إشراقات من سورة الأنعام

قال تعالى في كتابه المبين ، مخاطباً نبيّه الكريم (ص ) : بسم الله الرحمن الرحيم

(( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ، فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين ؟ وإذا جاء الذين يؤمنون بآياتنا فقل : سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة ، أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ، ثم تاب من بعده وأصلح ، فأنه غفور رحيم )) الأنعام ( ) صدق الله العظيم  ..

 روى الإمام مسلم رحمه الله ، عن سعد بن أبى وقاص (رض ) ، قال : كنا مع النبي (ص) ستة نفر ، فقال المشركون للنبي ( ص ) : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا قال : وكنت أنا وابن مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ، ورجلان لست أسميهما .. فوقع في نفس رسول الله ( ص ) ما شاء الله أن يقع ، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل : (( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ))  .. 

إذاً ، فمناسبة نزول هذه الآيات الكريمات ، أن الكبراء من قريش كانوا يرفضون الجلوس مع ضعفاء المسلمين ، في مجلس واحد ، مع رسول الله (ص ) . ولقد تقول أولئك الكبراء على هؤلاء الضعاف ، الذين كان يخصهم رسول الله ( ص ) بمجلسه وبعنايته ، وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف ، وما يسببه وجودهم في مجلس رسول الله ( ص ) من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام ..

فقضى الله سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل ، ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضا : (( ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ، فتطردهم فتكون من الظالمين)) .. 

فإن حسابهم على أنفسهم ، وحسابك على نفسك . وكونهم فقراء مقدّر عليهم في الرزق ، هذا حسابهم عند الله  ولا شأن لك به . كذلك غناك وفقرك ، هو حسابك عند الله ، لا شأن لهم به أيضاً ، ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان بالله والمنزلة عنده  فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى أو غيرها من الحسابات الدنيويّة ، كنت لا تزن بميزان الله ، ولا تقوّم بقيمه .. فكنت من الظالمين .. وحاشا لرسول  أن يكون من الظالمين ..!

ومثل ذلك حدث مع الفقير الأعمى ، عبد الله بن أم مكتوم ( رض ) ، يوم جاء إلى رسول الله (ص ) يسأله أن يعلّمه مما علّمه الله ، ولكنَّ الرسول الكريم (ص ) كان مشغولاً في تلك اللحظات مع مجموعة من كبراء قريش رجاء أن يسلموا ، فتنفتح للدعوة آفاقاً جديدة لم تكن لها من قبل ، وتحصل من وراء إسلامهم على مكاسب لا يمكن التفريط بها ، فأعرض رسولُ الله (ص ) _ لهذه الاعتبارات _ عن الأعمى الفقير ، واحتفل بالسادة الأغنياء ، ولكنَّ الوحي لم يمهله طويلاً ، فهبط أمين السماء جبريل (ع ) ، على أمين الأرض محمّد (ص ) ، بأشد عتاب تلقّاه نبيّ في تاريخ النبوّة كلّه : بسم الله الرحمن الرحيم (( عبسَ وتولى ، أن جاءه الأعمى ، وما يدريك لعله يزَّكَّى ، أو يذَّكَّر فتنفعه الذكرى . أما من استغنى فأنت له تصدى ! وما عليك ألا يزكى .!؟ وأما من جاءك يسعى ، وهو يخشى ، فأنت عنه تلهى .!؟  كلا ..! إنها تذكرة ، فمن شاء ذكره ، في صحفٍ مكرَّمة ، مرفوعة مطهَّرة ، بأيدي سَفَرة ، كرام بررة ))  سورة عبس ..

 وبقي فقراء الجيوب ، أغنياء القلوب ، في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وبقي ضعاف الجاه ، الأقوياء بالله ، في مكانهم الذي أهلهم له إيمانهم ؛ والذي نالوه باستحقاق عالٍ ، بفضل إقبالهم على الله ، وسبقهم إلى دينه ، لا يبتغون إلا وجهه … واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله ..

إن هذه التوجيهات الكريمة ، التي كانت تتنزّل بشأن هذه الحوادث وأمثالها ، وإن الحقيقة التي أراد الله إقرارها في الأرض ، والآثار التي ترتبت على إقرارها بالفعل في حياة البشرية ، هي أمر عظيم جداً ، أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة ، إنها معجزة ، ولعلها هي معجزة الإسلام الأولى ، ومعجزته الكبرى كذلك .

هذه الحقيقة ، هي ليست مجرد : كيف يعامل فرد من الناس ؟ أو كيف يعامل صنف من الناس ؟ كما هو المعنى القريب للحوادث والتعقيب عليها . إنما هي أبعد من ذلك بكثير ، وأعظم من ذلك بكثير .

إنها : كيف يزن الناس كل أمور الحياة ؟ ومن أين يستمدون القيم التي يزنون بها ويقدرون ؟

 والحقيقة التي استهدفت هذه التوجيهات إقرارها هي : أن يستمد الناس في الأرض قيمهم وموازينهم من اعتبارات سماوية إلهية بحتة ، آتية لهم من السماء ، غير مقيدة بملابسات أرضهم ، ولا بمواضعات حياتهم ، ولا نابعة من تصوراتهم المقيدة بهذه المواضعات وتلك الملابسات .

 وهو أمر عظيم جدا ، كما أنه أمر عسير جدا . عسير أن يعيش الناس في الأرض بقيم وموازين آتية من السماء . مطلقة من اعتبارات الأرض . متحررة من ضغط هذه الاعتبارات .

 ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك ضخامة الواقع البشري ، وثقله على المشاعر ، وضغطه على النفوس ، وصعوبة التخلي عن الملابسات والضغوط الناشئة من الحياة الواقعية للناس ، المنبثقة من أحوال معاشهم ، وارتباطات حياتهم ، وموروثات بيئتهم ، ورواسب تاريخهم ، وسائر الظروف الأخرى التي تشدهم إلى الأرض شدا ، وتزيد من ضغط موازينها وقيمها وتصوراتها على النفوس .

 كذلك ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك أن نفس محمد بن عبد الله  قد احتاجت – كي تبلغه – إلى هذا التوجيه من ربه ؛ بل إلى هذا العتاب الشديد ، الذي يبلغ حد التعجيب من تصرفه !

 وإنه ليكفي لتصوير عظمة أي أمر في هذا الوجود أن يقال فيه : إن نفس محمد بن عبد الله  قد احتاجت – كي تبلغه – إلي تنبيه وتوجيه !

 نعم يكفي هذا .. فإن عظمة هذه النفس وسموها ورفعتها ، تجعل الأمر الذي يحتاج منها – كي تبلغه – إلى تنبيه وتوجيه ، أمر أكبر من العظمة ، وأرفع من الرفعة ! وهذه هي حقيقة هذا الأمر ، الذي استهدف التوجيه الإلهي إقراره في الأرض ، بمناسبة أمثال هذه الحوادث  .. أن يستمد الناس قيمهم وموازينهم من السماء ، طلقاء من قيم الأرض وموازينها المنبثقة من واقعهم كله .. وهذا هو الأمر العظيم ..

 إن الميزان الذي أنزله الله للناس مع الرسل ، ليقوموا به القيم كلها ، هو : (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )).   هذه هي القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل ! وهي قيمة سماوية بحتة ، لا علاقة لها بمواضعات الأرض وملابساتها إطلاقا ..

 ولكن الناس يعيشون في الأرض ، ويرتبطون فيما بينهم بارتباطات شتى ؛ كلها ذات وزن وثقل وجاذبية في حياتهم . وهم يتعاملون بقيم أخرى .. فيها النسب ، وفيها القوة ، وفيها المال ، وفيها الجاه ، وفيها ما ينشأ عن توزيع هذه القيم من ارتباطات عملية .. اقتصادية وغير اقتصادية .. تتفاوت فيها أوضاع الناس بعضهم بالنسبة لبعض ، فيصبح بعضهم أرجح من بعض في موازين الأرض ..

 ثم يجيء الإسلام ليقول : (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))  .. فيضرب صفحا عن كل تلك القيم الثقيلة الوزن في حياة الناس ، العنيفة الضغط على مشاعرهم ، الشديدة الجاذبية إلى الأرض . ويبدل من هذا كله تلك القيمة الجديدة المستمدة مباشرة من السماء ، المعترف بها وحدها في ميزان السماء !

 لقد جاءت هذه الحوادث لتقرير هذه القيمة في مناسبات واقعية محددة . ولتقرر معها المبدأ الأساسي : وهو أن الميزان ميزان السماء ، والقيمة قيمة السماء ، وأن على الأمة المسلمة أن تدع كل ما تعارف عليه الناس ،  وكل ما ينبثق من علاقات الأرض من قيم وتصورات وموازين واعتبارات ، لتستمد القيم من السماء وحدها وتزنها بميزان الله وحده !

 ويجيء الرجل الأعمى الفقير .. ابن أم مكتوم .. إلى رسول الله  وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش . عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وأبي جهل عمرو بن هشام ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة ، ومعهم العباس بن عبد المطلب .. والرسول  يدعوهم إلى الإسلام ؛ ويرجو بإسلامهم خيرا للإسلام في عسرته وشدته التي كان فيها بمكة ؛ وهؤلاء النفر يقفون في طريقه بمالهم وجاههم وقوتهم ؛ ويصدون الناس عنه ، ويكيدون له كيدا شديدا حتى ليجمدوه في مكة تجميدا ظاهرا . بينما يقف الآخرون خارج مكة ، لا يقبلون على الدعوة التي يقف لها أقرب الناس إلى صاحبها ، وأشدهم عصبية له ، في بيئة جاهلية قبلية ، تجعل لموقف القبيلة كل قيمة وكل اعتبار .

 يجيء هذا الرجل الأعمى الفقير إلى رسول الله  وهو مشغول بأمر هؤلاء النفر .

لا لنفسه ولا لمصلحته ، ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام .

فلو أسلم هؤلاء لانزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة في مكة  ولانساح بعد ذلك الإسلام فيما حولها ، بعد إسلام هؤلاء الصناديد الكبار ..

 يجيء هذا الرجل ، فيقول لرسول الله  : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله ويكرر هذا وهو لا يعلم بانشغال الرسول (ص ) بما هو فيه من الأمر لأنه أعمى . فيكره الرسول قطعه لكلامه واهتمامه . وتظهر الكراهية في وجهه – الذي لا يراه الرجل لأنه أعمى أيضاً – فيعبس ويعرض .  يعرض عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير . الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير  والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينه ،  وإخلاصه لأمر دعوته ، وحبه لمصلحة الإسلام ، وحرصه على انتشاره !

 وهنا تتدخل السماء ، تتدخل لتقول كلمة الفصل في هذا الأمر ؛ ولتضع معالم الطريق كله ، ولتقرر الميزان الذي توزن فيه القيم ، بغض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات ، بما في ذلك اعتبار مصلحة الدعوة كما يراها البشر ، بل كما يراها سيد البشر  .

 وهنا يجيء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم ، صاحب الخلق العظيم ، في أسلوب عنيف شديد . وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب :  ( كلا ! )  وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب! ذلك أنه الأمر العظيم الذي يقوم عليه هذا الدين !

 والأسلوب الذي تولى به القرآن هذا العتاب الإلهي أسلوب فريد ، لا تمكن ترجمته في لغة الكتابة البشرية . فلغة الكتابة لها قيود وأوضاع وتقاليد ، تغض من حرارة هذه الموحيات في صورتها الحية المباشرة ، وينفرد الأسلوب القرآني بالقدرة على عرضها في هذه السورة في لمسات سريعة ، وفي عبارات متقطعة ، وفي تعبيرات كأنها انفعالات ، ونبرات وسمات ولمحات حية !

(( عبس وتولى . أن جاءه الأعمى ))  .. بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب ! وفي هذا الأسلوب إيحاء بأن الأمر موضوع الحديث من الكراهة عند الله بحيث لا يحب – سبحانه – أن يواجه به نبيه وحبيبه . عطفا عليه ، ورحمة به ، وإكراما له عن المواجهة بهذا الأمر الكريه ! ثم يستدير التعبير – بعد مواراة الفعل الذي نشأ عنه العتاب – يستدير إلى العتاب في صيغة الخطاب ، فيبدأ هادئا شيئا ما :  

(( وما يدريك لعله يزكى ؟ أو يذكر فتنفعه الذكرى ؟ ))  ..

ما يدريك أن يتحقق هذا الخير الكبير ، أن يتطهر هذا الرجل الأعمى الفقير – الذي جاءك راغبا فيما عندك من الخير – وأن يتيقظ قلبه فيتذكر فتنفعه الذكرى.  وما يدريك أن يشرق هذا القلب بقبس من نور الله ، فيستحيل منارة في الأرض تستقبل نور السماء ؟ الأمر الذي يتحقق كلما تفتح قلب للهدى وتمت حقيقة الإيمان فيه . وهو الأمر العظيم الثقيل في ميزان الله ..  ثم تعلو نبرة العتاب وتشتد لهجته ؛ وينتقل إلى التعجب من ذلك الفعل محل العتاب : (( أما من استغنى ، فأنت له تصدى  وما عليك ألا يزّكى ؟! وأما من جاءك يسعى وهو يخشى ، فأنت عنه تلهى ؟! ))  .. أما من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك وعما عندك من الهدى والخير والنور والطهارة .. أما هذا فأنت تتصدى له وتحفل أمره ، وتجهد لهدايته ، وتتعرض له وهو عنك معرض ! (( وما عليك ألا يزكى ؟ ))  .. وما يضيرك أن يظل في رجسه ودنسه ؟ وأنت لا تسأل عن ذنبه . وأنت لا تنصر به . وأنت لا تقوم بأمره..   (( وأما من جاءك يسعى ))  طائعا مختارا (( وهو يخشى ))  ويتوقى   (( فأنت عنه تلهى ! ))  .. ويسمي الإنشغال عن الرجل المؤمن الراغب في الخير التقي ، تلهياً .. وهو وصف شديد ..  ثم ترتفع نبرة العتاب حتى لتبلغ حد الردع والزجر :  (( كلا ! ))  .. لا يكن ذلك أبدا .. وهو خطاب يسترعي النظر في هذا المقام .

 ثم يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها ، واستغناءها عن كل أحد  وعن كل سند ، وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها ، كائنا ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا : (( إنها تذكرة . فمن شاء ذكره . في صحف مكرمة . مرفوعة مطهرة . بأيدي سفرة . كرام بررة . ))  ..

فهي كريمة في كل اعتبار . كريمة في صحفها ، المرفوعة المطهرة الموكل بها السفراء من الملأ الأعلى ، ينقلونها إلى المختارين في الأرض ليبلغوها . وهم كذلك كرام بررة .. فهي كريمة طاهرة في كل ما يتعلق بها ، وما يمسها من قريب أو من بعيد . وهي عزيزة لا يتصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها ؛ فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها ..

 هذا هو الميزان . ميزان الله . الميزان الذي توزن به القيم والإعتبارات ، ويقدر به الناس والأوضاع .. وهذه هي الكلمة . كلمة الله . الكلمة التي ينتهي إليها كل قول ، وكل حكم ، وكل فصل .

 وأين هذا ؟ ومتى ؟ في مكة ، والدعوة مطاردة ، والمسلمون قلة . والتصدي للكبراء لا ينبعث من مصلحة ذاتية ؛ والانشغال عن الأعمى الفقير ، لا ينبعث من اعتبار شخصي . إنما هي الدعوة ومصلحة الدعوة أولا وأخيرا .

ولكن الدعوة إنما هي هذا الميزان ، وإنما هي هذه القيم ، وقد جاءت لتقرر هذا الميزان وهذه القيم في حياة البشر . فهي لا تعز ولا تقوى ولا تنصر إلا بإقرار هذا الميزان وهذه القيم ..

 ثم إن الأمر – كما تقدم – أعظم وأشمل من هذا الحادث المفرد ، ومن موضوعه المباشر . إنما هو أن يتلقى الناس الموازين والقيم من السماء لا من الأرض ، ومن الاعتبارات السماوية لا من الاعتبارات الأرضية ..(( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))  .. والأكرم عند الله هو الذي يستحق الرعاية والاهتمام والاحتفال ، ولو تجرد من كل المقومات والاعتبارات الأخرى ، التي يتعارف عليها الناس تحت ضغط واقعهم الأرضي ومواضعاتهم الأرضية .

والنسب والقوة والمال .. وسائر القيم الأخرى ، لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى . والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا أنفقت لحساب الإيمان والتقوى .

ومنذ ذلك الميلاد الجديد للإنسان ، سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم .. ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية ، ولا في المسلمين أنفسهم .. غير أن الرسول  قد استطاع – بإرادة الله ، وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت – أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة ؛ وأن يحرسها ويرعاها ، حتى تتأصل جذورها ، وتمتد فروعها ، وتظلل حياة الجماعة المسلمة قرونا طويلة .. على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى ..

 كان رسول الله  بعد هذا الحادث يهش لابن أم مكتوم ويرعاه ؛ ويقول له كلما لقيه :  أهلا بمن عاتبني فيه ربي ..  ولقد استخلفه مرات عديدة بعد الهجرة على المدينة المنوّرة عندما كان يخرج في غزواته ..

 ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها ، زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية القرشية ، لمولاه زيد بن حارثة الرقيق . ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية . وفي البيئة العربية بصفة خاصة .

 وقبل ذلك حينما آخى بين المسلمين في أول الهجرة ، جعل عمه حمزة بن عبد المطلب ومولاه زيد بن حارثة أخوين . وجعل خالد بن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح الحبشي أخوين !

 وبعث مولاه زيد بن حارثة أميراً في غزوة مؤتة ، وجعله الأمير الأول ،على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار ، يليه في المسؤولية جعفر بن أبي طالب ، ابن عمّ رسول الله ( ص ) ، ثم عبد الله بن رواحة الأنصاري ،  وخرج رسول الله  بنفسه يشيعهم .. وهي الغزوة التي استشهد فيها الثلاثة رضي الله عنهم .

 وكان آخر عمل من أعماله ، أن أمّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم ، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر وزيراه ، وصاحباه ، والخليفتان بعده بإجماع المسلمين . وفيهم سعد بن أبي وقاص قريبه ، ومن أسبق قريش إلى الإسلام .

 وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث . وفي ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما  : بعث رسول الله  بعثا أمّر عليهم أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – فطعن بعض الناس في إمارته ، فقال النبي  إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل . وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ ، وإن هذا ( يعني أسامة ) لمن أحب الناس إليَّ  .. 

 ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي ، وتحدثوا عن الفارسية والعربية ، بحكم إيحاءات القومية الضيقة ، ضرب رسول الله  ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال :  سلمان منا أهل البيت  . فتجاوز به – بقيم السماء وميزانها – كل آفاق النسب الذي يستعزون به ، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها .. وجعله من أهل البيت مباشرة !

 ولما وقع بين أبي ذر الغفاري ، وبلال بن رباح – رضي الله عنهما – ما أفلت معه لسان أبي ذر بكلمة “يا بن السوداء” .. غضب لها رسول الله  غضبا شديدا ؛ وألقاها في وجه أبي ذر عنيفة مخيفة : يا أبا ذر طفَّ الصاع ، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل   ..  ففرق في الأمر إلى جذوره البعيدة .. إما إسلام فهي قيم السماء وموازين السماء . وإما جاهلية فهي قيم الأرض وموازين الأرض !

 ووصلت الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر الحساس ؛ فانفعل لها أشد الانفعال ، ووضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال بقدميه . تكفيرا عن قولته الكبيرة !

 وكان الميزان الذي ارتفع به بلال هو ميزان السماء ..

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله  :  يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة عندك . فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة  . فقال : ما عملت في الإسلام عملا أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاما ، في ساعة من ليل أو نهار ، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي  . 

 وكان رسول الله  يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه :  ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب   .. 

وقال عنه :  مُلئ عمار إيماناً إلى مشاشه   ..  وعن حذيفة  رضي الله عنه ،  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  إني لا أدري ما بقائي فيكم ، فاقتدوا باللذين من بعدي – وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما – واهتدوا بهدي عمار ، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه   . 

 وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول الله ..

عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال : قدمت أنا وأخي من اليمن ، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ، من كثرة دخولهم على رسول الله  ولزومهم له … 

 وجليبيب – وهو رجل من الموالي – كان رسول الله  يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار ، فلما تأبى أبواها قالت هي : أتريدون أن تردوا على رسول الله  أمره ؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه ، فرضيا وزوجاها  .  وقد افتقده رسول الله  في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه ..

عن أبي برزة الأسلمي – رضي الله عنه – قال : كان رسول الله  في مغزى له ، فأفاء الله عليه . فقال لأصحابه :  هل تفقدون من أحد ؟  قالوا : نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال :  هل تفقدون من أحد ؟  قالوا : نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال :  هل تفقدون من أحد ؟  فقالوا : لا . قال :  لكني أفقد جليبيبا ، فطلبوه ، فوجدوه إلى جنب سبعة من المشركين قد قتلهم ثم قتلوه . فأتى النبي  فوقف عليه ، ثم قال :  قتل سبعة ثم قتلوه . هذا مني وأنا منه . هذا مني وأنا منه  . ثم وضعه على ساعديه ، ليس له سريرا إلا ساعدي النبي  قال : فحفر له ، ووضع في قبره ولم يذكر غسلا  . بذلك التوجيه الإلهي ، وبهذا الهدي النبوي ، كان الميلاد للبشرية على هذا النحو الفريد . ونشأ المجتمع الرباني الذي يتلقى قيمه وموازينه من السماء ، طليقا من قيود الأرض ، بينما هو يعيش على الأرض .. وكانت هذه هي المعجزة الكبرى للإسلام . المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة إله ، وبعمل رسول . والتي تدل بذاتها على أن هذا الدين من عند الله ، وأن الذي جاء به للناس رسول !

 وكان من تدبير الله لهذا الأمر أن يليه بعد رسول الله  صاحبه الأول أبو بكر ، وصاحبه الثاني عمر .. أقرب اثنين لإدراك طبيعة هذا الأمر ، وأشد اثنين انطباعا بهدى رسول الله ، وأعمق اثنين حبا لرسول الله ، وحرصا على تتبع مواضع حبه ومواقع خطاه .

 حفظ أبو بكر – رضي الله عنه – عن صاحبه  ما أراده في أمر أسامة . فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة هو إنفاذه بعث أسامة ، على رأس الجيش الذي أعده رسول الله  وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة . أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل . فيستحي أسامة الفتى الحدث أن يركب والخليفة الشيخ يمشي . فيقول : ” يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن ” .. فيقسم الخليفة : ” والله لا تنزل . ووالله لا أركب . وما ذا عليَّ أن أغبّر قدمي في سبيل الله ساعة .!!!؟ ” ..

 ثم يرى أبو بكر أنه في حاجة إلى عمر . وقد حمل عبء الخلافة الثقيل . ولكن عمر إنما هو جندي في جيش أسامة . وأسامة هو الأمير . فلا بد من استئذانه فيه . فإذا الخليفة يقول : ” إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل ” ..

يا الله .. يا للعظمة .. يا للروعة .. يا لألق التاريخ …!!! 

إن رأيت أن تعينني فافعل .. إنها آفاق عوال ، لا يرقى إليها الناس إلا بإرادة الله ، على يدي رسول من عند الله ، أو وليّ من أولياء الله ..!!!

 ثم تمضي عجلة الزمن فنرى عمر بن الخطاب خليفة يولي عمار بن ياسر على الكوفة .

 ويقف بباب عمر سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام ، وأبو سفيان بن حرب ، وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء ! فيأذن قبلهم لصهيب وبلال ، لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر . فيتورم أنف أبي سفيان ، ويقول بانفعال الجاهلية : “لم أر كاليوم قط .!! يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه ..! ” 

فيقول له صاحبه – وقد استقرت في حسه حقيقة الإسلام : “أيها القوم . إني والله أرى الذي في وجوهكم ، إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم ، لقد دُعيَ القومُ إلى الإسلام ودُعيتم ، فأسرعوا وأبطأتم ، فكيف بكم إذا دُعوا يوم القيامة إلى الجنّة وتركتم .!؟ ” .

 ويفرض عمر لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر ، حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك قال له: “يا بني ، كان زيد  أحب إلى رسول الله (ص ) من أبيك ! وكان أسامة أحب إلى رسول الله  منك ! فآثرت حب رسول الله  على حبي”  ..  يقولها عمر وهو يعلم أن حب رسول الله  إنما كان مقوما بميزان السماء !

 ويرسل عمر بن الخطاب عمارا ليحاسب خالد بن الوليد – القائد المظفر صاحب النسب العريق – فيلببه بردائه .. ويروى أنه أوثقه بشال عمامته حتى انتهي من حسابه ، فظهرت براءته ، ففك وثاقه وعممه بيده ..

وخالد لا يرى في هذا كله بأسا ، فإنما هو عمار ، صاحب رسول الله ( ص ) السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول الله  ما قال !

 وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر – رضي الله عنهما – هو سيدنا وأعتق سيدنا ، ويعني بلالا ،  الذي كان مملوكا لأمية بن خلف ، وكان يعذبه عذابا شديدا ، حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه .. !!!

 وعمر هو الذي قال : “ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته” يقول هذا ، وهو لم يستخلف عثمان ، ولا عليا ، ولا طلحة ، ولا الزبير .. إنما جعل الشورى في الستة بعده ، ولم يستخلف أحدا بذاته !

 وعلي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – يرسل عمارا والحسن بن علي – رضي الله عنهما – إلى أهل الكوفة يستنفرهم في الأمر الذي كان بينه وبين عائشة – رضي الله عنها – فيقول : “إني لأعلم أنها زوجة نبيكم  في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو تتبعوها”  ..  فيسمع له الناس في شأن عائشة أم المؤمنين ، وبنت الصديق أبي بكر، رضي الله عنهم جميعا .

 وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن ، فيقول لهم : “أنا بلال بن رباح ، وهذا أخي أبو رويحة ، وهو امرؤ سوء في الخلق والدين . فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه ، وإن شئتم أن تدعوا فدعوا ” .. فلا يدلس عليهم ، ولا يخفي من أمر أخيه شيئا ، ولا يذكر أنه وسيط وينسى أنه مسؤول أمام الله فيما يقول .. فيطمئن القوم إلى هذا الصدق .. ويزوجون أخاه ، وحسبهم – وهو العربي ذو النسب – أن يكون بلال المولى الحبشي وسيطه ..!!!

واستقرت تلك الحقيقة في المجتمع الإسلامي ، وظلت مستقرة بعد ذلك آمادا طويلة على الرغم من عوامل الانتكاس الكثيرة . “وقد كان عبد الله بن عباس يذكر ويذكر معه مولاه عكرمة . وكان عبد الله بن عمر يذكر ويذكر معه مولاه نافع . وأنس بن مالك ومعه مولاه ابن سيرين . وأبو هريرة ومعه مولاه عبد الرحمن بن هرمز . وفي البصرة كان الحسن البصري . وفي مكة كان مجاهد بن جبر ، وعطاء بن رباح ، وطاووس بن كيسان هم الفقهاء . وفي مصر تولى الفتيا يزيد بن أبي حبيب في أيام عمر بن عبد العزيز وهو مولى أسود من دنقلة ”  ..

 وظل ميزان السماء يرجح بأهل التقوى ولو تجردوا من قيم الأرض كلها ..

ولم يرفع هذا الميزان من الأرض إلا قريبا جدا بعد أن طغت الجاهلية طغيانا شاملا في أنحاء الأرض جميعا ، وأصبح الرجل يقوم بلونه ، أو عنصره ، أو رصيده  من الدولارات  .

أما أرض المسلمين فقد سادت فيها الجاهلية الأولى ، التي جاء الإسلام ليرفعها من وهدتها ؛ وانطلقت فيها نعرات كان الإسلام قد قضى عليها ، وحطمت ذلك الميزان الإلهي وارتدت إلى قيم جاهلية زهيدة لا تمت بصلة إلى الإيمان والتقوى ..

فلقد رأيت بعيني ، وشهدت بنفسي ، حركة إسلامية من أشهر وأقدم الحركات في العالم العربي والإسلامي ، ولكنها كانت تنتقي الأفراد وتقدّمهم إلى المواقع المتقدّمة فيها ، ليس بناءً على معيار : ( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، ولا بناءً على الكفاءة ، والإخلاص ، والسبق ، والتضحية ، والولاء للعقيدة  ، ولا أيّ من موازين السماء التي قرّرها القرآن ، وطبّقها رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، كما رأينا …

بل بناءً على معايير أخرى أرضية ، لا تمت إلى المنهج الإسلامي في قليل أو كثير، كالولاء الأعمى للمسؤولين والمتنفّذين في تلك الجماعة ، والقرابة منهم ، والمصاهرة لهم ، والمحسوبية ، والمناطقيّة ، وغيرها ، وحجّتهم في ذلك ( مصلحة الجماعة والدعوة ) وهي نفس الحجة التي دحضها القرآن كما رأينا  …!!!

 ولم يعد هنالك من أمل ، إلا بالله ، ثم بالمتّقين المخلصين من أبناء هذه الأمة ، في أن ينقذوا العرب والمسلمين والبشرية كلها مرة أخرى من الجاهلية ؛ وأن يتحقق على أيديهم ميلاد جديد للإنسان كالميلاد الذي شهدته أول مرة ..

إن البشريّة اليوم في حاجة ماسّة إلى وقفة طويلة أمام هذه النصوص المعجزة ، فهي لا تمثل مجرد مبادىء عظيمة ، وقيم نبيلة ، ونظريات رائعة ، في “حقوق الإنسان  ”  فحسب ..

بل هي أكبر من ذلك بكثير .. إنها تمثل شيئا هائلا ، وحدثاً عظيماً ، تحقق في حياة البشرية في يومٍ ما .

وكان يعزُّ عليها أن تتصوره ، مجرّد تصوّر ، لولا أنه حدث فعلاً ، وعاشته البشرية واقعاً ..!!

ومهما يكن من تراجع البشرية عن هذا الخط الوضيء الذي صعدت إليه في خطو ثابت على حداء هذا الدين العظيم ، فإن هذا لا يقلل من عظمة تلك النقلة الرائعة ، إلى تلك القمّة السامقة ؛ ومن ضخامة هذا الشيء الذي تحقق لها يوما ما ؛ ومن أهمية هذا الخط الذي ارتسم بالفعل في مسارها  ..

إن قيمة ارتسام هذا الخط وبلوغه ذات يوم ما بلغ ، هو في أن تحاول البشرية مرة ومرة ومرة ، الارتفاع إليه ؛ ما دام أنها قد بلغته ؛ فهو _ إذاً _في طوقها وفي وسعها .. والخط هناك على الأفق ، والبشرية هي البشرية ؛ وهذا الدين هو الدين ، والقرآن هو القرآن .. فلا يبقى _ إذاً _ إلا العزم والثقة واليقين ..

بسم الله الرحمن الرحيم (( وقل : اعملوا ، فسيرى اللهُ عملَكم ، ورسولُه ، والمؤمنون )) صدق الله العظيم.                                                                                                                                                                                                                          د. فوّاز القاسم65525_543014729053851_195760653_n                                                                                                                                           

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: