إجتماع الشيخين : الولاء مقابل البقاء

لا أحد ينكر أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها الشقيقة مصر أثرت تأثيراً سلبياً على المشهد السياسي في تونس حيث ساهم الإنقلاب العسكري وافتكاك السلطة بالقوة هناك في تأجيج الصراع بين طرفي النزاع هنا وقد حاول كل طرف الإستفادة من هذه التغيرات لمصلحته ضاربين بعرض الحائط المصلحة الوطنية ومكاسب الثورة  فنظراً لفقرها السياسي استغلت المعارضة في تونس هذا الظرف في محاولة منها لتكرار السيناريو المصري و اعتمدت العداء الاديولوجي للإسلاميين للإقلاب على الشرعية من خلال تجييش انصارها رغم إختلاف توجهاتهم حيث إجتمع الشيوعي والقومي والليبرالي وحتى التجمعي تحت هدف واحد ألا وهو إسقاط المجلس التأسيسي وكل المؤسسات المنبثقة عنه .
من ناحيتها حاولت النهضة من منطلق الدفاع عن نفسها حشد انصارها كخطوة يائسة منها لتبرير فشلها السياسي في حل أغلب المشاكل العالقة وخاصة منها إستحقاقات الثورة ونجحت على الأقل في إبراز أنها لا تزال تتمتع بدعم شعبي لا يستهان به ، إلا أن هذا لم يكن كافياً للحيلولة دون مواصلة المطالبة بإسقاطها خاصة وأن الطرف الآخر ماانفك يصعد من وتيرة مطالبه مستغلاً تواطئ أغلب الإعلامين معه .
هنا تيقنت حركة النهضة وبالتحديد في شخص رئيسها الشيخ راشد الغنوشي أنها أمام حلين لا ثالث لهما فإما الضرب بعصا من حديد ومحاسبة دعاة الإقلاب وإما الرضوخ ومحاولة الخروج من الأزمة من خلال طاولة المفاوضات المغلقة !!! ولسوء حظها إختار الشيخ الطريق الأسهل كالعادة و الذي يضمن له حداً أدنى من السلطة و كانت الخطة بأن يتفاوض مع أكبر ممثل للمعارضة والأقرب سياسياً للفاعلين الدوليين فكان إجتماع باريس تحت عنوان” البقاء مقابل الولاء ” لكي تتوضح الرؤية للجميع بأن كل التنازلات ممكنة في عالم السياسة القذرة وحتى إن كان ذلك على حساب دماء الشهداء وأهداف الثورة فها نحن نقطف أولى التوافقات بين الشيخين من إلغاء للفصل 141 ،التوافق حول شرط السن الأقصى للترشح للرئاسة ،سحب قانون تحصين الثورة كل هذه المشاكل العالقة منذ أشهر يقع الحسم فيها بين ليلة وضحاها .
كل هذه النقاط يمكن النقاش فيها ويمكن أيضاً اعتبارها لعبة سياسية تدخل في إطار تغليب المصلحة الوطنية بإعتبار أن الشيخ – الإسلامي- وضع نفسه مسبقاً في موقع الضعيف والقابل للتنازل إلا أن ما لايمكن تبريره هو العودة من باريس بالذات -وكلنا نعرف الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه في فرض سياساتها على تونس – بقرار سياسي بإمتياز يقضي بتصنيف تيار أنصار الشريعة كتنظيم إرهابي و تحميله مسؤولية عمليات ارهابية لا يشك إثنان في تورط مخابرات أجنبية في تنفيذها وحركة النهضة بحد ذاتها على يقين من ذلك .
يعني نفس الأساليب ونفس الألاعيب تمارسها حركة النهضة اليوم ضد الإسلاميين ، بنفس اليات بن علي وبورقيبة تتجرأ اليوم على تجاوز القانون فقط لإرضاء القوى الخارجية وضمان بقائها في السلطة ونسيت أنه في يوم من الأيام اكتوت هي نفسها من هذه الممارسات ، نسيت أنها قمعت واقصيت واتهمت زوراً على يد عبد الله القلال ، نسيت أن ابناءها قتلوا وعذبوا وسجنوا لإرضاء نفس الأطراف التي تسعى لكسب ودهم اليوم ،تناست أنها كانت في يوم من الأيام ضحية اجتماعات مغلقة بين بورقيبة ومانداس فرانس ومن بعده بين بن علي واليو ماري .
خلاصة القول حركة النهضة للأسف انخرطت في اللعبة الدولية إرضاءً لطمع شيخها وبعض قيادييها، رفضت التعويل على الشعب واختارت أسهل الحلول للبقاء في السلطة ، حركة النهضة اليوم تعاقب نفسها بنفسها وهاهي اليوم تدفع ثمن تخاذلها ورضوخها للإملاءات الدولية؛  رضوخ قد يكلفها كثيراً هذه المرة  .
محمود البحري

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: