إزالة اللّبس و الدّمج بين الحضارة و المدنيّة بقلم رضا بالحاج

خلطوا عمدا بين المدنيّة و الحضارة ليكون كلّ تقدّم علمي أو تكنولوجي مبرّرا و اقتضاء لأخذ فكر المستكبرين مصّاصي الدّماء آكلي حقوق العباد في شكل أنظمة حكم و اقتصاد و اجتماع على وجه الضرورة ما يجعل بيتنا عنكبوتا و بيتهم برج رفاه كالخلود و ما يجعل بئرنا معطّلة و قصرهم بجانبه مشيد.. إزالة هذا اللّبس و الدّمج بين الحضارة و المدنيّة ضرورة لتحرير الإنسان من جحيم دنيويّ رأسماليّ ليبراليّ:


المدنيّة هي الأشكال الماديّة نتاج العلم و هي إنسانيّة و عالميّة لا صبغة عقائديّة و لا أيديولوجيّة لها مهما كان الصّانع و مهما كان المستعمل و أخذها و تداول الانتفاع بها مكسب بشري و مقياسها في النّاس أفقيّ أي فيها القديم الذّي تخلّف و منها الجديد المتقدّم (“درّاجة هوائيّة فناريّة فسيّارة فطائرة فمركبة ضوئيّة”)..و نفاذ من أقطار السّماوات و الأرض..

أمّا الحضارة بما هي مجموع المفاهيم عن الحياة و هي محلّ النّزاع بين حقّ و باطل و صالح و فاسد و نافع و ضارّ فهي لا تنتج في المخابر بل على ضوء وجهة نظر في الحياة و أهمّ مراكز الحضارة أربع: الأساس و المعتقد و ثانيا مقياس الأعمال و ثالثا سلّم القيم و رابعا مفهوم السّعادة و دلالته.. و هذه المفاهيم لا تقاس بقديم و حديث أي لا تقاس على سلّم أفقي بل تقاس بالرفعة و الانحطاط..

فأوروبا حين تبنت الديمقراطيّة الإغريقيّة القديمة لم تأخذها باعتبار القدم و الجدّة و إنّما بزعم أنّها رقيّ فكريّ و مثال ذلك تحريم الزواج بالعمّة و الخالة و البنت و الأخت و الأم جاء منذ 15 قرنا في الإسلام العظيم.. و هو رقيّ و رفعة أما إباحة ذلك و اعتباره حريّة شخصيّة في القرن الواحد و العشرين زائد حريّة اختيار القرين ذكرا أو أنثى ( المثليّة) فهو غاية الانحطاط و قس على ذلك ..و لنا في هذا الصّدد تفصيل و مزيد بيان إلى أن نصل بك إلى وصيّة النبيّ صلّ الله عليه و سلّم “تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا : كتاب الله و سنّتي” فهل بعد هذا متّسع لخرف أيديولوجي أصابه إعصار و فقدان للمناعة.

..إنّ العلمانيّة بما هي حياة بلا حيّ قيّوم و بما هي تشريع بشريّ أناني يوكل النّاس إلى الهوى و الهوى أهواء فهي ظلاميّة دامسة.. نور العلم يكاد ينطق بالإيمان آيات مسموعات منظورات ملموسات و هم في ظلمات النّفس لا يكاد الواحد يجرؤ على مخالفة درس فلسفة تعلّمه عام 70 أو تعقيب أيّ تعقيب.. مدنيّة تقدّمت إلى حدّ تكنولوجيا النّانو و هم كلّما ركبوا سيّارة تفاخروا علينا و قارنوها بالجمل في فجاج الصّحراء و هم معتدون بالجديد مقابل القديم.. سرور و بهجة و فرح كفرح الأطفال بلباس جديد يوم العيد.. أقصى درجات مدنيّتهم و أعني العلمانيين المستعربين ” اطفىء الضّوء و الزم فراشك اقتصادا للطاقة”.. ” و من لم يجعل الله له نورا فماله من نور” “ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لا يبصرون” ” وتراهم ينظرون إليك و هم لا يبصرون” أنا أؤكدّ للمرّة الألف أنّ مشكلتنا مع هؤلاء ليست فكريّة لأنّ رميم الفكر الذي يتبنّون هو عهن منفوش نسفه مسار التّاريخ و مداره نسفا فهو خبال منهجيّ و عبث تشريعيّ به انهار أدعياء الحداثة و لم نجد لهم عزما..

إنما المشكلة عند هؤلاء نفسيّة بالأساس : هي تبعيّة المغلوب للغالب شبرا شبرا و ذراعا بذراع حتّى لو دخل من غلبهم جحر ضبّ لاتّبعوه..تفكير في حدود التبرير و عدم قدرة على مراجعة أفكار فرعيّة أو جزئيّة فما بالك بالمنهج فما بالك بالتوبة..أمر مقيت مقيت ضلّل جيلا كاملا ظهر على وجوه أصحابه بعد هذه السّنين آثار حزن كظيم..

#رضا_بالحاج

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: