image

إعتداءات “بلجيكا”… الحريق وشظاياه /بقلم محمد هنيد

إعتداءات “بلجيكا”… الحريق وشظاياه /بقلم محمد هنيد

 

الإعتداءات الأخيرة التي طالت العاصمة البلجيكية ” بروكسل” تمثل آخر الضربات الإرهابية التي تطال الأرض الأوروبية بعد إعتداءات تركيا التي ضربت العاصمة ” أنقرة ” موقعة قتلى وجرحى. لكن خصائص كثيرةً تميز العمليات الإرهابية الأخيرة في العاصمة البلجيكية وهي الخصائص القادرة على فك شفرة الدلالة التي تحيط بالعملية في منشئها وفي أبعادها وفي تداعياتها.

العملية حدثت في قلب البيت الأوروبي برمزيته الحضارية والتاريخية حيث تمثل “بروكسال ” مقر الإدارات الأوروبية وهي تحتضن مقر الإتحاد الأوروبي بكل مؤسساته الرمزية والسيادية . ثانيا تمت العملية في أماكن رمزية من حيث الحماية والحضور الأمني كالمطار من جهة أولى ومحطة قطارات الأنفاق من ناحية ثانية ثم إن الهجوم حدث في إطار حالة من التأهب الأمني الأقصى الذي فرضته الإعتداءات الأخيرة على فرنسا والتي انطلقت من نفس الحي البلجيكي وهو حي “مولينبيك” . زد على ذلك أن حالة التأهب هذه تمت مضاعفتها خلال الأيام الفارطة حيث تم إيقاف المشتبه به الرئيسي في هجمات باريس ” صلاح عبد السلام ” في نفس الحي الشعبي المحاصر.

بناء عليه فإن عناصر إضافية تسمح بقراءات الحدث وفق معطيات مستجدّة ودلالات مستحدثة بتجدد الإطار العام للحدث والخصائص الفارقة المحيطة به.

أول هذه الدلالات لهجوم بلجيكا الجديد هو أن الحل الأمني مهما بلغ من درجات التأهب والتحفز واليقظة فهو غير قادر على منع حدوث هجوم إرهابي كبير وفي أعلى الأماكن حساسية ورمزية لأي بلد كان.

هذا الإستنتاج إنما يتأسس على أن الوضع الأمني كان في أقصى مراحله إبان وقوع الإعتداءات لكنه كان عاجزا عن منعها أو الحد منها أو حتى مواجهتها. إذن فإنّ المقاربة الأمنية للإرهاب أوروبيا وحتى عالميا هي مقاربة قاصرة عن قراءة الظاهرة فضلا عن الحد منها أو القضاء عليها أو إستباقها. الحل الأمني يمكن أن يكون الجزء الأبسط من الحلول المقدمة لعلاج الظاهرة لكنه لن يستطيع النفاذ إلى عمقها بسبب طبيعة العمليات الإرهابية التي يمكن أن تحدث في أي مكان وفي أي زمان وبأية وسيلة متاحة.

في الحالة الأوروبية الأخيرة سواء بالنسبة للإعتداءات الفرنسية أو البلجيكية فإن العمليات تشكل رجع صدى مباشر للمجزرة السورية المفتوحة منذ أكثر من خمس سنوات وهي التي تتشابك فيها ملفات دولية كثيرة وتستقطب كل أزمات المنطقة وتوتراتها السياسية والطائفية والعرقية. الوقائع الأوروبية بما فيها إعتداءات تركيا الإرهابية ـ حيث يطل الملف الكردي بكل تعقيداته ـ إنما هي في الحقيقة بعض شظايا الحريق المشرقي ولهيب أوراقه التي تطايرت خارج المجال المقرّر لها.

فالتنظيم المسيطر على المشهد المشرقي وعلى ما بعد ثورات الحرية العربية يبيع وهم “الدولة الإسلامية ” للمتعطشين لبعض الأمجاد الخوالي على أطلال الخراب الإمبراطوري الفارسي والأمريكي والروسي. لكن تتبع نشأة التنظيم وخاصة توقيت التكوّن وطبيعة العمليات التي قام بها في سوريا وليبيا وتونس والعراق … تكشف بما لا يدع مجالا للشك طبيعته الإستخبارية وارتباطه الوثيق بالنظام الإستبداد العربي الذي أنقذه من السقوط مثلما هو الحال في المأساة السورية المفتوحة.

هذا التنظيم الذي تبنّى هجوم بروكسال كما تبنى هجمات باريس قبلها أو هجمات عديدة أخرى في ليبيا وفي تونس تحوّل في فترة زمنية قصيرة جدا إلى أضخم التنظيمات الإرهابية وأخطرها وهو يسيطر على مساحة شاسعة من الرقعة المشرقية في تواطؤ دولي وصمت مريب. لكن إذا سلمنا بأن التنظيم بحاضنته السورية ـ التي تصدّر كل إرهابيّ أوروبا ـ هو الذي نفذّ كل العمليات التي تبناها فلماذا لا تسارع المجموعة الدولية التي تتبنى ” الحرب على الإرهاب ” إلى حسم الملف السوري وإيقاف نزيف الدم والعنف الذي سجّل أرقاما تاريخية في حجم القتل والتوحش والموت ؟

الثابت اليوم هو أن الإرهاب بشكليه الطبيعي والصناعي لم يعد ظاهرة محلية أو هندسية يمكن حصرها والتوقي منها إنما هو بصدد التطور والتحول الوظيفي الخطير إلى ظاهرة عالمية ودولية عابرة للحدود قادرة على إختراق أكثر الأجهزة الأمنية تيقظا وحذرا. هذا التطور المفزع للظاهرة يدفع بشدة إلى ضرورة تجاوز المقاربات السابقة والبحث عن جذور الأزمات الدولية وعيا بأن مخاطرها واستتباعاتها لن تستثني أحدا مستقبلا.

إن التواطؤ العالمي في حسم الملف السوري وتجاوز القوانين الدولية وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص فصله السابع على وجوب التدخل الإنساني لإيقاف المذابح والقتل هو الذي سمح بحدوث كل الإعتداءات اللاحقة على المأساة السورية بأن تحول الشام إلى أرض خصبة لاستقطاب ” الجهاديين ” وتصديرهم. أضف إلى ذلك أن مساندة المجتمع الدولي للطغاة العرب وللأنظمة الاستبدادية والسكوت الفاضح عن الإنقلابات العسكرية التي حدثت ضد إرادة الشعوب في الحرية والعدل لن يزيد الظاهرة الإرهابية إلا إيغالا في التوحش بشكل قد تصبح معه غير قابلة للإحتواء أو السيطرة فينقلب السحر على الساحر ويكون الأوان قد فات الجميع بما فيهم الصانعُ و ما صنعَ.

عربي 21

 

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: