وأنا أتفق مع الرأي القائل بأنهم يصيبون في أحكامهم عادة.
ولكن هذا العام، يتعين على الناخبين البريطانيين أن يبحروا عبر ما هو أكثر من الكم المعتاد من رياء زمن الانتخابات. ومع توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع في السابع من مايو/أيار، يطالبهم المسؤولون المرشحون بتصديق ثلاث أكاذيب كبرى، وكل منها خطيرة في حد ذاتها.
أول كذبتين -أشد مكرا من كل ما شهدته في أي حملة انتخابية- يروج لهما الحزبان الشعوبيان الأكثر نجاحا في البلاد: حزب استقلال المملكة المتحدة والحزب القومي الإسكتلندي.

كان الصعود السريع الذي حققه حزب استقلال المملكة المتحدة مبنيا على وعد بالعودة إلى ماضي بريطانيا الذي لم يكن قط: حيث أغلب سكانها من ذوي البشرة البيضاء الذين يخشون الرب ويحترمون القانون ويحافظون على عزلتهم السياسية ويركزون بشكل ضيق على مصالحهم الوطنية. وهي الرؤية التي تجتذب في الأساس أولئك الذين يتشككون في الحداثة ويعادون العولمة.

ومكمن الخطر هنا هو أن الوصفتين السياسيتين الرئيسيتين اللتين يعرضهما حزب استقلال المملكة المتحدة -إيقاف الهجرة والانسحاب من الاتحاد الأوروبي– لا تتفقان مع الرخاء الاقتصادي. فلكي تتمكن بريطانيا من مواصلة الازدهار خارج الاتحاد الأوروبي، سوف يكون لزاما عليها أن تفتح اقتصادها إلى ما هو أبعد من وضعه الحالي، ليس فقط على التجارة العالمية والاستثمار، بل وأيضا على تدفقات الهجرة المتزايدة. والاستجابة لاقتراح حزب استقلال المملكة المتحدة بغلق البلاد في وجه العالم لن تسفر إلا عن المزيد من الفقر، وفي المقام الأول بين العمال البريطانيين.

والحزب القومي الإسكتلندي أيضا بنى حملته الانتخابية حول نواة من التضليل والكذب، والذي يفسر للأسف جزءا كبيرا من نجاحه. فبالإضافة إلى اللعب على وتر رهاب الإنجليز لدى الإسكتلنديين، يَعِد الحزب القومي الإسكتلندي ناخبيه بسياسات أكثر ميلا إلى اليسار من أي شيء قد يعرضه مرشح حزب العمل لمنصب رئيس الوزراء، إيد ميليباند.

وما يزيد الأمور تعقيدا أن الزيادة في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية التي يَعِد بها الحزب القومي الإسكتلندي الناخبين الإسكتلنديين لابد أن تسدد أولا من قِبَل دافعي الضرائب في إنجلترا. وبصرف النظر عن أي حزب، حزب العمال أو حزب المحافظين، قد يفوز بالعدد الأكبر من المقاعد في البرلمان، فإن مكوناته سوف تشمل بكل تأكيد العديد من الناخبين الإنجليز، الذين من غير الممكن أن يوافقوا على أولويات سياسة الحزب القومي الإسكتلندي. وهذه الكذبة بالغة الخطورة، فهي تهدد مرة أخرى سلامة بريطانيا الدستورية، بعد ثمانية أشهر فقط من تصويت الناخبين الإسكتلنديين بالبقاء جزءا من المملكة المتحدة بفارق 10%.
ولكن الكذبة الأخيرة هي الأكثر انتشارا، وربما الأشد خطورة على الإطلاق. ذلك أن الخطاب الذي تستخدمه حملات الساسة الوطنيين يجسد الاعتقاد الوهمي المضلل بأن المملكة المتحدة قادرة على ممارسة نفس الدرجة من السيطرة على الأحداث العالمية التي ربما كانت ممكنة قبل خمسين عاما. وهذا غير صحيح ببساطة.
فالمملكة المتحدة لم تعد تملك النفوذ الدولي الذي كانت تمتع به ذات يوم، بل إن البريطانيين نادرا ما يشعرون بالانزعاج إزاء تراجع أهمية بلادهم، أو يدركون حتى العواقب المترتبة على ذلك.
إن السيادة الوطنية تتحول إلى مفهوم أكثر مراوغة من أي وقت مضى. وتعتمد آفاق الاقتصاد البريطاني بشكل متزايد على أحداث تقع خارج شواطئ بريطانيا، سواء عبر القناة الإنجليزية أو في الصين أو كاليفورنيا. فالمخاطر البيئية هائلة، وتهدد الضغوط المتضخمة المرتبطة بالهجرة بسحق أي ادعاء بفرض الرقابة على الحدود. وأصبحت المخاوف الأمنية تشمل على نحو متزايد سياسات خارجية ومحلية في نفس الوقت. وقد أظهر رسم كاريكاتيري سياسي مؤخرا قاذفات بريطانية تقلع في مهمة، فيقول أحد الطيارين لآخر “إنها لمسافة طويلة نقطعها لقصف بضعة شباب من جنوب لندن”.

إن التصدي للتحديات التي نواجهها نحن البريطانيين سوف تتطلب أولا الاعتراف بقدرتنا المحدودة على السيطرة على أسبابها الجذرية. والبلاد في حاجة ماسة إلى ساسة يتسمون بالفكر المستقل ويتحلون بالشجاعة لمصارحة الناخبين، بأن يشرحوا لهم بوضوح ووعي أن المملكة المتحدة لم تعد قادرة على حل مشاكلها وحدها.

في عالم متزايد الخطورة ومتزايد الترابط، لا تستطيع بريطانيا أن تتحمل ترف اتخاذ أكثر قراراتها الجماعية أهمية استنادا إلى أكاذيب أو أوهام. والوسيلة الأفضل لخدمة الناخبين البريطانيين هي أن يتحلى ساستهم بالشجاعة الكافية لعرض بعض الحقائق غير المريحة، أو على الأقل النزاهة الكافية لعدم الاستغراق في خداع خطير.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: