995043_596913763662661_195146106_n

” إفلاس الدولة: عجز عن وظيفتها و خلق لأضدادها ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

دقت ساعة المحاسبة و كل تأخير في هذه المحاسبة هو مزيد من الإجرام في حق البلاد و الأمة.. دقت ساعة المحاسبة للنظام الجاثم على صدورنا لستة عقود و الذي لم يُقنع العقول و لم يَسكن قلوب الناس و ظل حالة عدوانية ماكرة يرتعب منها الجميع و يسعون بكل الطرق إلى تحايل عليها و التمويه للبقاء بالأقل على قيد الحياة و على قيد الرمق الأخير من الكرامة.. و اليوم اليوم صار الدرس لهذا النظام أبلغ و الإستنتاج أوضح و التصريح بالحكم عليه مع حيثيات الجريمة جاهزا و مفصلا، فقد بلغ الوسط السياسي حدا مروعا من العجز و الفوضى لا يقدر على معالجة أي قضية و حل أي مشكلة.. و أصبحت تونس الخيرة و الطيبة رهينة هذا العبث السياسي و التشريعي بيد ثلة تمثل النتاج و الحاصل الطبيعي للتهور و الغطرسة و التكبر البورقيبي الذي غفر لفرنسا استعمارها و لم يغفر لتاريخ الأمة لا في القليل و لا في الكثير، الذي احتقر حضارة الأمة و تبنى نقيضا لها سياسة التغريب مع ما يلزمها من تخريب للعلاقات و المفاهيم.. بورقيبة الذي احتقر الشعب و سماه “قبضة من غبار” و قال للناس (لو أعطيتموني أعينكم ما كفيتموني) و أشاع فيهم و انتشى بشعار يومي أصم الآذان(بالروح بالدم نفديك يا بورقيبة).. عار تاريخي ثقيل و مذلة ممدة و ممططة قتلت حيوية شعب و أمة و ممكنات سياسية عريضة.. و الآن لنعدد مراحل الفشل و الإفلاس لهذا النظام المتغطرس الظالم المظلم عبر عقود و سنركز على الفشل و العجز الذي وصلت إليه الدولة اليوم بعد الثورة، و هو عجز يؤذن بخراب العمران و يقتضي منا عدم المجاملة و لا المهادنة و لا المداراة و لا التأجيل فالأمر خطير و مصيري و نحن على شفا جرف هار.

1- مرحلة الإنقلاب القيمي البورقيبي: و الذي كان حادا و حاسما و قاسيا و كان باسم دولة الإستقلال و “شرعيتها” إذ واجه بورقيبة بل حارب أمهات القيم الإسلامية و سخر منها و صورها متخلفة و سمى الشريعة الإسلامية في جملته المشهورة(جوادا خاسرا) و تجرأ على جامع الزيتونة الضامن لثقافة الأمة قرونا و تجرأ على نخبته المثقفة و سخر منهم في خطبه و قام بحملة شعواء لاجتثاث الكتاتيب و لاحق القائمين عليها في كل مكان (حملة الدكتور محمود المسعدي)، لقد كانت هذه المرحلة انقلابية صدامية دموية إلى أبعد حد احتقرت موروث الأمة و مبدأها و أبلغ مثال على ذلك دعوة بورقيبة الصريحة المتكررة إلى الإفطار في رمضان و ما نتج عن ذلك من احتجاجات شعبية في القيروان خاصة أدت إلى استشهاد خمسة أفراد و اعتقالات بالعشرات، و رمز هذه المرحلة في القمع يمثله معتقلا “صباط الظلام” و “بيت النعوشة” المرعبين.

2- زيف تجربة التعاضد و فشلها: في سياق المد الشيوعي العالمي في الخمسينات و الستينات و لامتصاص هذا المد و الالتفاف عليه تبنت كثير من الدول الغربية فكرة اشتراكية الدولة بديلا عن الإشتراكية المنهجية المبدئية التي من شأنها أن تطيح بالنظام الرأسمالي، و هذه الإشتراكية الهجينة هي مجرد اعتراض سبيل و إجراءات اجتماعية ترقيعية فوقية محاصرة من كل جهة بالأخطبوط الرأسمالي الذي سيستغل هذه التجربة وقتا مستقطعا و هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس الرأسمالية و امتصاص غضب المستضعفين.. هذه هي حقيقة اشتراكية الدولة أدرك العملاء الصغار ذلك أم لم يدركوا. و هكذا دخلت تونس منذ سنة 1963 تجربة التعاضد التي كانت تعتمد على فرض الأمر الواقع بالمراسيم و القرارات لا بالمفاهيم و القناعات فخلفت حالة من التعسف و الفوضى و صراعا صاخبا داخل الحزب الحاكم بين مؤيد و معارض أدى إلى مكائد من عائلة بن عمار أي عائلة زوجة الرئيس ضد الهادي البكوش و أحمد بن صالح.. و بلغ الزيف أقصاه فيما أورده الطاهر بالخوجة الوزير الأسبق في مذكراته إذ قال “كنا نعرض على بورقيبة عند زياراته للتعاضديات غلالا و ثمارا أتينا بها من السوق المركزية و نقدمها على أنها من إنتاج الفلاحين المتعاضدين و دليلا على نجاح تجربة نعلم علم اليقين أنها في مأزق”، و بلغ المأزق ذروته بالصدامات الشعبية مع قوات الأمن و الذي أدى إلى القتل في مساكن و الوردانين وسط غليان و احتقان عارمين.. و تأكيد لهذا الفشل تبرأ بورقيبة من أحمد بن صالح يده اليمنى و الوزير بخمسة مناصب أو كما يسمى(وزير كل شيء) و أدخل السجن بتهمة الخيانة العظمى مع ثلة من السياسيين، بل إن أحمد القديدي يقول”إن بورقيبة أمر بقتل بن صالح غيلة و لكن وسيلة بن عمار سهلت هروبه من السجن لتجنب المأساة”.. في أيام حالكة مرعبة صار فيها عامة الناس حيارى أعلن بورقيبة عن فشل هذه التجربة و صار النظام عدو نفسه و عدو منهجه المعلن الذي فاخر به قرابة العقد بل صار النظام عدوا لرجالاته و رموزه.

3- فشل التجربة اللبرالية الأولى: التي قادها الهادي نويرة و التي أدت بعد سياسة الانفتاح قوانين الإستثمار 72 سيئة الذكر إلى حركة عمالية واسعة ذات خميس أسود 26 جانفي 1978 أتت على الأخضر و اليابس و أدت إلى قتل ما يقارب 300 شخص مع خراب لا يوصف، زائد التكتم عن حقيقة القتل و الاعتقالات العشوائية الواسعة و هو تكتم مستمر إلى يومنا هذا. كانت هذه الإهتزازات بُعيد إعلان بورقيبة نفسه -دستوريا- رئيسا مدى الحياة رغم التاريخ و رغم السياسة و رغم تبجحه بالنظام الجمهوري و رغم أنه و حزبه لا يملك موطئ قدم في الكليات و الجامعات.

4- فشل التجربة اللبرالية الإصلاحية مع محمد مزالي: و التي اتسمت بالفساد و الإفلاس إلى حد أن مدخرات البلاد من العملة الصعبة لم تعد تكفي لتغطية صادرات 7 أيام.. مع انتفاضة نقابية كبرى أدت إلى اعتقالات واسعة وصلت إلى حد اجتثاث القيادات التاريخية للاتحاد العام التونسي للشغل، و هذه التجربة المزعومة إصلاحية استهلت بانتخابات مزيفة سنة 1981 تندر بها القاصي و الداني، أما علامة الفشل الفارقة لهذه المرحلة فهي ثورة الخبز جانفي 1984 التي شملت البلاد كلها و أدت إلى مواجهات عنيفة و إلى قتل المئات و قد أراد بورقيبة حينها توريط الجيش مع الشعب في صدام كان يمكن أن يكون مروعا و ما زاد الطين بلة هو تورط وزير الداخلية إدريس قيقة في تعفين الأجواء لإسقاط مزالي بإيعاز من وسيلة بورقيبة.. و هكذا لم يعد للنظام ما يبشر به و لا حتى ما يموه به و أدخل البلد في صراع قذر قديم جديد تمثله أجنحة الحزب الحاكم حول خلافة بورقيبة العاجز العجوز الذي تحدى الجميع و قال(خلافتي لن تكون غدا، سأعيش للمؤتمر القادم) و أصبح رئيس الدولة متوترا متقلبا يقرر في الصباح و يبطل قراراته في المساء في بهتة من الجميع و ذهول.

5- الفشل الذريع لسياسة التغيير و وهم “التحول المبارك”: سئم الناس من دولة لا ثابت لها متناقضة يلعن بعضها بضعا، بين ناسخ و منسوخ.. و سئم الناس من حزب حاكم متحكم في كل صغيرة و كبيرة، متغطرس حصر الحكمة فيه و احتكر القيادة.. فعلا رغب الناس في التغيير بمفهومه الشامل و العميق و لكن “تغيير السابع من نوفمبر” كان من صلب نفس النظام و نفس الحزب و بنفس الوجوه أي كان رسكلة للباطل و الفساد أريد به التمويه و التنفيس فقط.. لذلك سرعان ما انكشف وجه النظام دكتاتوريا كالحا فاسدا لقبته الثورة فيما بعد بـ”عصابة السراق” و طالب الناس في صيحات مدوية بإسقاطه “الشعب يريد إسقاط النظام” لا مجرد اسقاط الرئيس و حزبه.. و فعلا كانت الثورة إدانة صريحة لدولة الفساد و إرهاب الدولة أي للنظام برمته و بما يستبطنه من غطرسة و انتهازية و تسلط و عجز عن رعاية شؤون الناس.

6- فشل تجربة الديمقراطية و التوافق بعد الثورة في وقت قياسي خلف عند الناس الإحباط و الخوف من المجهول و هذه التجربة بما هي امتداد طبيعي و منهجي للنظام الجمهوري هي أكبر مخادعة في تاريخ تونس لأنها زعمت الثورة و الثورية و مارست ضدها و عكسها و تفاخرت بالمحافظة على المكاسب -و أي مكاسب؟-.. لأجل كل هذه المخادعات و الخيبات بعد أمل عريض في الثورة صار الناس اليوم لا يهتمون بألوان الأحزاب الحاكمة و لا بخطاباتهم فكلهم بين سيء و أسوأ و عاجز و أعجز بلا بارقة أمل و لا طموح.. حكام جدد كبر عليهم أمر الثورة فعملوا على إلغائها و امتصاص حيويتها لينخفض الطموح الشعبي إلى مستوى رداءتهم بعد تيئيس الناس و تعجيزهم و تخويفهم المتعمد بغول الإرهاب (و التاريخ سيفضح مقدار التآمر في هذه المرحلة).
الدولة اليوم بعجزها الطبيعي و المصطنع يراد لها أن تكون بلا شوكة و لا غلبة فاقدة للإرادة و عاجزة عن تسيير هذه الإٍرادة.. و مع كل خطوة عجز تتولد على هامش الدولة القوى والوضعيات الموازية لها.. فالسياسة لا تحتمل الفراغ أي أن ما تعجز عنه الدولة يعبر عن نفسه على هامشها و بجوارها طفيليا و عشوائيا.. مثلا، مقادير المال الفاسد المتداول اليوم عادلت بل فاقت التداول الرسمي المعلن.. و الجريمة تنامت كما و نوعا (ما يقارب 150000 جريمة في السنة أي بمعد ثلاث جرائم كل ساعة)، و هذا معناه أن الجريمة تتحدى المنظومة العادية بجانبها التشريعي و الإجرائي و تتجاوزها، أي أنها تعبر عن فضاء آخر مواز من العلاقات و المعاملات و القيم (ناخذ حقي بيدي)، و التعليم الموازي الذي ينفق عليه التونسيون عشرات المليارات سنويا هو تأكيد ضمني على فشل المنظومة الرسمية و آلياتها و ضوابطها و هو ميلاد فضاء هامشي استثنائي يستحوذ رويدا رويدا على الأصل، و قل مثل ذلك عن الهجرة السرية بالآلاف و أضعاف أضعافها نوايا كامنة في صدور الناس، أليس في هذه الهجرة إعلان ضمني و شعبي عن رغبة في انتماء جديد مواز و معاش مواز جديد؟ و نظام مغاير جديد لا تشمله قوانين الدولة التي لا يكترث بها هؤلاء المهاجرون و لو كان أملهم في البقاء أحياء لا يتجاوز في الرحلة 10 بالمائة.. و التجارة الموازية بما هي خلق للثروة و توزيع لها وفق آلية يرفضها القانون و يمنعها، نراها تتنامى و تتحايل و تبتكر كل أنواع الإنفلات في قطاعات عريضة و حساسة لإشباع الجوعات و كفاية الحاجات، أليست هذه التجارة بهذا الحجم الهائل هي إعلان لا يقبل الرد على أن رعاية الناس لشؤونهم ذاتيا تخلق دولتهم الموازية الخاصة و تنجح في ما فشلت فيه الدولة الرسمية و تمثل إدانة للنظام.
فاضت على جوانب الدولة الفاشلة موازياتها و نقائضها و بدائلها بطريقة عشوائية و لكنها تلقائية لتشهد و تؤكد أن الهامش أقوى من الأصل و هو يتقوى كل يوم أكثر فأكثر و له مبرر وجوده و مبرر استمراره.. ثم و هذا الأهم، عجزت الدولة عن تطبيق الإسلام منهج حكم و اقتصاد و حياة و هذا الفرض هو من أهم وظائف الدولة تشهد به آلاف الآيات و الأحاديث، زائد أن الدولة فشلت في تبني خطاب إسلامي متماسك فقدمت برامج تعليم مسيخة و خطابا مسجديا ضحلا شاهدا على نفسه بالزور و النفاق.. لهذا الفشل و ذاك و هذا العجز و ذاك فاضت على جوانب الدولة و رغما عنها التعبيرات المناوئة الساخطة الرافضة للعلمانية و هي تعبيرات تمثلها حركات إسلامية بطابعها السياسي الكاسح و الشعبي أو بطابعها المتنطع و المتهور و كلاهما شاهد على عجز الدولة و فشلها في القيام بواجبها.

******************
إذن، ماذا بقي للدولة و قد فشلت و عجزت عن الأقصى و الأدنى و قصرت في المهم و الأهم؟؟ ماذا بقي لدولة كل وظائفها الطبيعية معطلة؟؟ ماذا بقي لدولة تعجز عجزا فاضحا عن تولي القضايا الأولية ذات الرمزية السيادية و التي هي في عرف الدول لا تنازل عنها و لا تفاوض فيها مثل:
-رفض الإملاءات الإستعمارية لصندوق النقد الدولي و البنك الدولي الذين يشرفان اليوم إشرافا شبه تام على اقتصاد البلاد و يمارسان شتى أنواع الوصاية.
– رد ثروات البلد (أو بالأقل مجرد إحصائها) لتكون ملكية عامة لصالح الشعب و الأمة و الجميع يعلم جبن هذه الدولة في الإشارة لهذا الموضوع و لو من بعيد و لو تلميحا.
إنه الإفلاس غير المعلن و العجز غير الموثق فالدولة تخلق كل يوم مزيدا من الموازيات لها أي ما يساوي السوق السوداء و المعاملات السوداء و القيم السوداء و الإرهاب الأسود، و تتأكد الفضيحة الكبرى حين نتأكد أن جهات نافذة في البلد و أشخاصا مسنودين مرعبين هم فوق القانون يمثلون لوبيات سوداء تهدد ما بقي من الدولة بسحب أموالها أو تحويل وجهتها، و تهدد، نعم تهدد ضمنيا بل تمارس الغدر و الإرهاب و الاغتيال الصامت و التصفية للحفاظ على مواقعها و مصالحها و التكتم على جرائمها و لأنها متمترسة و موازية فإنه لا يشملها نظر و لا تحقيق و لا حتى مجرد شبهة.. إنها القوة الموازية بامتياز. ماذا بقي من الدولة بعد أن عجزت منظومتها التشريعية العادية و سياستها المعلنة العادية عن الإيفاء بواجب رعاية شؤون البلاد و العباد.. بعد أن عجزت نراها تلاحق الموازيات بالقوانين الإستثنائية الشاذة القمعية كقانون الإرهاب و قانون حماية الأمنيين و العسكريين و قوانين الجباية التي تكشف السر البنكي و تبحث عن المال بالتمشيط و ملاحقة النوايا و هي بهذا تزيد الطين بلة و تولد مزيدا من الموازيات بل تولد أضدادها.. إن انكماش دائرة الدولة و تعويضه بمزيد من القمع و الغطرسة هو تسريع و دليل إضافي على انتهاء العمر الإفتراضي لهذه الدول المصطنعة و أنها فعلا في حالة احتضار.
يقول عبد الرحمن بن خلدون :”عندما تنهار الدول يكثر المنجمون و الأفاقون و المتفيقهون و الإنتهازيون و تعم الإشاعة و تطول المناظرات و تقصر البصيرة و يشوش الفكر”.
الأستاذ رضا بالحاج
في 26 أفريل 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: