ألف مسجد تحيي قيم التعايش في المجتمع الإسباني‎

[ads2]

في منطقة “M30” يتربع مسجد مدريد الكبير، التابع للمركز الإسلامي في العاصمة الإسبانية، الذي حرص منذ بداية رمضان على احتضان فعاليات اجتماعية ترمي لتوسيع مساحات التعايش بين المسلمين من ثقافات مختلفة، وأتباع الديانات السماوية الأخرى.

الفكرة لم تقتصر على المسجد الكبير بل كانت مثار اهتمام قرابة ألف مسجد في إسبانيا، تسعى للعب دور اجتماعي أكبر عبر التواصل مع المحيط الإسلامي وغيره، وكانت الموائد الرمضانية وسيلة ناجعة في هذا الإطار.

الإفطار الجماعي يعد فرصة للتعارف والتعايش، وفي هذا الصدد، يقدم مسجد مدريد يوميًا ألف وجبة إفطار يعدها مطعم تابع له، ويتم إرسال 500 وجبة منها لمساجد أخرى في مناطق متفرقة من العاصمة.

سامي المشطاوي، مدير إدارة الإعلام بالمركز الإسلامي في مدريد، قال للأناضول إن “هذا العام تم توزيع 100 طن من التمور على عدد من المساجد والهيئات الدينية في مختلف مدن إسبانيا، إضافة إلى الإفطار الجماعي اليومي الذي يقدم قرابة 500 وجبة هنا في المركز”.

وفي قاعة الإفطار الجماعي في المركز، تتعدد الأسماء بتعدد الوجوه والثقافات، فمن آسيا مرورًا بالمغرب العربي والشرق الأوسط، وصولًا إلى أفريقيا، تتعدد الجنسيات والثقافات لبشر جاؤوا من كل حدب وصوب يجمعهم الإسلام، وتحدوهم الرغبة في التعارف، حيث يوصي الإسلام بتعارف الشعوب والقبائل والثقافات.

وسام الشربيني (27 عامًا) شاب مصري، يقول وهو يشارك صديقه المغربي طاولة الإفطار في المركز الإسلامي “عندما وصلت إسبانيا قبل ثلاث سنوات، كان الإفطار الجماعي في مساجد إسبانيا أولى الفرص لاكتساب الأصدقاء، حيث كنت أعاني من عدم معرفة اللغة الإسبانية، والآن تحسنت الأمور ولا زلت احتفظ بنفس الأصدقاء الطيبين الذين تعرفت عليهم”.

الأمر بالنسبة لعبد الله دماكو، من كوسوفو، مشابه لكنه مختلف فيما يتعلق باكتشافه للعالم العربي وقال مبتسمًا: “هنا في هذا الإفطار الجماعي تعرفت على أصدقاء من المغرب، والجزائر، وتونس، ومن جميع أنحاء العالم العربي، تعرفت على ثقافتهم وسعدت باكتشاف الكثير حولهم”.

عائلة الإسلام الكبيرة

يحيى مارابال (20 عاما) من بين مئات المصلين الذين يتدفقون على المركز الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (مقرها السعودية) وسط مدريد، وهو واحد من قرابة 20 ألف إسباني مسلم، من أصل حوالي 2 مليون مسلم يوجدون في إسبانيا، أغلبهم عرب وأفارقة.

يتحدث الشاب الإسباني، اللغة العربية بطلاقة، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية ولغته الأصلية، وهذا ما جعله من بين الشباب الإسبان الأكثر فهمًا لنصوص القرآن والكتب الدينية، رغم حداثة سنه، ويحلم أن يكون من أشهر الأئمة المسلمين في أوروبا في غضون 10 سنوات، بحسب ما شرح للأناضول أستاذه التركي الباحث في القضايا الإسلامية ومعلم الدين، محمد يوجلي.

ورغم أن عائلة الشاب الإسباني (عائلة مسيحية) كانت منفتحة بشكل كبير حول موضوع اعتناقه الإسلام، حتى أن والده يصحبه إلى المسجد ويدعمه خلال بحوثه في مجال الدين واللغة العربية، إلا أن مارابال، يجد صعوبة في التواصل مع كثير من أصدقاء الطفولة، و”غير مرتاح لتصاعد (الإسلاموفوبيا) في أوروبا وبلاده إسبانيا على وجه الخصوص”، بحسب ما شرح للأناضول.

وعندما يجلس مارابال، في قاعة الإفطار الجماعي في مسجد مدريد الكبير، أو مسجد استريتشو التابع لاتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا (أهلية)، فإنه يختفي في خليط من الجنسيات المتعددة.

وإذا كان عنفوان وحماس مارابال، لا يزال متقدًا بحكم السّن، فإن الرسام الإسباني المسلم روخاس الأندلسي (64 عاما) تعود على هذا النمط من التعايش الجماعي للمسلمين في مساجد إسبانيا في رمضان، وبات جزءًا من حياته بعد أن أشهر إسلامه رسميًا عام 1992، حيث يتابع باهتمام كبير تجمع هذا الكم الكبير من المسلمين متعددي الثقافات معًا حيث يمكنهم التعارف وتبادل الأفكار على موائد الإفطار.

إنها فرصة كبيرة للرسام الإسباني، لاسترجاع ذكرياته حول دخوله الإسلام ورحلته الأولى إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج عام 2006، حيث رأى الملايين من البشر يحجون بيت الله الحرام، ويؤدون ركنًا آخر من أركان الإسلام، وهو ما قاده لاستلهام التضامن الإسلامي وترجمته في لوحات تشكيلية و”تنظيم معارض في إسبانيا والمغرب حول الإسلام ومعانيه الفاضلة والتي ياتي على رأسها التعايش والسلام”.

يوجز “روخا” في حديث مع الأناضول رؤيته حول تجمعات المسلمين في رمضان: “في رمضان كما في كل أركان الإسلام لا يخطئ الملاحظ أبدًا قدرة الإسلام على جمع البشر على كلمة سواء، وهنا مركز قوة الإسلام، إنه يجمع ولا يفرق ويوحد البشر بغض النظر عن ثقافاتهم وأعراقهم، إنه دين الوحدة والسلام”.

دور جديد للمساجد

منير بن جلون، رئيس فيدرالية الهيئات الدينية الإسلامية بإسبانيا (أهلية) يعمل على فكرة المساجد المفتوحة في رمضان خلال السنوات الأخيرة وقال: “المسلمون يسعون لخلق فرص تواصل كبيرة مع ثقافات أخرى خصوصًا مع الإسبان وشهر رمضان فرصة كبيرة لذلك”.

وأضاف: “في إسبانيا ألف و517 هيئة دينية مرخصة وقرابة 900 مسجد في مختلف مدن البلاد، ونحن نطرح دائمًا في الفيدراليات التابعة لنا فكرة أن تلعب المساجد دورًا اجتماعيًا وأن تنفتح على الآخر، لأننا على قناعة بأن الإسلام يجب ألا يظل حبيس الجدران بل دورنا هو التعرف على الآخر والسماح له بمعرفتنا حق المعرفة، خصوصًا في الوضع العالمي اليوم الذي لا يخلوا من هجوم على الاسلام”.

وتابع “نحن لا نريد أن يكون المسجد مؤسسة مغلقة أمام الجيران، يرونها تفتح أبوابها ويدخلها ملتحون ويخرجون منها ويسمعون كلمات لا يعرفونها عبر مكبرات الصوت، بل نهدف للتواصل مع جيران المسجد وتعريفهم بالإسلام والقرآن وواجبات المسلمين، ونتعرف على أسئلة الجيران حول الإسلام ونصبح أكثر قربًا منهم بدل أن يصبح المسجد مؤسسة معزولة عن محيطها”.

رياج ططري، رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا، يدير عشرات المساجد التي تتبع لجمعيات إسلامية في مختلف مدن البلاد، من مركز الاتحاد بمنطقة استريتشو بمدريد، والتي يتبع لها مسجد “استريتشو” الشهير في العاصمة قال للأناضول: “في مسجد استريتشو نقدم يوميًا 200 وجبة طعام في إفطار جماعي للمسلمين كما نوزع (سلة رمضان) تحوي موادًا غذائية ومساعدات لعائلات محدودة الدخل من خلال جمع الزكاة وتوزيعها”.

وأضاف: “الدور الاجتماعي للمسجد هو ضرورة لمساعدة المسلمين وللانفتاح على غيرهم، ونحن ندعوا ونعمل على أن تصبح المساجد مساحات تعايش يتعارف فيها المسلمون فيما بينهم من جهة، ويتحاورون مع غيرهم من جهة أخرى، وسبق أن احتضن مقر الجمعيات الإسلامية، إفطارًا جماعيًا حضره مسؤولون حكوميون وفاعلون في الحقل الديني لتبادل وجهات النظر وتعزيز الحوار”.

وفي المركز الثقافي الإسلامي في منطقة “بيا بيرده” في مدريد، تخوض مجموعة من الشباب تجربة جديدة في رمضان هذا العام، وهي فتح أبواب المسجد التابع للمركز للجيران ولممثلين للديانات السماوية والمتخصصين والباحثين لإثراء حوارات الأديان (تجمع اللقاءات مسلمين ومسيحيين ويهود).

محمد الأزمي، عضو اللجنة المسيرة للمركز قال للأناضول: “مثل هذه اللقاءات تعزز التعايش بين الديانات والثقافات، فالمسلمون هنا أقلية، ومن مصلحتنا التعاون مع باقي المواطنين ذوي الثقافات المختلفة، لأننا نعيش معهم، ورمضان المبارك مناسبة لإظهار روح التسامح في الإسلام، فقد اعتدنا أن ندعو الجيران للإفطار معنا في بعض الأيام، لكي يتقربوا من الأجواء الرمضانية التي تؤكد أن الإسلام دين سلام ومحبة وتعايش”.

الإسلام تراث الجميع

وفيما ينتظم زوار المركز الإسلامي بمدريد، من المسلمين الراغبين في حضور المحاضرات والإفطار الجماعي، وصلاة التراويح، فإن عددًا من الإسبان يزورون المركز، للتعرف أكثر على المسلميين في رمضان، والاطلاع على معرض دائم حول الإعجاز العلمي، يزيّن جدران المركز ويكشف الإعجاز القرآني في المجالات العلمية والسياسية والاجتماعية تحت عنوان “الإسلام تراث الجميع” في محاولة لإظهار صورة الإسلام الذي جاء رحمة للعالمين.

[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: