إكرام مرسي و عقاب السيسي.. (مقال/ صلاح عبد المقصود)

إكرام مرسي و عقاب السيسي.. (مقال/ صلاح عبد المقصود)

أشرت في كتاباتي السابقة إلى نظرة الرئيس مرسي لقضية سيناء، طبقا لبرنامجه الانتخابي الذي حاز به ثقة الشعب، وعملت الحكومة على تنفيذه عبر مسارات ثلاثة:

الأول: إحداث نهضة وتنمية حقيقية يشعر بها المواطن السيناوي، وإشراك أهالي سيناء في القرارات التي تمس مصالحهم.

والثاني: العمل على بسط الأمن، وتماسك الجبهة الداخلية بسيناء باعتبارها بوابة مصر الشرقية التي عبر منها كل الغزاة على مدار التاريخ، ورأب الصدع الموجود بين بعض المواطنين وقوات الشرطة والجيش.

والثالث: تنفيذ الخطة الدعوية والدينية، والثقافية والاجتماعية، التي وضعها الرئيس في برنامجه، بهدف إعادة بناء وجدان المواطن السيناوي، ودمجه في وطنه الكبير، بعد شعوره بالاغتراب والتهميش لعشرات السنين.

وتحدثت عن زيارة الرئيس لسيناء لثلاث مرات خلال شهرين، وعن خطط الحكومة لتنمية سيناء وإقليم قناة السويس، وعن الخلاف مع قادة الجيش فيما يخص هذه الخطط، والعراقيل التي وضعت في طريق الحكومة لإفشالها، وكذلك الحملات الإعلامية المضادة التي نفذتها الأذرع الإعلامية للدولة العميقة.

وفي هذا الجزء أستكمل الحديث حول ما فعله الرئيس وحكومته لسيناء وأهلها، ثم أتبعه بما فعله قائد الانقلاب العسكري، وما آلت إليه الأمور الآن.

السماح بالتملك
عملت حكومة الدكتور هشام قنديل من يومها الأول على إرساء قيم العدل، ورفع الظلم الواقع عن بعض فئات المجتمع، ومنها أهالي سيناء، حيث عملت الحكومة جاهدة على إنصافهم، واستيعابهم، ودمجهم في المجتمع، وتنمية شعورهم الوطني، فأصدرت قانونا يسمح لهم بتملك الأراضي وإقامة المشروعات، وخصص الرئيس مرسي 200 ألف فدان لتوزيعها على الشباب السيناوي، و200 ألف فدان أخرى تخصص للشركات التي يمتلكها سيناويون، وغيرهم من المواطنين المصريين لإقامة مشاريع زراعية عليها، وقد جاءت خطوة الرئيس هذه ضمن برنامجه الذي استهدف استصلاح مليون فدان جديدة في سيناء والوادي الجديد، ووادي النطرون، وقد تم الشروع في تسليمها نظرا لتوافر المياه اللازمة لزراعتها.

وأسقط الرئيس الديون المستحقة على صغار الفلاحين، التي تقل قيمتها عن عشرة آلاف جنيه، وكان من بين هؤلاء حوالي أربعة آلاف مواطن سيناوي، تم إسقاط ديونهم التي بلغت 165 مليون جنيه.

وأمر الرئيس بتشكيل لجنة من الوزارات المعنية لوضع إستراتيجية تنمية وإعمار سيناء والتي رصدت لها حكومة الدكتور قنديل في عامها الأول 4.4 مليارات جنيه، وعطل تنفيذها الانقلاب العسكري.

وأصدر الرئيس مرسي قرارا بإعادة محاكمة 900 شاب من أبناء سيناء كانوا قد صدر عليهم أحكام بالإعدام والسجن المؤبد، وعقوبات أخرى، في محاكمات لم تتوفر فيها ضمانات العدالة حسب شكوى أهاليهم.

وقرر الرئيس السماح لأبناء سيناء -لأول مرة- بدخول الكليات العسكرية والشرطية، بعد منعهم من هذا الحق على مدى عشرات السنين، وفتح الرئيس مرسي المجال أمام أبناء سيناء للعمل في مختلف قطاعات الدولة، بعد أن كان بعضها محرما عليهم، وذلك اتساقا مع الدستور الجديد الذي صدر في عهد الرئيس، ونص على مبادئ المساواة والعدالة وحقوق المواطنة لكل المصريين دون تمييز عرقي أو ديني أو جغرافي.

نجحت سياسة الرئيس وحكومته في بناء قدر كبير من الثقة بين أهالي سيناء بزعمائهم وبين الرئيس وحكومته.

حيث بدأت سيناء تشهد هدوءا ملحوظا في العمليات الموجهة ضد جنود الحيش والشرطة. وبدأ الأهالي يتعاونون مع الدولة في ملاحقة الجماعات المسلحة، وتجلى هذا التعاون في نجاح مؤسسات الدولة ممثلة في الرئاسة والحكومة مع شيوخ سيناء في تحرير الجنود الخمسة الذين تم اختطافهم من قبل مجموعة مسلحة.

حيث رفع أهالي سيناء الغطاء عن هذه المجموعة فاضطرت إلى تحرير الجنود. وكانت تلك العملية بداية مشجعة لانحسار العنف والإرهاب الذي أيقن الأهالي افتقاده للمبررات المنطقية.

إرهاب دولة
وجاء الانقلاب الذي رفع شعار الحرب على الإرهاب في سيناء، ووعد المصريين بالقضاء على الإرهابيين في غضون شهرين، ومر الشهران، بل مر اثنان وعشرون شهرا ولم يفلح الانقلاب في القضاء على الإرهاب الذي زادت وتيرته، وراح ضحيته مئات الضباط والجنود. ولا يكاد يمر يوم إلا ويسقط فيه ضحايا من الجيش والشرطة من جهة، ومن المجموعات الإرهابية، بل ومن المواطنين الأبرياء من جهة أخرى.

وأصبحنا أمام إرهاب الدولة وإرهاب المجموعات المسلحة، وهو إرهاب لن تنتهي فصوله في المدى المنظور من واقع ما نتابعه في الأخبار كل يوم.

ومع هذا الإرهاب، الذي صنعه أولا الانقلاب، ضاعت التنمية في سيناء، وعمت الفوضى، والدمار، والقتل، والدماء!

لقد حرص عبد الفتاح السيسي فور إلقائه للبيان الذي أعلن فيه انقلابه على رئيسه، الذي رقاه من رتبة اللواء لرتبة الفريق، وعينه وزيرا للدفاع.. حرص على استجلاب الدعم الصهيوأميركي برفعه لشعار الحرب على الإرهاب في سيناء وتنفيذ الأجندة الإسرائيلية الأميركية الخاصة بتأمين الحدود مع الاحتلال الصهيوني، وقطع أي إمدادات عن الشعب
الفلسطيني في غزة، وإحكام الحصار على فصائل المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة المقاومة الفلسطينية، والتي باتت تواجه -مع بقية الفصائل المقاومة العدو -وحيدة- نيابة عن الأمة، بتواطؤ من بعض أنظمتها -وفي المقدمة النظام الانقلابي في مصر- مع الاحتلال الصهيوني، وليست وقائع الحرب الأخيرة على غزة منا ببعيد.

الدرجة الثانية
لقد تحررت سيناء وعادت إلى حضن الوطن، وفرح أهلها بزوال الاحتلال، لكنهم فوجئوا بنظام يعاملهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، منذ عهد مبارك، ثم المجلس العسكري، وأخيرا نظام السيسي الانقلابي. فلا وظائف، ولا تملك للأراضي التي يقيمون عليها، ولا انتساب لأبنائهم في الكليات العسكرية أو الشرطية بدعوى التشكك في وطنيتهم.

بدأ التعامل الأمني اللاإنساني على يد مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي عقب تفجيرات طابا في ٢٠٠٥، وقيام قوات الأمن بحملة اعتقالات واسعة، طالت خمسة آلاف شاب، تعرضوا للتعذيب والتنكيل بهدف الإرشاد على من قاموا بالعمل الإرهابي في طابا.

بل الأكثر من ذلك مداهمة بيوت بعض المطلوبين، وإن لم يجدوهم قاموا باحتجاز من فيها من الرجال والنساء والشيوخ لإجبار الشباب المطلوبين على تسليم أنفسهم للسلطات الأمنية، الأمر الذي سبب جرحا عميقا في نفوس أهالي سيناء الذين يعتبرون كشف ستر المرأة ناهيك عن الاعتداء عليها جريمة لا تغتفر.

ونصب مبارك وزبانيته محاكمات عاجلة لم تتوفر فيها أركان العدالة لتصدر أحكامها -حضوريا وغيابيا- بالإعدام، والسجن المؤبد، وعقوبات أخرى على المئات من أبناء سيناء.

ولم يكتف نظام مبارك بهذا، بل راح يضيق الخناق على أهل سيناء خصوصا سكان المناطق الحدودية بدعوى مساعدتهم لأبناء غزة، وإمدادهم بالمواد الغذائية والبترولية، ومواد البناء، إضافة إلى مساعدتهم في تهريب الأسلحة التي يواجهون بها الاحتلال الصهيوني.

فقامت حكومة نظيف بإنشاء منطقة عازلة على الحدود مع قطاع غزة بمقدار خمسين مترا، إلا أن ذلك لم يمنع إمداد أهالي سيناء لإخوانهم في غزة بمقومات الحياة تغلبا على الحصار الظالم الذي فرضه نظام مبارك على القطاع، فأصدر رئيس حكومته أحمد نظيف قرارا جديدا بإنشاء منطقة عازلة جديدة مع غزة بعرض مئة وخمسين مترا استجابة لطلب إسرائيلي أميركي، لكن الأهالي ثاروا على القرار ورفضوه.

وحاول مبارك -باقتراح أميركي إسرائيلي ومساعدة فنية من فرنسا- إنشاء جدار فولاذي عازل بطول أحد عشر كيلومترا وبعمق أربعين مترا تحت الأرض إضافة إلى تغذية الجدار بأنابيب تعمل على ضخ المياه على مدار الساعة للحيلولة دون شق أنفاق بين قطاع غزة وسيناء، إلا أن الجدار لم يكتمل بسبب المعارضة القوية من الشعب المصري ومن منظمات إقليمية ودولية لما سيسببه من أضرار بيئية كبيرة لأهالي غزة.

ما فشل مبارك عن فعله للصهاينة خلال ثلاثين عاما، حاول السيسي ومنذ اليوم الأول للانقلاب أن يقوم به، حيث أعلن الحرب على ما يسمى بالإرهاب في سيناء، ونسق مع الاحتلال الصهيوني لتأمين الحدود ومنع أية مساعدات من الأراضي المصرية لقطاع غزة. ودمر مئات الأنفاق التي كانت تمد أهالي غزة بما يعينهم على الحياة والتغلب على الحصار الظالم المفروض عليهم، وكذا إغلاق المعابر التي يمكن بفتحها الاستغناء عن هذه الأنفاق.. كما أخلى الانقلاب مدينة رفح الحدودية، لينشئ منطقة عازلة مع القطاع بعمق خمسة كيلومترات، قابلة للزيادة حتى أربعين كيلو مترا.

وإضافة لذلك قامت الطائرات المصرية بتدمير مئات البيوت والمزارع والعشش، وراحت قوات الجيش والشرطة تعيث فسادا وتخريبا في قرى أهالي سيناء بحثا عن الإرهابيين، وفرضت سلطة الانقلاب حالة الطوارئ، وحظرت التجوال في مدن وقرى شمال سيناء من الرابعة عصرا للسادسة صباحا، وعمدت إلى قطع الاتصالات الهاتفية، ونصبت عشرات الكمائن على الطرق الواصلة بين مدن سيناء، الأمر الذي تسبب في شلل الحياة الاقتصادية والسياحية وتحويل حياة المواطنين إلى جحيم.

فشل
ورغم كل الإجراءات التي فعلها الانقلاب إلا أنه لم ينجح، ولا أظنه سينجح في تحقيق الاستقرار في سيناء، فالجماعات المسلحة المناهضة له تشن العمليات ضد قواته وقوات الشرطة، وكبدته مئات القتلى من الضباط والجنود، ونجحت للأسف الشديد في اختطاف بعضهم وقامت بإعدامهم رميا بالرصاص، أو ذبحا بالسكين، في مشاهد تقشعر منها الأبدان، مبررين أفعالهم بما يقولون إن قوات السيسي تفعل ببناتهم ونسائهم وشبابهم ورجالهم مثل ذلك، والبادي أظلم كما جاء في القول المأثور!!.

وختاما ..
لقد ورد في الأثر: (رحم الله والدا أعان ولده على بره).
وورد فيه أيضا: (ملعون من استعق ولده) أي حمله على عقوقه بسوء معاملته له.
ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما حقق في شكوى أحد الآباء من ابنه، واستمع للطرفين، فقال للأب: (أجئت تشكو عقوق ابنك؟ لقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك).
خلاصة القول هنا هو أن العدل أساس الملك.
وأن الانقلاب هو الإرهاب!
والحمد لله.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: