أيكون يسرًا بعد عسر؟ – فهمي هويدي

 

في الأسبوع الماضي كان القتل عنوانا لثلاثة أيام متعاقبة.
يوم الأحد 17 نوفمبر قتل في القاهرة ضابط الأمن الوطني الكبير الذي قيل إنه أحد المسؤولين عن ملف الإخوان.
ويوم الاثنين 18 نوفمبر  قتل ثلاثون مصريا من جراء ارتطام قطار بحافلة كانت متجهة إلى الفيوم.
وصباح الأربعاء 20 نوفمبر قتل 11 مجندا في سيناء في عملية انتحارية استهدفتهم، الأمر الذي أدى إلى إصابة 35 آخرين.
لم يكن ذلك كل ما جرى خلال الأسبوع بطبيعة الحال، لأن الفضاء المصري ظل حافلا طوال الوقت بالمظاهرات والمداهمات والاعتقالات إلى غير ذلك من النوازل التي غدت أخبارا عادية تحولت إلى خبز يومي يقدم إلينا كل صباح.
 إلا أن حوادث القتل التي تتابعت وجهت إلينا حزمة رسائل مكتوبة بدماء المصريين.
واحدة تقول لنا إن ثمة تطورا نوعيا في المواجهة الراهنة مع الأجهزة الأمنية.
الثانية تقول إن ثمة إهمالا جسيما في الخدمات التي تقدم للمواطنين خارج العاصمة.
 الثالثة تقول إن سيناء لم تعرف الهدوء بعد، رغم كل ما ينقل إلينا من أخبار عن القضاء على البؤر الإرهابية وإخماد نار الفتنة فيها.
هي رسائل مؤرقة وموجعة حقا.
لكن أغرب ما فيها هو أصداؤها في الفضاء الإعلامي المصري.
 ذلك أن أغلب تلك الأصداء لم تتجاوز محاولة توظيف الأحداث وتسييسها، بمعنى استثمار ما جرى في تكريس التهمة للإخوان وتأكيد شيطنتهم، لتسويغ الإجراءات القمعية التي تتخذ بحقهم.
فحادث قتل الضابط الكبير مثلا اعتبره الجميع جريمة إخوانية ثابتة تكرر جريمتي قتل الخازندار والنقراشي باشا قبل أكثر من خمسين عاما. وهي أحكام أطلقت قبل أي تحقيق في الأمر.
وأثار الانتباه أن المتحدث العسكري انضم إلى جوقة المسارعين إلى التنديد والتوظيف السياسي للجريمة، فنسبها بدوره إلى الإخوان، الذين وصفهم «برأس الأفعى» التي صدرت لمصر مختلف الشرور والرزايا.
ولم يكن ذلك فقط استباقا للتحقيق فيه من النزق أكثر مما فيه من المسؤولية، ولكنه أيضا يعد انتهاكا للمعايير الدولية الرافضة للحض على الكراهية، التي تعتبر أن التورط فيها جريمة ضد الإنسانية.
ضاعف من الحيرة أن جماعة أنصار بيت المقدس أصدرت بيانا أعلنت فيه مسؤوليتها عن مقتل ضابط الأمن الوطني،
وهي التي كانت أعلنت من قبل مسؤوليتها عن محاولة اغتيال وزير الداخلية الحالي اللواء محمد إبراهيم.
وإذا صح ذلك الادعاء فإنه يحول مسار التحقيق من اتهام الإخوان إلى تتبع خيوط اعتراف أنصار بيت المقدس.
وإلى أن يتوصل التحقيق والتحري إلى نتيجة يطمئن إليها فإن المحاكمات الإعلامية السابقة تعد نوعا من التحريض والتهريج الذي لا يحمى الأمن أو العدالة، ولا يخدم الاستقرار بأي حال.
ليس المقصود تبرئة ساحة الإخوان، لأن الأهم هو معرفة الحقيقة ليس فقط لكي يأخذ العدل مجراه،
ولكن أيضا لكي نتعرف على الفاعل الأصلي بما يمكننا من التعامل معه وعقابه بما يستحق.
 إلا أن ذلك ليس كل ما في الأمر، لأن ثمة جانبا من المشهد مهجورا ومسكوتا عنه.
ذلك أن الجهد المبذول الآن مقصور على وصف ما جرى والتنديد به وتوزيع الاتهامات على المشتبهين فيه، وتلك وظيفة أجهزة الأمن والتحقيق بالدرجة الأولى،
 الأمر الذي عزز سيادة العقلية الأمنية على مختلف منابر التعبير، وحول كثيرين إلى مخبرين يخدمون تلك الأجهزة بأكثر مما يخدمون القارئ أو الحقيقة.
إن السؤال الكبير الذي ينبغي أن ينشغل به أهل الرأي الغيورون على مستقبل البلد ومصالحه العليا هو:
لماذا جرى ما جرى؟
أعني لماذا فشل الحل الأمني في أنحاء مصر وفي سيناء؟
ولماذا ظل الاهتمام بمصالح الناس وشؤون حياتهم اليومية في المرتبة التالية من الأهمية؟
 بحيث ما عاد صوت يعلو فوق صوت تأمين النظام وبسط سلطانه.
إن الصوت العالي في الفضاء المصري صار يدور في فلك معارك النخبة وليس معارك المجتمع أو هموم الفقراء والمستضعفين.
ولا غرابة فالنخبة التي تتصدر المشهد ليست اختيار ذلك المجتمع، وإنما فرضت عليه فرضا.
وبالتالي فإن ولاء هؤلاء ظل لمن اختارهم، وبقي معبرا عن مصالحهم وتطلعاتهم، وليس لأولئك الفقراء والمستضعفين الذين ما عادوا يظهرون في الصورة إلا حين يصبحون ضحايا لمختلف الكوارث والفواجع.
وإذا صح ذلك التحليل فهو يعني أننا بإزاء مشكلة في بناء السلطة ذاتها وفكر التغلب المهيمن على أدائها.
وحين يكون التغلب معولا على قوته وسلطانه فمن الصعب أن تحدثه في السياسة أو تطالبه بها، إلا إذا اضطرته النوازل إلى ذلك.
 وربما كان ذلك هو اليسر الذي يستصحب الإفاقة ويلوح بعد الكدر والعسر الذي نحن بصدده.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: