إلى السيد فيصل بعطوط: لن تركعوا الإعلام من جديد ( بقلم ليلى العَوْد)

استغربت من خبر قرأنه في موقع الإخبارية التونسية مفاده أن الصحفي فيصل بعطوط سيقاضي موقع الصدى على نشر خبر يتعلق بوثائق من الكتاب الأسود تضمنت أسماء الإعلاميين الذين انخرطوا في المنظومة الإعلامية التي مارست مهنة تضليل الرأي العام وتلميع صورة المخلوع زين العابدين بن علي وهو ما قام به الصحفي فيصل بعطوط على الأقل في تصريح له اكتشفته الليلة فقط إلى جانب ذكر اسمه في الكتاب الأسود
رابط فيديو يتضمن تلميع صورة المخلوع من قبل بعطوط

https://www.facebook.com/photo.php?v=225443064294399
ولماذا يريد فيصل بعطوط مقاضاة موقع الصدى؟ أليست المعلومات التي نشرها الموقع نشرت في الكتاب الأسود وهي معلومات أصبحت ملكا للجميع ومن حقهم نشرها بكامل الحرية؟
فهل المراد تركيع الإعلام من جديد أم ماذا؟
وفيصل بعطوط يا قرائي لا أعرفه ولم أسمع به من قبل لا لشيء إلا لأني كنت عازفة عن متابعة الإعلام البنفسجي خاصة المقروء والمرئي ليقيني أنه إعلام يعمل على تفريغ المتلقي من مضمونه الروحي والثقافي والأخلاقي وعلى تلميع صورة النظام
وقلة من الإعلاميين من علقت أسماؤهم لسبب أو لآخر في ذاكرتي مثل الإعلامي صالح الحاجة الذي رددت على مقال له بعنوان ” القنطرة هي الحياة ” قرأته بالصدفة سنة 2008 في بيت إحدى قريباتي وكان يلمع فيه ثقافة البناء في عصرنا ورآها انتصرت على ثقافة الهدم
وكان في مقاله يمدح بناء قنطرة ” أبو نواس” بتونس العاصمة ودعا القراء أن يذهبوا إلى هذه القنطرة ليروا كيف انتصرت ثقافة البناء في تونس
غلت الدماء في عروقي وأنا أقرأ ذلك المقال وتساءلت عن أي ثقافة بناء يتحدث صالح الحاجة ونحن في عصر آمن فيه الطغاة ببناء الحجر وهدم البشر ؟
ورددت عليه بمقال صدر لي بتاريخ 24 أفريل 2008 بعنوان ” ثقافة البناء وثقافة الهدم ” وقلت فيه:
اخترت أن أعلق على مقال تحت عنوان ” القنطرة هي الحياة ” خطه الأستاذ صالح الحاجة في جريدة الصريح بتاريخ جانفي 2008 ..
وفكرة مقال ” القنطرة هي الحياة ” خامرت السيد صالح عندما ذهب إلى قنطرة ” أبو نواس ” التي بصدد البناء بالعاصمة
ولترسيخ ثقافة البناء دعا الأستاذ صالح إلى ضرورة مد الجسور بيننا وبين كل مؤسسات المعرفة من مدارس ومعاهد ومكتبات وغيرها …ودعانا في نهاية المقال أن نذهب إلى هذه القنطرة لنتأمل مثله كيف انتصرت عقلية البناء عندنا على عقلية الهدم
وبما أن الظروف لا تسمح بالذهاب إلى هذه القنطرة فإنني أدعو الأستاذ صالح والجميع لنمد جسرا بيننا وبين مدرسة عظيمة نستمد منها المعرفة أيضا وهي مدرسة التاريخ ونقف عند عصر الفراعنة الذي أبقى الله لنا منه آيتين نتأمل منها ثقافة البناء والهدم
الآية الأولى تتمثل في الحضارة المادية وهي الأهرامات التي لم يؤثر فيها الزمان بتقلباته الطبيعية والبشرية ولا يستطيع الإنسان إلا أن يبقى مبهورا أمام مجهود أمة آمنت بثقافة البناء
أما الآية الثانية فهي القابعة في متحف مصر وهو فرعون زمن موسى عليه السلام وأحد بناة هذه الحضارة المادية والذي قال الله له :

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ”

فإذا ما تأملنا هاتين الآيتين فإننا نلاحظ أنه بقدر ما آمن الفراعنة بثقافة البناء – وقد قال فرعون زمن موسى عليه السلام
:وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ”

بل وتفاخر بحضارته المادية قائلا :

” أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ”

فبقدر ما آمن هؤلاء بثقافة البناء بقدر ما سعوا إلى ثقافة الهدم أيضا حيث هدموا أقدس ما يملكه الإنسان وكرمه الله به وهو الفكر …فقال فرعون لقومه مهدما فيهم الفكر ليسود فكره فقط :
” مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”
ومهدما فيهم عقيدتهم أيضا قائلا لهم :
مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي”
ليصبح الجميع عنده كالآلات مقتصرة على رفع مبانيه العالية وكالعبيد يطبقون نظاما شرعه على هواه وقائما على الظلم والجهل فحل محل المعرفة السحر والشعوذة والخرافة والعنف الذي تفشت معه ظاهرة القتل بين أفراد الشعب بسبب غياب العدالة الاجتماعية إلى أن انعدمت الأخلاق تماما وتهدم في الإنسان كل ما يثبت الانتماء للإنسانية
لأجل ذلك لم يكتب لهذه الجضارة الاستمرار وتهدمت ولم يبق منها إلا آيتان نسأل من خلالهما : هل نحن مع بناء الحضارة المادية أم مع بناء الإنسان أولا ؟ هذا الإنسان الذي إن هدم فيه الفكر والكرامة والأخلاق هدم كل ما حوله

هذا مقالي الذي رددت به على مقال الأستاذ صالح الحاجة الذي غفل عن البناء والهدم الحقيقيين في تونس وافتخر ببناء قنطرة و ساهم هو وغيره من الإعلاميين على إعانة المخلوع في هدم وعي وقيم وكرامة وعقيدة وهوية الإنسان عندنا

وأعود للسيد بعطوط وأقول له لن تقدر على   هدم الفكر فينا ولن يرعبنا تهديدك بمقاضاتنا لأننا كسبنا بثورتنا حرية لسنا مستعدين في التفريط فيها ومن حق أي وسيلة إعلام النفاذ إلى المعلومة ونشرها بحرية ونصيحتي لك ولغيرك أن تعتذروا للشعب وتبدوا استعدادا لبناء الإنسان فينا من جديد وتعملوا ضد كل من سيحاول العبث بحريته وحقوقه وكرامته وفكره عسى الله أن يغفر لكل من ساهم بوعي أو بدون وعي في منظومة الفساد والإفساد
فاليوم وبعد الثورة يتباكى إعلاميو بن علي حرية الإعلام و يطلقون صيحة فزع من محاولة تركيع الإعلام وهي مغالطة منهم  في زمن لم يشهد فيه الحقل الإعلامي منذ عقود مثل هذا المناخ من حرية وصلت إلى حد عدم تفريق بعض الإعلاميين بين الحرية والفوضى

فلماذا يقفون إذن ضد حرية الإعلام ويهددون بالمقاضاة إذا مارس هذا أو ذاك حريته في نشر ما يراه  يستحق النشر ؟

لذلك أرى هنا أن الحرية التي يريدها إعلاميو المخلوع بن علي وإعلاميو الثورة المضادة هي حرية إعلامهم فقط وشعروا مع إحداث وسائل إعلام أخرى ببوار مادتهم الإعلامية والتفاف أغلب الشعب حول وسائل الإعلام البديلة لذلك اغتاظوا من التعددية لإعلامية التي أفرزتها الثورة ومن إحداث فضائيات ومجلات وجرائد ورقية ومواقع الكترونية أصبحت المنافس الأقوى إلى جانب الإعلام النوفمبري ….وهو إعلام لم يقدر بل ولا ينوي التخلص من سياسة التضليل وتسطيح الفكر والتعامل مع المواطن بشعار فرعون ” ما أريكم إلا ما أرى “…..وها أننا قد سمعنا المحامي الشريف الجبالي يقول في حصة نقطة نظام بقناة المتوسط مساء السبت 2 نوفمبر 2013 أن أغلب وسائل الإعلام يوجهها رجل الأعمال كمال اللطيف المطلوب للعدالة بتهمة التآمر على أمن البلاد وقد سجلت بينه وبين أغلب وسائل الإعلام مكالمات هاتفية منها 800 مكالمة بينه وبين جريدة الشروق

لذلك أرى أن الإعلاميين الذين يطلقون صيحة فزع من محاولة تركيع الإعلام هم من كسدت بضاعتهم ويعملون بطريقة أو بأخرى لتركيع الإعلام البديل إلى أجندتهم حتى لا يجد الشعب بديلا عن إعلامهم الذي لا يستطيعوا أن يقدموا فيه إلا ما يهدم إنسانية الإنسان

فلننظر مثلا ماذا فعل إعلاميو مبارك في مصر بعد الثورة وما فعلوه لا يختلف أبدا عن إعلامي المخلوع بن علي
ففي مصر لا ينكر أحد من الصادقين مدى الحرية الإعلامية التي تحققت في عهد الرئيس الشرعي الدكتور محمد مرسي حتى أن إعلامي مبارك أشبعوه شتما وسبا وتشويها وروجوا لإشاعات عن بيع المؤسسات الاقتصادية لقطر وغيرها من الإشاعات التي لا تختلف عن الإشاعات التي نسمعها من إعلام تونس المنحاز للثورة المضادة
ومع كل هذه المساحة من الحرية كانوا كذلك يتباكون على حرية الإعلام وأنهم لن يسمحوا بتركيع الإعلاميين ..وكأني بهم بهذا التباكي يرسلون رسائل للسياسيين بالغرب وللمنظمات الحقوقية العالمية أن الحريات ومنها حرية الإعلام مهددة في ظل حكومة إسلامية ….
ولكن ومع الانقلاب الغاشم الذي قام به السيسي وإغلاق العديد من القنوات والجرائد والمواقع الالكترونية على إثره لم نسمع من هؤلاء الإعلاميين ولا كلمة واحدة تندد بهتك السيسي لحرية الإعلام بل تنفسوا الصعداء من إغلاق تلك القناوات والجرائد وأبدوا حتى شماتتهم في إعلامهم الفاسد والمشؤوم على الشعوب
وأنا على يقين لو وصل للحكم في تونس من يقوم بمثل ما قام به الانقلابي السيسي في مصر من قمع لوسائل إعلام وإغلاقها فسوف لن نسمع بكاء على حرية الإعلام ولن تتم دعوة إلى إضراب عام
بل لماذا ننتظر وصول من يركع حرية الإعلام من جديد لنكتشف زيف إعلامي المخلوع بن علي ؟
فها أن مداهمة أمنية  وقعت لقناة المتوسط كتحضير نفسي لإغلاق قنوات ووسائل إعلام في المستقبل وها أن نقابة الصحفيين لم تسارع لإعلان إضراب عام على إثر هذه المداهمة بل حتى من قبل هذه الواقعة لم نسمع كلمة تنديد واحدة من هذه النقابة عندما حاول المنسّق الجهوي لحركة تمرّد المدعو حمدي بن صالح قتل مراسل موقع الصدى بسوسة أو عندما تعرض صحفيون محسوبون على قناوات الثورة إلى عنف في مظاهرات تقودها المعارضة.

لذلك أقول لإعلامي بن علي كفوا عن استيبلاه الشعب وتباكيكم على حرية الإعلام والإبداع واقلعوا عن حلمكم بتركيع الشعب من جديد لإعلامكم… وأولى لكم أن تحترموا وعي المتلقي وتقدموا له مادة إعلامية ترتقي بالوطن ومشاغله وتقرب أبناء الشعب ولا تفرق وتعيد بناء الإنسان بعد مساهمة إعلامكم في تسطيح فكره وتمييع معرفته وثقافته وتغييب الحقائق عنه وتلميعكم لمن ترضون عنه من السياسيين .

أنهي مقالي بقول عار على الإعلامي فيصل بعطوط لما يهدد بمقاضاة موقع حر بعد الثورة لمجرد نشر معلومات أصبحت ملكا للجميع ومن حقهم نشرها بعد صدور الكتاب الأسود

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: