” ألم الوحدة في عصر الاتصالات ” .. بقلم أم يحيى بنت محمّد

 

مع تقدم العمران وتمدّن البشر وانكماش الأسرة، التي اختزلها الكثيرون في الخلية المصغرة للأب والأم والأولاد وزيارات متباعدة للجد والجدة، يتكرر على مسامعنا شكوى الناس من الانشغال ومن الوحدة والعزلة في آن واحد. الكل مشغول ويشعر بالضجر والملل وكمّ من المشاعر المتناقضة. وتتكرر هذه الشكوى من الصغار والكبار وكأن هناك خللاً في توظيف التكنولوجيا الحديثة التي أصبحت في متناول شريحة كبيرة من الناس لتخفيف مشكلات المجتمعات الرأسمالية وتغيير نمط العيش في هذه المجتمعات.

ساعات طويلة يقضيها طفل هذا العصر ومنذ نعومة أظفاره مع التلفاز وأجهزة التصفح من آيبادات وهواتف ذكية وأجهزة حديثة للأطفال، يقلب صفحاتها ويتيه في عالمها البعيد بينما ينعزل أهله عنه أيضا بأجهزة تصفح وعوالم أخرى.. يتواجد الأهل في نفس المكان ويعمّ الصمت أركان البيت! هكذا ينشأ الطفل في عزلة وفقدان للتواصل مع الأهل والمحيط ويسميه البعض مجازا جيل التكنولوجيا بدلا من تسميته جيلا فاقدا للتواصل. وتمر أجمل سنوات العمر في عالم افتراضي يختزل المشاعر البشرية في بطاقات وصور جامدة ورسوم كرتون ترفيهية تعبر عن مشاعر مختلفة! أجهزة تختصر المسافات وتختصر العلاقات في آن واحد.. إنه عالم متناقض يصل الناس ببعض ويبعدهم عن التواصل البشري!

لقد تسببت الحضارات الصناعية في غربة نفس وألم يعاني منهما الإنسان الغربي، وما نشهده اليوم ليست العزلة التي تؤدي للتأمل والتدبر والصفاء بل عزلة صاخبة مليئة بالأحداث والضوضاء لا تترك لصاحبها مجالا لأن يختلي بنفسه ويتأمل أو أن يتواصل مع الناس. إنها عزلة مفروضة على الإنسان المتمدن في العصر الحديث تأسره في قوالب معينة وتوحي له بالاستقلالية بينما هو فرد من قطيع استهلاكي مخدر بإبر التكنولوجيا الحديثة. فتراه يلهث وراء كسب العيش والتنافس والحصول على أكبر قدر من الربح وكأنه يهرب باستمرار من أزمة روحية واجتماعية خانقة. تحولت هذه العزلة في الغرب لوباء وتكررت تحذيرات المتخصصين من أثرها على المسنين والشباب والأمهات اللاتي وضعن حديثا. وقد لامس الكاتب البريطاني جورج مونبيوت وتراً حساساً حينما نشر مقاله الشهير “عصر الوحدة يقتلنا” في منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول ونُشر في الجارديان قبل أن ينتشر بشكل واسع ليدق أجراس الخطر وينوه عن انهيار اجتماعي للمجتمعات الرأسمالية. أشار الكاتب لأثر هذه الوحدة خصوصاً على كبار السن والتي بلغت حد الخطورة القصوى وصارت محض اهتمام الباحثين. ففي دراسة لمؤسسة “العصر المستقل” أكدت أن “العزلة القاسية في إنجلترا قد أصابت حياة 700 ألف رجل و1.1 مليون امرأة فوق الخمسين.” انتشرت الدراسات التي تقارن مخاطر العزلة على صحة الإنسان بتدخين 15 سيجارة في اليوم أو السمنة المفرطة أو ضغط الدم المرتفع أو الاكتئاب والإدمان أو حوادث الطرق أو غيرها من المخاطر التي لا تقل عن الموت البطيء في عزلة عن العالم.

تحوّل حلم الإنسان العصامي الطموح الذي يحتفل بفرديته ونجاحاته ويفتخر بنمط الحياة التي اختارها لنفسه في المجتمع إلى كابوس ينهش في الروح قبل الجسد وقد جسّد مونبيوت هذا حينما قال “لا يوجد الآن ما يمكن أن يسمى مجتمعاً، فقط البطولة الفردية. ما يهم هو الفوز، وأي شيء آخر هو مجرد أضرار جانبية غير مرغوب فيها.” (من مقال مونبيوت – ترجمة محمود حسني).

أصبح الإنسان الغربي المتمدن ينظر بحسرة لعيش الفقراء من أهل القرى والصحاري ويحلم بمساء هادئ تحت ضوء القمر وفانوس صغير يجمع الأسرة في دفء ويسد الفراغ الذي صنعته مجتمعات يلهث فيها المرء ليل نهار ويصارع في كافة الأصعدة من أجل التفوق والنجاح العملي بينما الفشل الاجتماعي يحاصره من جميع الجهات. انتشرت الرحلات إلى القرى الصغيرة وسارعت الوكالات السياحية إلى ترغيب الشباب الأثرياء في القرى النائية في محاولة للتخلص من أعباء الحياة في كبرى المدن. هذه حال من استغنى بالمادة والآلة عن دفء التواصل الطبيعي وأهمية الأدوار الطبيعية في المجتمع.. نجده يتأمل في مخلوقات الله فيحسدها على هذه النعمة. تنظر الأم للطيور وهي تغرد في فخر عندما تعتني بعشّها وتحتضن صغارها وتطعمهم في عناية بينما أطفال الحياة المدنية يتنقلون بين حضن التلفاز والتابلِت والهواتف الذكية.. يسافر المرء بعيدا ليبحث عن الخلل في علاقات اجتماعية قضت عليها النزعة الفردية والنفعية بينما الأجوبة قريبة منه.. احتار الإنسان الغربي البسيط في أمره وهو يتأمل حياة كل متصالح مع الفطرة وبدا الأمر كخيارٍ قاسٍ بين الرفاهية والمدنية من جهة وحياة اجتماعية متوازنة من جهة أخرى. فحصر نفسه في إطار افتراضي.. وكأن ناطحات السحاب والمصانع الكبرى لا تقوم إلا على أنقاض الأسرة.. وكأن المدنية عدوة الترابط الأسري والبشري.. وكأن المرأة لا تنجح إلا إذا كانت أما فاشلة متنكرة للأمومة التي وهبها الله لها وكرمها بها.

لقد أسست الرأسمالية لمفهوم الفردية وقوّت في الإنسان النظرة الذاتية الأحادية التي تحصر العالم في رغباته وطموحه اللامحدود وجعلت هذه النظرة مقياساً للنجاح. بينما أهملت المجتمع والتواصل الطبيعي بين الناس وعززت عوضاً عنه دور المؤسسات الخيرية التي تخفف من قسوة الرأسمالية وتجاهلها لقيمة الإنسان. جعلت تواصل المسنين في دور خاصة وعوضت الأمهات اللاتي وضعن حديثا ببرامج متلفزة ومراكز متخصصة بعد أن سلبتهم دفء الأسرة الممتدة وجعلت للأطفال مراكز للنشء بعد أن حصرتهم في شقق كرتونية وحاصرتهم بانعدام الأمن والأمان وأعطت كل طفل هاتفا ذكيا بدلاً من تفرغ أمه لرعايته. وهذا غيض من فيض ينذر بانهيار المجتمعات الرأسمالية التي لم يبق منها سوى الهيكل الخارجي.

ها هو جبل الجليد يزحف إلى بلاد المسلمين حتى بات الجار يجهل أحوال جيرانه وأصبحت الأعياد موعدا للقاء الجار ذي القربى، وتحولت الواجبات العائلية لعبء ثقيل يتذمر منها الشباب الطموح الذي يلهث من أجل أن يحقق حلمه. وأصبحت العلاقات تنتهي بلمسة على لوحة المفاتيح بدلا من الصبر على أذى الناس وحث النفس على احتساب الأجر والثواب عند الله. تحولت العلاقات بين البشر لمجرد أسماء على قائمة الاتصال. وتحولت الأجهزة الصغيرة بين أيدي الناس لغول يفصلهم عن الواقع ويحبسهم في هوة لا قرار لها، فتكررت الشكاوى من العزلة والوحدة في بيوت تعاني من الازدحام.. نعم لقد أصبح أهل المدن المكتظة بالسكان يشكون ويعانون من العزلة!!

هرب الناس لأجهزة التواصل بحثاً عن مساحات آمنة بعيدة عن تعقد العلاقات المجتمعية وتداعي الناس في طلب الدنيا والرأسمالية التي أفسدت الحرث والنسل وأدت إلى انتشار أمراض النفوس حتى بات الناس يشكون ويشككون في بعضهم البعض.. أصبح سوءُ الظن أساس العلاقة والمنفعة حافزا للتواصل (إلا من رحم ربك). هربوا إلى عالم افتراضي لا يحتاج للتغيير، تقلب صفحاته كيفما شئت وتخرج منه متى شئت.. تفننوا في اختيار البروفايلات وتركوا الجمل بما حمل للفاسدين المفسدين. لقد غلب على توظيف التكنولوجيا الجانب السلبي الذي يحبط الهمم ويلهي عن التغيير ويعمق اعتزال الناس بدلا من أن تكون التكنولوجيا أداة لخلق الوعي ونشره.

خنقت العزلة علاقاتنا بعد أن أخذ المسلمون كل شاردة وواردة وجعلوها موضع التطبيق وتأثر المسلمون بالأفكار الوافدة.. شكى الشباب المسلم من الوحدة بالرغم من تطور الأجهزة المتوفرة بين يديه وربما بسبب هذه الأجهزة ذاتها.. انعزل كل في عالمه وليتها خلوة في طاعة وتأمل وتفكر في الخلق والخالق بل هي وحشة تأكل النفس. ليست العزلة التي أثنى عليها السلف الصالح، قال الفضيل بن عياض: “من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء”. ليست ساعات تدبر في الخلق أو تفكر بل غربة نفس في حضرة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وانقطاع للتواصل الطبيعي بين الناس.

ختاماً نقول: إن الإسلام لا ينظر للإنسان كآلة يدر منها الربح ثم يتركها حطاماً هشاً أو عجوزا هرما يُعالج بدنه في أحسن المشافي بينما روحه تتألم في صمت ويخاف أن يموت وحيداً منكسرا قد لا يكتشفه الجيران إلا صدفة. ولا يقبل بنموذج الأم المسنة التي تمضي يومها وحيدة تراقب الهاتف وتنتظر اتصال الأحبة الذين شغلتهم الحياة وسؤالهم عنها. الإسلام ينظر لفكرة الفردية كفكرة هدامة للمجتمع لا بد من محاربتها وكشف عوارها، نظهر فسادها وزيف الأسس الفكرية التي انبثقت منها، إنها فكرة تتعارض مع فطرة الإنسان وطبيعة العلاقات التي تنشأ بين بني البشر وتسبب الشقاء والتعاسة.

لقد جعل المولى عز وجل الأسرة حصنا حصينا آمنا يوفر الدفء والسكينة للمرأة والرجل على حد سواء وهذه الأسرة هي بمثابة جهاز المناعة الذي يحمي الفرد من أمراض العصر ومصدر الأمن والأمان للأطفال. كيف يضع الإنسان بدائل للأسرة أو يهمش دورها المحوري في أي مجتمع دون أن ينهار ذلك المجتمع ويتصدع على عيون الأشهاد. ولنا عودة مع هذا الحصن المستهدف وسبل حمايته في القريب العاجل بإذن الله.

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

بقلم أم يحيى بنت محمد -ناشطة سياسية في صفوف حزب التحرير –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: