أمان الله الجوهري: دستور الهزيمة والتفريط .. الدستور مقابل الثورة

كتب الناشط و المدون أمان الله الجوهري مقالا حول الدستور الجديد و المصادقة عليه وما تمخض عنه وجاء في المقال ما يلي:

وانتصرت ثورتهم

لقد كانت لحظة المصادقة على الدستور التونسي الجديد ومن ثم توقيعه لحظة فارقة بالفعل في تاريخ تونس بالنّظر إلى أنّها أساس استكمال المرحلة التأسيسيّة وإغلاق هذا القوس الانتقالي الذي فتح الباب مشرعا أمام بدع “ثورية” انتهت بالمشهد التونسي الى شكل غريب من الديمقراطية لم يعرفه الناس قبلنا ..
لكنّ نخبنا السياسيّة على اختلافها -إلّا ما رحم ربّي- ترى الأمر بشكل مغاير, فالعقل السياسيّ التونسيّ مبدع وللتونسيين نموذجهم للديمقراطية. في الحقيقة, أعتقد أن نخبنا السياسية تحتاج إلى شحنة من التواضع تكفيها شرّ الإيمان بهذه المقولة, فالذّي يضلّ الطريق المعتاد فهو -على الارجح- أقرب إلى التيه منه الى اكتشاف طريق جديد .. هكذا تقول القاعدة .. خصوصا وأن لا شيء من مقاييس التقييم التي تنطبق على النخب يمكن أن يبعث على اعتبار هؤلاء حالة فريدة بإمكانها أن تكسر القاعدة. التعجرف وحده هو الذي يصور لهم غرابة ما يفعلونه إبداعا ونموذجا فريدا. وعلى العموم فإن محاولة التسليم بهذه القراءة تخلّف لديّ شعورا بالسّخرية ..
لن يعجز هؤلاء عن تقديم تحاليل كثيرة تصوّر ما حقّقوه انتصارا للثورة واستجابة لاستحقاقاتها فدستور “كل التونسيين” صار حقيقة, و”روح التوافق” تسدل رحماتها على كلّ شيء, وفي لحظة فارقة أثبت الجميع أنّ ولاءهم للوطن فوق كلّ اعتبار, وهم نجحوا كذلك في تجنيبنا ويلات العنف والانقلابات. من الناحية النظرية, كلّ ذلك صحيح بالفعل فإنهاء الفترة الانتقالية والحفاظ على العملية الديمقراطية وتنظيم الصراع السياسي بعيدا عن العنف وإيجاد أرضية وطنية مشتركة بين الفرقاء كلّها أمور من صميم استحقاقات الثورة. ولكن ليسمح لي عمالقة الفكر والثورة والسياسة بتعليق يلحّ على عقلي البسيط.
في نظر “العقل السياسي التونسي المبدع” يمكن للثورة أن تنتصر مرّتين : الأولى حينما يسقط الثوار نظام الاستبداد والثانية حينما ينجح هذا العقل -نادر الوجود- في التأسيس لعمليّة سياسيّة تكون فلول ذلك النظام أحد مكوّناتها الرئيسيّة. هكذا تجتهد نخبنا في اقناعنا بأن منطق “الإبداع” هذا يمكن أن يشكّل “نموذجا” .. لا أدري مالّذي يجبر هؤلاء على تسميم أسماعنا بالحديث عن الثورة..
لقد ارتبطت المصادقة على الدستور بتوصّل “العقل السياسي” التونسي لضبط قواعد اللعبة التي يضمن من خلالها الجميع -بمن فيهم فلول النظام القديم- مكانهم فيها دون ان يكون في حاجة للنضال. ليس غريبا أن يمثل مآل الأمور هذا لحظةً توحِّد “العقل السياسي” التونسي على اعتبارها انتصارا للثورة .. كما يرونها طبعا.. فبالنسبية لهؤلاء, تتلخّص استحقاقات الثورة في ضمانهم لأنفسهم مكاناا يرضيهم من اللعبة السياسيّة في تونس. وإلّا فكيف يمكن لهم أن يجعلوا من التفريط في استحقاقات الثورة مقابلا لانتصارها المزعوم.
ميّز هذا القصور عن بلوغ سقف الشعارات الثورية التي رفعها الشارع بين 17 ديسمبر 2010 و 15 جويلية 2011 (القصبة 3) سلوك الطيف السياسي التونسي برمتّه منذ هروب بن علي وحتى لحظة المصادقة على الدستور. ما فعله الحزب الديمقراطي التقدمي بقبوله المشاركة في حكومتي محمّد الغنّوشي لا يختلف كثيرا في دوافعه ومبرراته عن تعاطي البقيّة مع الأحداث في ما بعد, فكلّما نال أحدهم من السلطة أو الحضوة شيئا إلّا واكتفى من الثورة بذلك وحدّثنا عن انتصار الثورة. الحالة التي مر بها الشابي حينما حصل على مقعد في حكومة بن علي هي ذات الحالة التي يمرّ بها الجميع اليوم وهم يأدّون للأزلام ضريبة المصادقة على الدّستور.
حوّل لقب “الوزير” المناضل نجيب الشابي إلى بوق دعاية يبرّر لأركان نظام بن علي ضرورة استمرارهم في السلطة, نجيب الشابي الذي ٍاى في البداية أنّ تشكيل حكومة إنقاذ وطني يكون بن علي رئيسها سوف يكفي لتحقيق أهداف الثورة التي لم تكترث كثيرا لقصور عقله وضيق أفقه, ثمّ اعتقد أنّ الثّورة بلغت مداها بسقوط بن علي وتحقيق الانفتاح السياسي لا سيّما وقد حوّلته من مقر حزبه الصغير في أحد أزقة العاصمة إلى مكتب الوزارة. اكتفى الشابي من الثورة بذلك ليستمرئ بعد ذلك تشويه ثوار القصبة 1 و2 والانتقاص من حركتهم والتقليل من شأنها لتسجّل الثورة شعارها :” البدب والتجديد باعوا دمّك يا شهيد”. حركة النهضة أيضا كرّرت نفس الأمر بعد ذلك حينما قبلت بتعيين الباجي قايد السبسي واكتفت بمقاعدها القليلة في هيأة عياض بن عاشور رافعة الغطاء السياسي عن اعتصام القصبة 2 في مرة أولى ثم اعتصام القصبة 3 في مرة ثانية, النهضة التي كانت واثقة من فوزها في الانتخابات كانت تعتقد أن الثورة تبلغ مداها فقط بتنظيم الانتخابات والفوز فيها وهو أمر كان يكفيها لكي تدير ظهرها لحركة الشارع الثائر في مناسبتين. هذا الشعور كان يتعزّز لدى النهضة كلّما استقرّ لها شيء من الأمر وتقلّص كلما شعرت بخطر “الانقلاب” لينتهي الأمر بالثورة “للانتصار” الموهوم بالتوقيع على الدستور وفشل الانقلاب. وهي اليوم تعتقد أنّ الوفاء لاستحقاقات الثورة يكمن في نجاحها في الحفاظ على العملية السياسيّة, حسبها من ذلك اشباع رغبتها الحزبيّة لا مدى ارتباط هذه العملية باستحقاقات الثورة التي تبلورت من خلال حراك الشارع بين 17 ديسمبر 2010 و15 جويلية 2011.
اليوم وقد اتّفق الجميع على قواعد اللعبة فــ”العقل السياسي التونسي المبدع” مجمع على أنّ الثورة انتصرت بفضل الوفاق الذي لا يستثني حزب الدستور .. ليكون لجلّاد الشعب نصيبه من صناعة انتصار ثورتنا النموذجية التي ينتصر فيها الشهيد وجلّاده سويّا .. هكذا يفسّر “العقل السياسي التونسي المبدع” الأمور وهكذا يعرّف التونسيون للعالم “نموذجهم”. لقد ضاق أفق هؤلاء -إلا من رحم ربي- عن إدراك سقف الثورة والمنطق الذي أجّج نارها فحوّلوها الى مجرّد مغنم سياسيّ يعزّز مواقعهم في صراع قديم مع دولة الاستبداد لا زالو يخوضونه بذات المنهجيّة والأدوات

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: