أن تُقبر لغتُك في فمك!.. مقال الدكتور عبد الله البريدي

أن تُقبر لغتُك في فمك!.. مقال الدكتور عبد الله البريدي

ها هو الصباح يتنفس أملا، شاديا بعذوبة الأطفال، متراقصا بجمالهم، بهِجا بنقائهم. دفع أحد صباحات أبريل من هذه السنة 2016 بطفلين عربيين أحوازيين إلى مدرستهما الابتدائية القابعة في ناحية مطوية من “الأحواز العربي” ضمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

دخل الطفلان المدرسة بكل أدب، وراحا يحركان تروس اليوم الدراسي كالمعتاد، ركنا إلى الفطرة الإنسانية، فتحدثا بلغتهما القومية (اللغة العربية)، باعتباره حقا أصيلا. وهنا نزلت عليهما الصاعقة، فقد زجرهما المعلم الإيراني زجرا مغلظا، ولم يكتف بذلك، بل أمرهما بأن يغسلا فميهما بالماء والصابون. لم؟ لتنظيفهما من اللغة العربية. يا إلهي، أي وجع أكبر من هذا؟ وأي عنصرية أعظم من تلك؟

دستورية اللغة العربية
صحيفة عربي21 التي نقلت لنا هذا الخبر المفجع-بتاريخ 18/4/2016- ذكرت بأن العرب الأحوازيين استنكروا هذا الصنيع المشين وطالبوا بمعاقبة المعلم العنصري ومحاكمته، مع وجوب توفير حماية تامة للأطفال العرب من هذه الممارسات التي تندرج ضمن الجرائم ضد الأطفال، بحسب وصف بعض الناشطين الأحوازيين الذين أشاروا من جهة أخرى إلى أن مثل هذا العمل بات يتكرر بوتائر متزايدة، مطالبين بإيجاد قوانين حماية للغتهم القومية.

وللتأكيد على دستورية استخدام اللغة العربية في المجال التعليمي والإعلامي في إيران، نرجع إلى نص الدستور الإيراني، حيث يتضمن في فصله الثاني مادتين تخصان اللغة (المادة 15 والمادة 16)، ولأهمية الجانب القانوني ودقة العبارات الدستورية، أثبت هاتين المادتين بالنص:

– المادة 15 اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة لشعب إيران هي الفارسية، ويجب أن تكون الوثائق والمراسلات والنصوص الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة والكتابة، ولكن يجوز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في مجال الصحافة ووسائل الإعلام العامة، وتدريس آدابها في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية.

– المادة 16 بما أن لغة القرآن والعلوم والمعارف الإسلامية هي العربية وأن الأدب الفارسي ممتزج معها بشكل شامل، يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية في جميع الصفوف والاختصاصات الدراسية.

وبعدُ، فنحن نتساءل، كيف نوصّف حادثة “استقذار اللغة العربية” من ذلك المعلم وفق نصوص الدستور الإيراني؟ هل تحركت السلطات النظامية لمعاقبة ذلك الفعل البشع وتجريمه؟ العرب الأحواز يؤكدون على أنه لم يتخذ أي إجراء رسمي. وهنا نسجل بالغ إدانتنا لهذه الإهانة غبر المبررة التي لحقت بما أسمتها المادة 16 من الدستور الإيراني بـ “لغة القرآن والعلوم والمعارف الإسلامية” واعترافها بأن “الأدب الفارسي قد امتزج بها بشكل شامل”!

العمل العنصري الذي قام به ذلك المعلم، كيف يراه العرب الأحواز؟ وهل هو تصرف فردي شاذ أم نسق عام؟ وصف الناشط الحقوقي الأحوازي عبد الكريم الدحيمي ما قام به المعلم الإيراني بـ “الشنيع”، عادّا ذلك نوعا بغيضا من العنصرية ضد العرب الأحواز، لافتا النظر إلى أن الطلاب الأحواز يُمنعون من التحدث باللغة العربية “وهي لغة القرآن واللغة الأم للشعب العربي الأحوازي”، محذرا من أن “الكراهية ومعاداة العرب في إيران انتقلت في الأعوام الأخيرة من النخبة إلى الشارع، واليوم نشاهد هذه الأفعال والسلوك العنصري يتكرر بشكل واسع ضد الأحوازيين بدون رادع في بلد يسمى إسلاميا”، بحسب وصفه (المصدر السابق).

إذن، من الواضح أننا أمام ممارسات إيرانية ممنهجة، وأنساق عنصرية تتوالد بشكل مطرد، وتنتقل من النخبة لتصل إلى العامة، ومن السياقات الخاصة إلى الفضاءات الاجتماعية، لتلد بذلك عنصرية قومية، تخمش بأظفارها ألسنة القوميات المستضعفة في “الجمهورية الإسلامية”، ليبلعوا ألسنتهم، ولتقبَر اللغةُ في أفواههم.

وهذا ما يجعلنا نذكّر بجملة من المسلمات الإنسانية العامة حول اللغة، وهذه التذكرة للإيرانيين بالدرجة الأولى، الذين ينص دستورهم على “الإيمان بكرامة الإنسان وقيمته الرفيعة، وحريته الملازمة لمسؤوليته أمام الله؛ وهو نظام يؤمّن الإنصاف والعدالة، والاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي” (الفصل الأول، المادة الثانية، الفقرة السادسة).

اللسان حق الإنسان
وهب الله الإنسان اللغة لكي يعيش بها ومعها ومنها وإليها، اللغة بنية أساسية في تفكير الإنسان وتحصيله للمعرفة، وترقيه في سلم النهضة. لكل إنسان لسان، واللسان حق أصيل للإنسان، فلا يضار أحد بلسانه؛ سواء كان ذلك بتهميش لغته أو التقليل منها، فضلا عن إقصائها أو محاربتها أو الاعتداء عليها، بأي شكل كان، بما في ذلك أشكال “الاعتداء اللفظي” و”العدوان المعنوي”.

ومن هنا فقد تم إقرار مبدأ “العدالة اللغوية” ضمن القوانين الدولية ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جرّم التمييز على أسس لغوية أو قومية أو دينية. وهذا المبدأ يضمن لكل فئة اجتماعية كامل حقوقها في أن تتحدث بلغتها في مختلف مجالات الحياة، وبما يضمن لها “الكرامة الإنسانية” والحفاظ على الهوية والذاكرة الجمعية.

السمة الكبرى المائزة للبشر هي اللغة، فهي آكد طبقات الهُوية، وذلك أن اللغة تصبغ الإنسان بما يمكننا وصفه بـ”الهوية اللازبة” (أي الملتصقة المتماسكة الدائمة)، فالإنسان لا يطيق الوصول إلى هذه الطبقة الجوانية من الهوية، ومن ثم فلا يستطيع تغييرها هو ولا غيره، بخلاف العوامل البانية للهوية كالدين والجنسية، إذ يمكن له أو لغيره تغييرهما، بتكلفة وإجراءات معينة.

لنأخذ على ذلك مثالا؛ الإنسان الأحوازي العربي، هو “عربي مؤبد” بحكم تأثير تلك الهوية اللازبة، فلا أحد يستطيع تغيير هذه الهوية العربية إطلاقا، فهي هوية مستقرة ثابتة، بخلاف البعد الديني أو ما يتعلق بالجنسية، إذ يمكن تغييرها، فها نحن نرى -مثلا- أنهم باتوا يحملون جنسيات إيرانية.

حماية العربية في إيران
الحادثة الصادمة باستقذار اللغة العربية؛ بغسل الأفواه بعد التحدث بها بالماء والصابون في الأحواز، بجانب بروز شواهد واقعية على تنامي الممارسات العنصرية ضد اللغة العربية في إيران، كل ذلك يدفعنا إلى التفكير بصوت مسموع، والبحث عن إجابات مقنعة لأسئلة جوهرية عديدة، ومن أهمها:

– كيف سيكون عليه حال الضاد في إيران مستقبلا؟ وكيف نضمن حقوق الأحوازيين؟ – ماذا يجب على العرب فعله؟
– ماذا عملت المنظمات الدولية المختصة؟ وما واجبها الإنساني والثقافي؟

بالطبع، يصعب توفير أجوبة دقيقة وتفصيلية لمثل هذه الأسئلة في مقالة مختصرة كهذه، ولكني أضع بعض الرسائل، ولتكن في بنود مختصرة:

1- يتعين على إيران الإعلان الرسمي عن خطوات حاسمة سريعة لتجريم حادثة استقذار اللغة العربية ومحاكمة مرتكبها، مع التأكيد على إيقاف كافة الممارسات المشابهة، وتطهير الفضاء العام من الآراء المتطرفة والمواقف العنصرية التي يطرحها ويتبناها بعض المثقفين الفرس حيال اللغة والثقافة العربية.

2- توجيه الساسة العرب لمن يلزم بدراسة هذه القضية على وجه السرعة واتخاذ اللازم إزاءها، مع ضرورة تفعيل القانون الدولي، بنصوصه ومؤسساته وآلياته. وهذا يستلزم التواصل السريع مع المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان وبالحقوق الثقافية، والضغط عليها لتقوم بواجبها. وأحسب أن للمثقفين العرب دورا كبيرا في هذا الاتجاه، بمن فيهم الشباب المثقف، وبخاصة أنه يتوفر على قدرات كبيرة في استملاك مصادر التأثير المجتمعي في “الشابكة” (الإنترنت)، في مواقع التواصل المتنوعة.

3- قيام المنظمات الدولية المعنية بإعداد تقارير ميدانية للتعرف على حجم الانتهاكات ضد اللغة والثقافة العربية في إيران، وتطبيق القانون الدولي بهذا الخصوص، بما في ذلك آليات الضغط والحرمان والعقوبات.

وفي الختام، أسجل اعتذاري الشديد لهذين الطفلين العزيزين، فنحن لم نقدم لهما ما يجب، لدرجة اضطرا معها لابتلاع لسانيهما؛ على أنني أؤمن بأن العرب الأحواز لن يرضوا بأن تكون أفواههم مقبرة لألسنتهم، فهم دونها، ونحن دونهم.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: