إذا عُـرف السبـب بَطـُل العجـب.. (بقلم رانيا الذوادي)

في الآونة الأخيرة، تطرّقت وسائل إعلامية عديدة لموضوع “تجنّدِ منحرفين للاعتداء على رجال أمن”. في حين أنّ أغلبها لا تأتي على ذكر جريمة الاعتداء بالعنف الشديد على سائق حافلة عمومية من طرف عون أمن امتنع عن اقتطاع تذكرة و استنجد برفاقه الذين أحدثوا جرحا بليغا للسائق على مستوى الرأس، أو على سرد تفاصيل هتك عرض مواطنة منقّبة و تعرّي عون أمن أمامها بحضور زوجه، و انتهاكات رجال الأمن في حقّ المواطن لا تحصى و لا تعدّ…

للسائل أن يضع نقاط استفهام كبيرة أما هذا التعاطي الإعلامي مع الظاهرتين.

جلّ الحقوقيّين يتبنّون مبدأ تطبيق القانون على الجميع على حدّ السواء و لكن عرض حوادث و طمس غيرها ليس بريئا بالمرّة.. فالمشهد الذي تسعى لرسمه أغلب وسائل الإعلام، التي اختصّت في تلميع صورة نظام و الشدّ على يد دولة البوليس، في ذهن الرأي العام و المواطن البسيط هو تلك الصورة لرجل الأمن المستضعف و المضطهد في كلّ الحالات و وضعه في قالب المثل الشعبي القائل “لا عملت لا يدّو لا ساقو”…

و لو حلّلنا القضيّة بموضوعية و دون تحامل على جهاز الأمن، و من منطلق بسيكولوجي لانقشعت لدينا الرؤية على القاعدة التي تقول أنّه لكلّ فعل ردّة فعل. و لا يجب أن يؤخذ هذا من منطلق التبرير لظاهرة العنف لطرف تجاه آخر. فعلى مدى عقود استأسد رجل الأمن و طغى و تجبّر و استقوى بالنظام ونكّل بالمواطن؛ عذّب الموقوفين في مراكز الإيقاف، نزع حجاب العفيفات في الشوارع، تجبّر على التاجر و افتك منه رزقه دون مقابل، أجبر السائق على دفع الرشاوي في المواقف المرورية…

و بعد الموجة العنيفة للثورة سكن جهاز كامل دأب على تخطّي كلّ الخطوط الحمراء. و بُعيد التفريط في الحكم و سلسلة من التنازلات من طرف حكومة الترويكا بدأنا نشهد بزوغ براعم دولة البوليس بعد سباتها و عودتها لانتهاكاتها السابقة و لكن بنفحة مفعمة بالانتقام من الثورة و رموزها. و ما اعتداءات عناصر من نقابات الأمن على المحامين و الحقوقيين و شباب الثورة في مظاهراتهم السلمية إلاّ خير دليل على ذلك.

و صدق من قال “إذا عُرف السبب بطل العجب” ؛ أي  إذا عرفنا سبب حدوث ردّات فعل عنيفة تجاه رجل الأمن زال عجبنا من حدوثها من جهة، و فُتح الباب لدولة البوليس أن تعدّل من نظرتها للمواطن و تعي أنّه إنسان عالي الشأن مهما دنا مستواه الفكري أو العقائديّ و مهما عظمت جريمته وجب التعامل معه في حدود الأدب و احترام الذات البشرية.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: