أهل الدنيا …

من الآيات الهادية في تحديد قيمة الدنيا وعظيم موقع الآخرة في تصور المؤمن وسلوكه قول الله تبارك وتعالى : [إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور] (1) وقوله جلت قدرته في موطن آخر:[.. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور] (2)وإن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة [وإن الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون] (3) صيغة مبالغة على وزن (فعلان) فهي هي الحياة .

ولم يفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم من هذه الآيات وأمثالها وما ورد من أحاديث في هذا الموضوع توجيهاً لترك الدنيا ، وإهمالها وعدم الالتفات إلى نعم الله وطيباته ، وما سخر للإنسان في هذا الكون ، لم يفهم السلف الصالح ذلك .. ولكن فهموا أن لا تكون الدنيا في القلوب تشغلها عن مراقبة الله وذكره ، أن لا تستغرق وقت المسلم بحيث تصرفه عن عبادة مولاه وطاعته ، وتضعف عزيمته عن تلاوة القرآن وتدبره ، أن لا تعظم وتكون هي الغاية بحيث تتعدى الحدود لجمع الحطام ، وتنتهك حرمات الله للاستزادة من المال ، وتقطع الأرحام تجاوزاً للحق وطمعاً في هذا الفاني وتنحسر البصيرة عن الاستعداد ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب] (4) . وهكذا رأينا السلف الصالح حتى من فتحت له الدنيا مغاليقها ، يعمل وفي يقينه أن الدنيا مطية الآخرة فيؤدي ما فرض الله من المال ويتجاوز ذلك إلى النوافل عطاء للسائل والمحروم ، وصلة للأرحام وإسهاماً في كل عمل يعود على أمة الإسلام بالخير.

ويبدو أن القضية تتجاوز القناعات العقلية إلى شيء من الذوق يكرم الله به عباده الصالحين ، فلذة محبة الله تعالى والشوق إلى لقائه تفوق كل لذة من لذائذ الدنيا الفانية . وإذا وصل المؤمن إلى هذه الدرجة من الذوق اختلفت المقاييس وأصبحت الأعمال كلها لله وبالله وعلى طريق الباقية يوم يقوم الناس لرب العالمين . وترى أن هذا شغلهم الشاغل ؛ فالدنيا جسر الآخرة ، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت .

قال أبو حسين الوراق : (حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت ، والعيش الهني ، الحياة مع الله تعالى لا غير) أين هذا من اللهاث وراء الدنيا واستغراق الوقت والفكر في جمع حطامها ، والاستمتاع بلذائذها ؛ وهنيئاً لهؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .

وآخر من العارفين يرثي لحال أهل الدنيا وحرمانهم من ذوق أطيب ما في الدنيا فيقول :

(مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل : وما أطيب ما فيها قال : محبة الله والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته ، نعم إنه يرثي لحالهم .. فأين ذوق من ذوق .. وأين قيمة من قيمة بل وأين مقياس من مقياس .. أجل أين هذا من ذاك .. لا يستويان . ولا يتقاربان .

ويحس أحدهم ـ مما أعطاه الله من ذوق بمحبته ـ وكأنه في الجنة هنا فيقول : (إنه ليمر بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب).

وفي قاعدة سلوكية مستنيرة يقول بعضهم : ” والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته). رأيت إلى هذه القناعة التي تحولت إلى ذوق لحلاوة الإيمان . وهذا يذكرنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ” ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يعود في النار) (5).

ولا شك أن محبة الله تعالى تنطوي على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن محبة الرسول من محبة الله كيف لا وهو رحمة العالمين الذي أنقذنا الله به من الهلكة .

وربما عدنا إلى هذا الحديث في قادمات الأيام إن شاء الله ، ونسأله تعالى أن يجعلنا من الذين يحبهم ويحبونه وأن يأخذ إلى الخير بناصيتنا ، وأن يسلك بنا سبيل أولئك الذين كانت الآخرة مرمى أبصارهم وبصائرهم إنه المتفضل الرؤوف الرحيم .

الدكتور محمد أديب الصالح

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: