أولو الألباب

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) يوسف.

ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم إلا ما أخبره الوحي به ، فبعد بَسْط قصة يوسف عليه السلام تأتي الآية الكريمة ” ذلك من أنباء الغيب ، نوحيه إليك ، وما كنتَ لديهم إذْ أجمعوا أمرَهم وهم يمكرون” (102) يوسف ،وأكد هذا الأمرَ قولُه تعالى في سورة هود ختامَ قصة نوح عليه السلام ” تلك من أنباء الغيبِ نوحيها إليك ، ما كنتَ تعلمُها أنت ولا قومك من قبل هذا ..” الاية 49.

وما أخبرنا الله تعالى به حدَثٌ صحيحٌ في الأيام الخوالي (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) ، بيدَ أنَّ عميد الأدب العربي ( طه حسين) ذكر في كتابه ” في الأدب الجاهليّ” أن هذه القصص التي وردت في القرآن الكريم ليس شرطاً أن تكون قد حصلتْ، لكنها ذُكرتْ في القرآن الكريم للعظة والعِبرة، ثم تراجع عمّا قال حين أنكر العلماء عليه مقولته . ويذكر الدكتور محمد محمد حسين في كتابه ” الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر” أن هذا الرجل اعتنى به الغرب  ليكون خادماً للماسونية في الثقافة العربيّة .

وهل تجد في القرآن افتراء، وهو كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه الصادق الأمين! حاشا وكلاّ، لقد كان القرآن الكريم يحدثنا في الآيات السابقة عن عاقبة الأمم التي عتت عن أمر ربها ، كما نبهنا إلى وجوب الصبر على قضاء الله وعدم اليأس من نصر الله لعباده في الوقت المناسب وأن بأس الله لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين.

وتؤكد هذه الاية الكريمة أن القرآن الكريم يصدّق ما بقي من الصحيح في الكتب السابقة التي نزلت على الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم ، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتغيير بيد كهنتهم وأحبارهم، ورؤوس ملتهم على مرّ الدهور .

وفي القرآن الكريم تفصيلُ كل شيء  تحليلاً وتحريماً ،وطاعات وواجبات ومستحبات والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات وذكر لنا بعض الأمور الغيبية  وجلّى أسماء الله تعالى وصفاته ، ونزهه – سبحانه- عن مماثلة مخلوقاته. فكانت آيات القرآن الكريم ” هدى ورحمة لقوم يؤمنون ” تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد ومن الضلال إلى السداد ويبتغون بها الرحمة من رب العباد في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة يوم يفوز بالربح ذوو الوجوه البيضاء الناضرة ،ويرجع المسودة وجوهُهم بالصفقة الخاسرة آخر تفسير سورة يوسف عليه السلام ولله الحمد والمنة وبه المستعان( قالها القرطبيُّ رحمه الله تعالى- بتصرُّف).

وألو الألباب في هذه الآية :

1- يؤمنون بما جاء في القرآن الكريم من قصص تعلُّم الناس وتزكيهم.

2- يعتبرون بما جرى للأمم السابقة فيؤمنون إيماناً صادقاً ، ويسعون إلى مرضاة الله تعالى .

3- يؤمنون بما أنزل على أنبياء الأمم السابقة ( كُلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربَّنا وإليك المصير ) البقرة 285

4- يعتقدون أن الله تعالى حافظٌ كتابه ( إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ففيه الخير للعباد من أوامر ومنهيّات وتعاليم ترتفع بمستوى المسلم إلى رضا الله تعالى .

5- وأن الله تعالى ما ارسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم إلا رحمة للعالمين وهدى للمؤمنين .

هذه بعض سمات أولي الألباب ،جعلنا الله منهم وأحيانا على سنتهم.

أولو الألباب-8

في سورة الرعد آيات سبقت هذه الاية الكريمة تؤكد أن الله تعالى ربُّ السماوات والأرض وأن الآلهة المزعومة لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً ، فلا تستحق العبادة.والعاقل الذكي يعلم بديع صنع الله وقدرتَه ،وأن شرع الله هو الحق الذي يفيد الناس ،وأن ما عداه زبدٌ يعلو،فيظنه الجاهل خيراً،ثم ينكشف هباء ويبقى الحقُّ قوياً ثابتاً متمكناً في الارض ينفعها بناءً ورفعة .

إن العاقل ذا اللب يستجيب إلى نداء ربه فيكرمه خالداً في الجنان منعَّماً ، أما الكافر الذي يأبى الهداية فمأواه جهنم وبئس المصير ، يخسر كل شيء نفسَه وماله واهله ، لاينجو من العذاب (يودُّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تُؤويه ومن في الأرض ثم ينجيه، كلا ، إنها لظى ..) المعارج(11-16) ثم نجد الآية الكريمة التي نحن بصددها

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (19) الرعد

توضح أنّ العالِمَ بما أنزله الله على نبيّه ،العاملَ بشرع الله طالبَ هداهُ،وملتزًمَ أمره لا يستوي ومن غاب عن الحقيقة فتاه في الضلالة ،وخاب في مسعاه،إن من لا يرى الضياء حوله أعمى ولو كانت له عينان ، لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كقوله تعالى ” لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون” ، فالعمى الحقيقي عمى القلب .

إنَّ أولي الألباب في هذه السورة يتسمون بصفات الكمال :

1- يتذكرون ، وما يتذكر إلا أصحاب القلوب الناصعة والأفئدة السليمة والعقول الواعية.

2- يوفون بعهد الله الذي أخذه عليهم يوم كانت البشرية في عالم الغيب ” وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيَّتهم ، وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ قالوا بلى ، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة : إنا كنّا عن هذا غافلين” الأعراف ( 172).هذه هي الفطرة التي فطر اللهُ الناسَ عليها.

3- ثابتون على عهدهم لا ينقضونه، وهل ينقض العاقل ذو اللبِّ عهدَ ربِّه.

4- يصلون الرحم ويبرون الاباء، ويعينون جيرانهم وأهل مدينتهم ومجتمعهم..

5- يخافون الله،غضبَه وعذابَه،والخشيةُ ( خوف وحبّ) بآن.هكذا ينبغي أن نكون مع الله تعالى.

6- أهل شفافية،وحساسية تجعلهم يحسبون ليوم الدين حسابه،نسأل الله تعالى حين يعرض علينا أعمالنا أن يرحمنا ويقينا سوء الحساب.

7- يصبرون على الحياة بحلوها ومُرِّها ويرضون بما كتب الله ابتغاء مرضاته سبحانه.

8- يتقربون إلى الله بالصلاة فيقيمونها على الوجه الصحيح ،فهي لقاء رائع بين الخالق والمخلوق،إن الصلاة صِلة ،فلتَكنْ هذه الصلة طيبة على الوجه الذي يرضي من نتصل به ونقف بين يديه راغبين راجين.

9- ذو اللبِّ سخيٌّ وكريم يؤدي حق العباد في أمواله- بل هي رزق الله ساقه إلينا بفضله ومنّه- ويتقرب إلى مولاه بالصدقات ، فالصدقة تطفئ غضب الربِّ ، وهي من أسباب الشفاء( داووا مرضاكم بالصدقة). يستحسنُ أن تكون الصدقة سراً ،كما أن صدقة العلن تشجع الآخرين على الصدقة.

10- ضعف الإنسان يجعله يصيب ويخطئ لأنه خُلقَ من عجل، و(كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون) وذوو الألباب يعلمون ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم ( وأتْبِع السيئة الحسنةَ تمحُها ) يصلحون أخطاءهم بالتوبة والعمل الصالح.

ثواب أولو الألباب النجاحُ والخلود في جنات عدنٍ ..(يدخلونها ومن صلح من :

آبائهم وازواجهم ، وذرِّياتهم

والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم بما صبرتُم ، فنعم عقبى الدار)الرعد 22

……جعلنا الله تعالى منهم …..

أولو الألباب-9

تقول: نذرت بالشيء أنذر إذا علمتَ به فاستعددْتَ له , ولم يستعملوا منه مصدرا كما لم يستعملوا من عسى وليس , وكأنهم استغنَوا بـ(أنْ) والفعل كقولك : سرني أنْ نذرتُ بالشيء .( قاله القرطبي).

وحين نقرأ قوله تعالى :

” هذا بلاغ للناس ولِيُنذَروا بهِ،ولِيعلموا أنّما هو إلهٌ واحدٌ ، ولِيَذَّكَّرَ أولوا الألباب.” إبراهيم 52.

نعلم أن الله تعالى أنزل القرآن بلاغاً للناس ، والبلاغُ قد يكون للتعليم ،وقد يكون للحضِّ، وقد يكون للإنذار ، والبلاغُ غير الوصول ،

 فـ (البلاغُ) يعني التوطُّنَ والامتزاجَ ليكون عنصراً أساسياً في التكوين وجزءاً فاعلاً في الحياة ، و(الوصول) لا يؤدي ذلك المعنى الذي يؤديه البلاغ . وبهذا نفهم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه عن تميم الداريّ”ليبلُغنَّ هذا الأمرُ مبلغَ اللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلَّا أدخلَهُ هذا الدِّينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، يُعَزُّ بعِزِّ اللَّهِ في الإسلامِ، ويذلَّ بِهِ في الكفر” وَكانَ تميمٌ الدَّاريُّ رضيَ اللَّهُ عنهُ، يقولُ: قد عَرفتُ ذلِكَ في أَهْلِ بيتي ،لقد أصابَ مَن أسلمَ منهمُ الخيرَ والشَّرفَ والعِزَّ، ولقد أصابَ مَن كانَ كافرًا الذُّلَّ والصَّغارَ والجِزيةَ… ولم يقل   ( ليصلَنَّ).

والبلاغ للناس جميعاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ” لأنذركم به ومن بلغ ” فهو بلاغ – كذلك- للإنس والجنّ، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبلّغ هذا الدين فقال ” بلِّغوا عني ولو آية …فلرب مبلّغ أوعى من سامع..”وقد قال تعالى في أول هذه السورة ( إبراهيم)     ” الر، كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ” وقال : وما أرسلناك إلا كافّة للناس بشيراً ونذيراً ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون” (سبأ 28) وما الإنذارُ إلا للعبرة والعظة ” فإذا اتعظوا وعرفوا الحق واتَّبعوه علموا أن الله تعالى واحد لا شريك له، وعرفوا قدْرَه سبحانه ” وليعلموا أنما هو إله واحد ” واستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على وحدانيته وألوهيته ،فتذكّروا ، وما يتذكر إلا أولو الألباب وذوو العقول النيّرة الواعية ” وليذكر أولو الألباب” .

رُوِيَ أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وسئل بعضُهم: هل لكتاب الله عنوان ؟ فقال : نعم ; قيل : وأين هو ؟ قال قوله تعالى : ” هذا بلاغ للناس ولينذروا به “

قد علم أولو الالباب – والتذكُّر يؤدي إلى العلم بل يقوّيه ويجلّيه – أنهم ملاقو الله تعالى ، لا شك في ذلك،ولنعد إلى الآيات السابقة ” فلا تحسبَنّ اللهَ مخلفَ وعدِه رسُلَه” والعاقل يحذف هذا الحُسبان من حسابه لأنه يعيش حياته التي لها ابتداء وانتهاء، لم يأت إلى هذه الدنيا بإرادته إنما بقَدَر من خالقه سبحانه ، وهو سبحانه أخبرنا أنه (عزيز ذو انتقام)، وكما يسَّر الله تعالى لنا الحياة على هذه الأرض إنه لقادرٌعلى تبديلها وتبديل كل شيء” يومَ تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ ، وبرزوا لله الواحد القهّار” فماذا بعدُ؟

إنه وصفٌ مخيف لنهاية من كفر” وترى المجرمين يومئذ مقَرّنين في الأصفاد، سرابيلُهم من قطِران وتغشى وجوهَهُم النارُ”.إنك ترى رأي العين مَن كفر بالله وحارب عبادَه وبغى في الأرض مقيّدين بعضُهم إلى بعض، جهَّزَتهُم الزبانية ليكونوا وقوداً للنيران وطُعمة لها، إن النار لتشوي اللحم سريعاً حين يدنو منها ، فكيف وقد طُليَت أبدانُهم بالقَطِران، بل صار القَطِرانُ ثيابهُم؟! فإذا ما اُقحِمُوا فيها أحاطتهم من كل جانب وأكلت وجوههم وأجسادهم! ..موقف تنخلع منه القلوب وتستعيذ منه النفس المؤمنة ، وتقشعِرُّ له الأبدان.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       

د.عثمان قدري مكانسي

307509_390796371003214_1182613223_n

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: