أين نقابة الصحفيين من مداهمة قناة المتوسط؟ ( بقلم ليلى العَوْد )

في بادرة خطيرة وفي اختراق فاضح للقانون ولحقوق الإنسان و للحريات التي نالها الشعب التونسي بدماء أبنائه داهم رجال أمن مؤخرا قناة المتوسط
والأدهى من هذه المداهمة ما تقوم به نقابة الصحفيين من لامبالاة وجميعنا يعلم أن هذه النقابة شنت إضرابا بتاريخ 17 سبتمبر 2013 بتهمة محاولات لضرب حرية التعبير والإبداع وتركيع الإعلام وذلك في زمن لم يشهد فيه الحقل الإعلامي منذ عقود مثل هذا المناخ من حرية وصلت إلى حد عدم تفريق بعض الإعلاميين بين الحرية والفوضى

واليوم تصمت نقابة الصحفيين صمت القبور أمام ما تعرضت له قناة المتوسط مما
يجعلني أضع احتمالين لهذا الصمت :

الأول إما أن تكون هذه النقابة رضخت بعد إضراب 17 سبتمبر 2013 لضرب حرية الإعلام في كل وسائله وفضاءاته و اقتنعت أن لا حول ولا قوة لها في الدفاع عن هذه الحرية
والثاني أن تكون ابتهجت بما حصل لقناة المتوسط ووافقت على ضرب حريتها ومداهمتها

وإني لا أملك إلا استبعاد الاحتمال الأول لأن هذه النقابة تعلم جيدا أن تونس لم تشهد حرية إعلام كما تشهده بعد الثورة ولم نسمع بقوات أمن أو غيرهم قاموا بمداهمة قنوات نوفمبرية ومحسوبة على الثورة المضادة
وما يزيد من يقيني بالاحتمال الثاني – وهو ابتهاج إعلامي المخلوع لما حصل مع قناة المتوسط – هو ما سمعته منهم يوم إضراب 17 سبتمبر 2013 الذي قاموا بكسره بأنفسهم… وعلى رأس من كسر هذا الاضراب رئيسة النقابة نجيبة الحمروني التي هرعت إلى إذاعة اكسبراس آف آم من الصباح الباكر لتسوق هلعها وتخوفها على حرية الإعلام والإبداع…كما حضر إعلاميون آخرون في فضاءات حوارية في مختلف الإذاعات لينعتوا الإعلام الذي أفرزته الثورة بإعلام النهضة في حين أن الواعين يعلمون جيدا إلى أي مدى تسعى جل وسائل الإعلام التي انطلقت بعد الثورة لتكون محايدة ومرسخة لشعار الرأي والرأي الآخر وملامسة للحقائق بنسبة تشفي غليل المتابع لها

وهنا يتجلى لنا أن الحرية التي يريدها إعلاميو المخلوع بن علي وإعلاميو الثورة المضادة هي حرية إعلامهم فقط وشعروا مع إحداث وسائل إعلام أخرى ببوار مادتهم الإعلامية والتفاف أغلب الشعب حول وسائل الإعلام البديلة لذلك اغتاظوا من التعددية لإعلامية التي أفرزتها الثورة ومن إحداث فضائيات ومجلات وجرائد ورقية ومواقع الكترونية أصبحت المنافس الأقوى إلى جانب الإعلام النوفمبري ….وهو إعلام لم يقدر بل ولا ينوي التخلص من سياسة التضليل وتسطيح الفكر والتعامل مع المواطن بشعار فرعون ” ما أريكم إلا ما أرى “…..وها أننا قد سمعنا المحامي الشريف الجبالي يقول في حصة نقطة نظام بقناة المتوسط  مساء السبت 2 نوفمبر 2013 أن أغلب وسائل الإعلام يوجهها رجل الأعمال كمال اللطيف المطلوب للعدالة بتهمة التآمر على أمن البلاد وقد سجلت بينه وبين أغلب وسائل الإعلام مكالمات هاتفية منها 800 مكالمة بينه وبين جريدة الشروق

لذلك أرى أن الإعلاميين الذين يطلقون صيحة فزع من محاولة تركيع الإعلام هم من كسدت بضاعتهم ويعملون بطريقة أو بأخرى لتركيع الإعلام البديل إلى أجندتهم حتى لا يجد الشعب بديلا عن إعلامهم الذي لا يستطيعوا أن يقدموا فيه إلا ما يفرغ الإنسان من مضمونه الروحي والثقافي والأخلاقي

فلننظر مثلا ماذا فعل إعلاميو مبارك في مصر بعد الثورة وما فعلوه لا يختلف أبدا عن إعلامي المخلوع بن علي
ففي مصر لا ينكر أحد من الصادقين مدى الحرية الإعلامية التي تحققت في عهد الرئيس الشرعي الدكتور محمد مرسي حتى أن إعلامي مبارك أشبعوه شتما وسبا وتشويها وروجوا لإشاعات عن بيع المؤسسات الاقتصادية لقطر وغيرها من الإشاعات التي لا تختلف عن الإشاعات التي نسمعها من إعلام تونس المنحاز للثورة المضادة
ومع كل هذه المساحة من الحرية كانوا كذلك يتباكون على حرية الإعلام وأنهم لن يسمحوا بتركيع الإعلاميين ..وكأني بهم بهذا التباكي يرسلون رسائل للسياسيين بالغرب وللمنظمات الحقوقية العالمية أن الحريات ومنها حرية الإعلام مهددة في ظل حكومة إسلامية ….
ولكن ومع الانقلاب الغاشم الذي قام به السيسي وإغلاق العديد من القنوات والجرائد والمواقع الالكترونية على إثره لم نسمع من هؤلاء الإعلاميين ولا كلمة واحدة تندد بهتك السيسي لحرية الإعلام بل تنفسوا الصعداء من إغلاق تلك القناوات والجرائد وأبدوا حتى شماتتهم في إعلامهم الفاسد والمشؤوم على الشعوب
وأنا على يقين لو وصل للحكم في تونس من يقوم بمثل ما قام به الانقلابي السيسي في مصر من قمع لوسائل إعلام وإغلاقها فسوف لن نسمع بكاء على حرية الإعلام ولن تتم دعوة إلى إضراب عام
بل لماذا ننتظر وصول من يركع حرية الإعلام من جديد لنكتشف زيف إعلامي المخلوع بن علي ؟
فها أن مداهمة وقعت لقناة المتوسط كتحضير نفسي لإغلاق قنوات ووسائل إعلام في المستقبل وها أن نقابة الصحفيين لم تسارع لإعلان إضراب عام على إثر هذه المداهمة بل حتى من قبل هذه الواقعة لم نسمع  كلمة تنديد واحدة من هذه النقابة عندما حاول المنسّق الجهوي لحركة تمرّد المدعو حمدي بن صالح قتل مراسل موقع الصدى بسوسة أو عندما تعرض صحفيون محسوبون على قناوات الثورة إلى عنف في مظاهرات تقودها المعارضة.

لذلك أقول لإعلامي بن علي كفوا عن استيبلاه الشعب وتباكيكم على حرية الإعلام والإبداع واقلعوا عن حلمكم بتركيع الشعب من جديد لإعلامكم…فإن المداهمة التي وقعت لقناة المتوسط وسكوتكم إثرها عرت نواياكم إزاء الحريات والحقوق وأولى لكم أن تحترموا وعي المتلقي وتقدموا له مادة إعلامية ترتقي بالوطن ومشاغله وتقرب أبناء الشعب ولا تفرق وتعيد بناء الإنسان بعد مساهمة إعلامكم في تسطيح فكره وتمييع معرفته وثقافته وتغييب الحقائق عنه وتلميعكم لمن ترضون عنه من السياسيين .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: