إذا كنت متفوقاً تفوق من حولك ، إذا كنت صادقاً صدق من حولك

أسوة في صدقه ، في حكمته ، في ضبط لسانه ، في عبادته ، في معاملته ، في كرمه ، في رحمته ، فهؤلاء المؤمنون الذين شرفهم الله عز وجل بكمال بشري هم في الحقيقة دعاة صامتون ، دون أن يشعروا ، فالمتفوق داعية لكن لا بلسانه بل بعمله .
والدليل أن في بعض الأحاديث الشريفة حديثاً يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام :

(( استقيموا يستقم بكم ))

[أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب ]

يكفي أن تكون أميناً فأمانتك دعوة إلى الأمانة ، يكفي أن تكون صادقاً صدقك دعوة إلى الصدق ، يكفي أن تكون مؤدياً لعباداتك ، أداؤك لعبادتك في المكان العام دعوة لأداء العبادات ، فأنت يمكن أن تكون داعية كبيراً بلسانك ، ويمكن أن تكون داعية كبيراً بعملك .
هؤلاء التجار التسعة الذين ذهبوا إلى إندونيسيا ، فيها ثلاث عشرة ألف جزيرة ، هؤلاء التجار التسعة أغلب الظن أنهم ما تكلموا كثيراً ، لكنهم فعلوا كثيراً ، فإذا بأكبر قطر إسلامي يعد 250 مليوناً كل مسلم عن طريق هؤلاء التجار .
لذلك حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ ))

[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

الصين فيها 80 مليون ، زرت مسجداً في بكين عمره 1200 عام ، والذي بنى المسجد مدفون في صحن المسجد ، قلت : إنسان دخل إلى الصين ، الآن دعوته شملت 80 مليون إنسان .

 

يرون أدبه ، يرون حكمته ، يرون رحمته ، يرون سخاءه ، كرمه ، نحن عندنا طريقة للتعليم مذهلة الأسوة ، بلا كلام ، بلا إلقاء خطابات ، بلا توجيه نصائح ، بلا توجيه مواعظ ، بلا زجر ، لا ، كن كاملاً في البيت ، كمالك يعد أسوة لأولادك ، المعلم الكامل أسوة ، مدير المؤسسة الكامل عادل بين الموظفين ، متواضع لهم ، يحترمهم ، يسأل عن أحوالهم ، يلبي حاجاتهم ، يرحمهم ، لو أن أحد كبار الموظفين عُين رئيس دائرة في الأعم الأغلب سيقلد مديره العام ، برحمته ، وإنصافه .

 

أنت حينما تكون كاملاً ، زوج ناجح ، أب ناجح ، أب رحيم ، كلامك رحيم ، قلبك ممتلئ رحمة لأولادك ، لك أجران ، أجر أنك كنت كاملاً ، وأجر أن من حولك اقتدوا بك ، فأنت تثاب على كمالك ، وعلى كمال الذي قلدك

 

وأي موقف كامل لإنسان له منصب قيادي ، معنى منصب قيادي الأب منصبه قيادي بالبيت ، والأم ، والمعلم ، مدير الدائرة ، مدير المستشفى ، مدير الجامعة ، مدير المعمل ، أي إنسان مكنه الله من أن يدير جمع من الأشخاص منصبه قيادي ، فكمالاته لها أجر مضاعف ، وسيئاته عليه منها وزر مضاعف ، وزره ووزر من قلده .

 

﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ﴾

وهو صامت ، لذلك أنا أقول هناك الآن دعوة صامتة ، لا تحتاج إلى ضجيج ، ولا إلى رفع صوت ، ولا إلى زجر ، ولا إلى خطابة مفوهة ، كن مستقيماً استقامتك دعوة ، وكن أميناً أمانتك دعوة ، وكن صادقاً صدقك دعوة ، وكن حليماً حلمك دعوة ، وكن متفوقاً التفوق دعوة .

 

إذا كنت متفوقاً تفوق من حولك ، إذا كنت صادقاً صدق من حولك ، إذا كنت أميناً كان أميناً من حولك ، فالكمال وحده دعوة إلى الله ، أنت لا تحتاج إلى قدرة على الخطابة

﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾

 

إنسان يعمل خطيب وإمام مسجد رأى النبي عليه الصلاة والسلام ، قال له النبي في الرؤيا : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة ، جاره بقال إنسان بسيط جداً ، فهذا الذي يخطب على المنبر ، وإمام تأثرَ تأثراً سلبياً جداً ، هذه الرؤيا كان من الممكن أن تكون لي ، لماذا لهذا البقال ؟ طرق بابه ، قال له : لك عندي بشارة ، لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ فامتنع ، فبعد إلحاح شديد قال له : تزوجت إنسانة ، بالشهر الخامس من زواجي كان حملها في الشهر التاسع ، واضح في خطأ مرتكب ، قال له : بإمكاني أن أسحقها ، وأن أفضحها ، وأن أطلقها ، والشرع معي ، وأهلها معي ، والمجتمع معي ، والقانون معي ، والمحكمة معي ، لكن أردت أن أعينها على التوبة ، جاء لها بمن يولدها ، ولدت ، وحمل الجنين المولود تحت عباءته ، وتوجه إلى جامع الورد في دمشق ، وبقي واقفاً أمام الباب حتى نوى الإمام الصلاة ، قال : الله أكبر ، دخل ووضعه إلى جانب الباب والتحق بالمصلين ، فلما انتهت الصلاة بكى هذا الصغير ، تحلق المصلون حوله ، وتأخر هو حتى يكتمل تحلق المصلين حوله ، ثم اقترب ، قال : ما القصة ؟ قال : تعال انظر ! جنين مولود لقيط ، قال : أنا أكفله ، فأخذه ، ودفعه إلى أمه من أجل أن تربيه ، فاستحق هذا الإنسان أن يبشره النبي الكريم أنه رفيقه في الجنة .
أحياناً الموقف الكامل لا يحتاج إلى ثقافة عالية ، وتعمق ، وفلسفة ، يحتاج لقلب رحيم ، هذه بإمكاني أن أحملها على التوبة لي فيها أجر كبير جداً .
فيا أيها الأخوة ، لمجرد أن تكون كاملاً فأنت داعية ، لا بلسانك ولكن بفعلك ، أنت أب معلم ، عندك محل تجاري ، عندك خمسة موظفين ، أنت الآن منصبك قيادي ، كلامك منضبط ، ما عندك كلمات بذيئة ، علمتهم الانضباط بالكلام ، امرأة متفلتة غضضت عنها البصر ، علمتها غضّ البصر .
لذلك الآية الكريمة :

﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾

 

النابلسي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: