إعلام تونس ونُخبها… ونواقض الوضوء/ بقلم محمد هنيد

إعلام تونس ونُخبها… ونواقض الوضوء/ بقلم محمد هنيد

 

لا يمكن اليوم إيجاد وصف يمنح الحالة الإعلامية السقيمة في تونس حقها من الوصف أو التوصيف. فحتى مصطلح ” إعلام العار” الذي يصف به التونسيون إعلامهم الحكومي والخاص لم يعد يفي بالغرض بسبب القاع الذي وصل إليه الخطاب الإعلامي بأن أصبح يشكل مصدرا أساسيا من مصادر إرهاب الدولة الرمزي على المجتمع وعلى نسيجه القيمي.

ففي مهد ثورة الغضب العربية حملةٌ كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تشجيع تحفيظ القرآن الكريم بعد الهجمة الشرسة التي شنّتها على النص المقدس بقايا ” نُخب التغيير” من “جامعيّي نوفمبر” ورجال “صانع التغيير” باسم الحداثة والتقدم والانفتاح وهي شعارات انكشفت عن أخطر المشاريع التغريبيّة التي تستهدف نسق القيم الجمعيّ للفرد وللمجتمع وخاصة للناشئة من الذكور والإناث.

فقد تحولت كثير من وسائل الإعلام التونسية المسموعة والمقروءة والمرئية إلى منابر ومنصات مفتوحة لنشر كل أنواع السموم الأخلاقية والاجتماعية والسلوكية واللغوية وصارت تشكل خطرا حقيقيا على السيادة الوطنية وعلى مستقبل أجيال بكاملها. فمن محاربة للدين الإسلامي علانية إلى ضرب لأخلاق المجتمع الجمعي مرورا بنشر كل أشكال الانحرافات والأمراض الاجتماعية من المثلية الجنسية إلى تحرير استهلاك المخدرات وتشجيع الإنجاب خارج الزواج إلى تكفير الآخر وتشريع القمار وكل أنواع العلاقات المحرمة أخلاقيا قبل أن تكون دينيا …وصولا إلى كل أشكال الموبقات والرذائل وذلك في ساعات الذروة للمشاهد التونسي.

هذه الجريمة في حق المجتمع العربي في تونس وفي حق المجموعة الوطنية المحافظة هي التي تخلق ردود الأفعال المتطرفة لدى الشباب وتخلق لديه قابلية حادة للتطرف والعنف والانحراف. هذا يعني أنّ ” إعلام العار ” كما يسميه أهل تونس هو حاضنة رئيسية من حواضن الإرهاب وصانع أساسي من صنّاع العنف والتطرف بما تنتجه حربه على الدين وعلى القيم العربية الإسلامية من ردود أفعال متطرفة لدى الشباب خاصة وهي ردود توازي في تطرف ردّ الفعل تطرف الفعل المنتج له.

هكذا شنّت الكتائب اليسارية الاستئصالية ـ التي مكّنها نظام الوكيل الأول بورقيبة والوكيل الاستعماري الثاني بن علي من كل الفضاء الرمزي التونسي بما في ذلك الفضاء الإعلامي ـ جولة جديدة من حربها القديمة على الهوية العربية الإسلامية وقادت مجتمعةً غاراتٍ متوحشةً على الوعي القاعدي للمواطن من أجل استهداف المقدّس الجمعي بما يمثله من ركيزة صلبة للمجتمع وللدولة.

تمثلت الجولة الجديدة في الحرب العلنيّة على القرآن الكريم وعلى تحفيظه في المدارس والمعاهد الحكومية وصار الذكر الحكيم عند نخب العار التونسية من “جامعيّي نوفمبر” مصدرا من مصادر الإرهاب وخطرا على الناشئة وعلى أخلاقهم في الوقت الذي تدافع فيه النخب التونسية المتعفّنة عن المثلية الجنسية وعن السحاقيات وعن اللوطيين وعن الجنس الثالث وعن المتحولين وعن كل أنواع الشواذ دفاعا شرسا باسم حرية التعبير والحداثة والانفتاح.

لن نناقش هنا الجهل الكبير الكامن وراء اعتبار النص العربي الكريم مصدرا من مصادر الانحراف لأنه موقف يُضحك أبسط عارف بأبجديات اللسانيات المعجمية ودور المعجم في تكثيف قدرة الخلايا العصبية للدماغ على تكوين القدر الأكبر من المترابطات اللغوية بما هي مركّب ذكيّ وذلك عبر تخزين الكلم خلال السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل. إذ تتحدد المهارات اللغوية للطفل وكذلك مستوى الكفاءة الدنيا بحجم التخزين المعجمي للغة الأم خلال السنوات الأولى من عمره وهي فترة مصيرية في رسم الخط البياني شبه النهائي لقدرة الطفل اللغوية المكتملة.

بناء عليه فإن القرآن الكريم يمثل من وجهة نظر لسانية علمية صرفة خزّانا نادرا للغة العربية بما هي اللغة الأم لأكثر من نصف مليار نسمة وهي لغة التعبد والممارسة الدينية لما يقارب ملياري نسمة. القرآن الكريم هو أب النصوص العربية جميعها معجميا ودلاليا وصوتيا وتركيبيا وصرفيا بما يتضمنه من تأليف نادر لأهم الجذور المعجمية العربية هذا بقطع النظر عن البعد المقدّس للنص وعن دلالاته الروحية العميقة.

إذن فحرب نخب العار التونسية على القرآن الكريم هي في الحقيقة حرب بالوكالة لصالح قوى استعمارية تسعى إلى فصل الطفل العربي في تونس عن الحاضنة الحقيقية لهويته الأصيلة من أجل أن تسهّل انسلاخه عنها وتدفعه نحو قيم أخرى ولغات أخرى تسيطر على المشهد الثقافي والإعلامي في تونس.

مشاهد الدعارة والانحراف لا تنقطع عن الإعلام التونسي إلى درجة يصعب فيها على العائلة التونسية المعتدلة ـ لا المحافظة ـ مشاهدة البرامج التونسية مجتمعة بسبب الفجور الكبير الذي تحتويه ومشاهد العُري الفاضح والجنس المغلف الذي يدخل البيوت دون استئذان بدعوى الحداثة الزائفة والتحرر الكاذب.

لم يخطئ أحدهم عندما أدرج كثير من إعلام تونس ـ الذي تسيطر على برامجه الترفيهية شركات صهيونية مشهورة ـ ضمن نواقض الوضوء في تلميح واضح لحجم السموم التي ينفثها هذا المرفق العمومي يوميا في وعي المواطن البسيط وهو نفس المواطن الذي يدفع من جيبه الفقير معلوم خلاص حبل المشنقة الذي يلفّ حول رقبته وحول مستقبل أبنائه.

إن تحرير المنابر الإعلامية من ” دواعش اليسار ” ـ كما يسميهم الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي ـ ومن نُخب بن علي الثورجية الكاذبة هو الخطوة الأولى للقضاء على التطرف والإرهاب لأن أخطر الأشكال المنتجة للمجموعات التكفيرية ولجماعات العنف المتنقل هو العنف الرمزي المغلّف الذي يستهدف أقدس مقدسات الإنسان العربي وقيمه.

عربي 21

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: