“أنـا إخوانجـي” !! (مقال/ محمد كريشان)

إليكم هذه القصة الشخصية ومنها ننطلق: قبل أربع سنوات حدثني دبلوماسي عربي صديق عائد لتوه من تونس عن جلسة جمعته هناك بوزير تونسي من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس زين العابدين بن علي، لم يقل لي وقتها من هو. تطرق الحديث معه، من جملة ما تطرق إلى قضايا الإعلام والإعلاميين، فقال الوزير في التلفزيون الذي أعمل فيه ما قال مالك في الخمرة، لكن المفاجأة أنه في هذا السياق، حـَـــمل بشدة على عبدكم الفقير وحمـّــله جزءا كبيرا من التوتر الذي صبغ علاقة بلاده بهذا التلفزيون باعتباري «إخوانجيا» يسعى لتشويه النظام خدمة لجماعته المعارضة.
– ولكن كريشان ليس «إخوانجيا» أبدا، سيدي الوزير. أنا أعرفه منذ أكثر من عشرين عاما، قل عنه وفيه ما تشاء ولكنه بالتأكيد ليس كذلك !! قال صديقي معترضا ومصححا.
ـ لا.. لا .. هو «إخوانجي»… نحن متأكدون تماما من ذلك وحتى السيد الرئيس شخصيا مقتنع تماما بهذا.
ما مناسبة هذا الحديث وما المغزى منه؟ أما المناسبة فهي الذكرى الرابعة للإطاحة ببن علي ومغادرته البلاد وأما المغزى فلن يكون أحد أقدر على الاستفادة منه الآن أكثر من الرئيس الجديد الباجي قائد السبسي وفريقه الجديد المحيط به في قصر قرطاج.
تمر الأسابيع وتجمعنا مناسبة أخرى مع صديقنا الدبلوماسي وكان بن علي قد غادر البلاد والسلطة، فقال إنه بات بإمكانه الآن أن يذكر لي إسم هذا الوزير البارز وذي النفوذ وهو ما فعل. وتشاء الصدف أن يكون معنا في نفس الجلسة مسؤول عربي بارز سبق أن عمل لسنوات على رأس جهاز أمني كبير. سألته بمزيج من الحيرة والاستخفاف:
ـ بالله عليك فسر لي كيف يخطىء مسؤولون على هذا المستوى في تحديد الهوية السياسية لصحافي معروف من أبناء جلدتهم ؟!! أن يكون المرء إخوانيا ليس تهمة بتقديري ولا شبهة ،، فهذا انتماء سياسي كغيره… ولكن ما هذه الخفة وعدم المهنية في التشخيص؟!!
ـ أتظن أن هذه الجهات جامعات مرموقة أو مراكز دراسات حتى تحدد هذه المواضيع بدقة علمية!! هي باختصار تضعك في الخانة التي تتيح لها التصرف معك كعدو. وهذه الخانة في تونس ليست سوى أن تكون إخوانجيا… هكذا بكل بساطة !!.
وفي كثير من المرات التي كتبت فيها في هذه الزاوية الأسبوعية منتقدا، وببعض القسوة أحيانا، سواء حركة «حماس» الفلسطينية أو الرئيس محمد مرسي وجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر أو حركة «النهضة» وزعيمها راشد الغنوشي، يراودني تساؤل ممزوج بابتسامة: ترى لو قــُــدر لبن علي أن يقرأ ذات مرة أحد هذه المواضيع.. ألا يستغرب أن يكون قد صُــنفت عنده لسنوات طويلة كما صنفت.
المهم هنا، أن الهدف من وراء ما رويت ليس فقط أهمية تفكير أعلى هرم الدولة في إرساء تصور جديد للتعامل مع المختلفين مع النظام يبتعد عن الحساسية المفرطة والتصنيفات الجاهزة ولكن أيضا إرساء أسلوب جديد في تعامل هذه الجهة السيادية مع الإعلام والإعلاميين. لقد مرت علاقات قائد السبسي بالصحافيين في تونس ببعض التوتر أحيانا نتيجة تصرفات أو مفردات لم تكن موفقة وقد يكون للمرحلة السابقة في البلاد ظروفها التي أتاحت انزلاقات هنا وهناك من أطراف عدة، لكن المقبل من السنوات يستلزم مقاربة مغايرة تماما أكثر تخطيطا ورصانة لا سيما من رئيس الدولة والمحيطين به.
الرئيس بن علي كان كارها للإعلام والإعلاميين، إلا المطبلين منهم، كان لا يتحدث لوسائل الإعلام إلا نادرا جدا، لم يظهر أبدا في أي مؤتمر صحافي أو مقابلة تلفزيونية على الهواء وكل مقابلاته مكتوبة ومعدة سلفا أسئلة وأجوبة. أما الرئيس منصف المرزوقي فكان متحدثا جيدا، بغض النظر عن عدم التوفيق أحيانا في الجهة التي يختارها، غير أن الواقع على الأرض خذله إذ كانت رغبة التونسيين في التغيير أقوى من أي شيء آخر. أما الرئيس الباجي قائد السبسي فلا شك أنه مدرك الآن لضرورة التفريق بين لهجته السابقة في وسائل الإعلام كزعيم حزب في جو تنافسي، وأحيانا مشحون، وبين الحديث الآن كرئيس دولة.
وتبقى المسألة الهامة الأخرى المتعلقة بالفريق المقرب الذي يعمل مع الرئيس يوميا والذي يفترض أنه يستشيره ويأخذ بآرائه في كثير من الأمور.
هذا الفريق كان مع بن علي نواة التصلب والأقرب إلى أن يكون الحكومة الحقيقية المسيرة للبلاد فزاد في تدمير علاقته مع الإعلام، فيما لم يكن له في عهد المرزوقي تأثير يذكر مع انتقال الثقل إلى رئاسة الحكومة. أما المجموعة التي اختارها قائد السبسي حوله فمن بينها أسماء واعدة أرجو ألا يخيب الظن فيها سريعا ذلك أن التجارب علمتنا في الغالب للأسف أن من تعرفه جيدا قبل المسؤولية بالكاد تستطيع أن تعرفه بعدها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: