إلى صالح الحاجة: لطالما تباهيت بثقافة البناء عند بن علي… لقد فضحتكم دماء المطماطي تحت جسوركم (بقلم ليلى العَوْد)

أعادني سماع مأساة دفن الشهيد كمال المطماطي – أحد ضحايا النظام النوفمبري القمعي – داخل خرسانة أسفلتية لإحدى قناطر تونس إلى مقال قرأته في العام 2008 للإعلامي صالح الحاجة تحت عنوان ” القنطرة هي الحياة ” قال فيه أن فكرة كتابة مقاله خامرته عندما ذهب إلى قنطرة كانت وقتها بصدد البناء بالعاصمة .

ودعا الحاجة القراء في مقاله إلى الذهاب إلى هذه القنطرة لضرورة مد الجسور بيننا وبين كل مؤسسات المعرفة من مدارس ومعاهد ومكتبات وغيرها ولنتأمل مثله كيف انتصرت عقلية البناء في تونس ” النوفمبرية ” على عقلية الهدم .

وقد رددت على مقال الحاجة بمقال تحت عنوان ” ثقافة البناء ..وثقافة الهدم ” بمجلة شمس الجنوب بتاريخ 24 أفريل 2008 بينت فيه أن البناء الحقيقي هو بناء الإنسان و ليس بناء الحضارة المادية فحسب .

ومما جاء في مقالي :

” بما أن الظروف لم تسمح بالذهاب إلى قنطرة ” أبو نواس ” فإنني أدعو الأستاذ صالح الحاجة والجميع لنمد جسرا بيننا وبين مدرسة عظيمة نستمد منها أيضا المعرفة , وهي مدرسة التاريخ لنقف عند عصر الفراعنة الذي أبقى لنا الله منه آيتين نتأمل مهنما ثقافة البناء و ثقافة الهدم .

الآية الأولى تمثل الحضارة المادية وهي الأهرامات التي لم يؤثر فيها الزمان بتقلباته الطبيعية والبشرية ,ولا يستطيع الإنسان إلا أن يبقى مبهورا أمام مجهود أمة آمنت بثقافة البناء .

أما الآية الثانية فهي القابعة في المتحف المصري بالقاهرة وهو فرعون زمن موسى عليه السلام و أحد بناة هذه الحضارة المادية والذي قال الله له ” فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ – يونس – 92“

 فإذا ما تأملنا هاتين الآيتين فإننا نلاحظ أنه بقدر ما آمنت الأمة ” الفرعونية ” بثقافة البناء – وقد قال فرعون : ” يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ – غافر – 36“ بل وتفاخر بحضارته المادية قائلا : ” أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ – الزخرف – 51“ – فبقدر ما آمن هؤلاء بثقافة البناء بقدر ما سعوا إلى ثقافة الهدم حيث هدموا أقدس ما يملكه الإنسان وكرمه الله به وهو الفكر ..فقال فرعون لقومه مهدما فيهم الفكر ليسود رأيه فقط ” مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ – غافر – 29“ ومهدما فيهم عقيدتهم أيضا قائلا ” مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي – القصص – 38 ” ليصبح الجميع عنده كالآلات مقتصرة على رفع مبانيه العالية وكالعبيد يطبقون نظاما شرعه على هواه وقائما على الظلم والجهل ليحل محل المعرفة السحر والشعوذة والخرافة والعنف الذي تفشت معه ظاهرة القتل بين أفراد الشعب بسبب غياب العدالة الاجتماعية إلى ان انعدمت الأخلاق تماما وتهدم في إنسان ذلك العصر كل ما يثبت الانتماء للإنسانية  …و لأجل ذلك لم يكتب لتلك الحضارة الاستمرار وتهدمت ولم يبقى منها إلا آيتان نسأل من خلالهما ” هل نحن مع بناء الحضارة المادية أولا أم مع بناء الإنسان ؟ …هذا الإنسان الذي إن هدم فيه الفكر والكرامة والأخلاق هدم كل ما حوله . ( انتهى مقالي ثقافة البناء ..وثقافة الهدم )

واليوم وكما دعوتنا يا أستاذ صالح الحاجة لنتأمل عبر قناطر السابع من نوفمبر كيف انتصرت ثقافة البناء ندعوك الآن – إن فُتحت بصيرتك – إلى الذهاب إلى كل قناطر تونس لتتأكد أولا أن ثقافة هدم الإنسان بفكره وعقيدته وكرامته وأخلاقه هي التي انتصرت في العهد البائد ثم لتبحث معنا عن جثة الشهيد كمال المطماطي علها تكون في خرسانة هذه القنطرة أو الأخرى -ولعلنا سنجد جثثا أخرى لشهداء – ثم لتتأكد في النهاية أن ثقافة البناء المادي تهدمت كليا عند عهدكم البائد المجرم …فأي انتصار لثقافة بناء أقيم على جثث أحرار وشرفاء تونس ؟.

ملاحظة : لقد قمت بإرسال مقالي ” ثقافة البناء ..وثقافة الهدم ” لمقر جريدة” الصريح”  في العام 2008 وبقيت مدة لا أعلم إن نشره الأستاذ صالح الحاجة أم لا لأني لا أقتني جريدته بل وكل جرائد تونس في العهد البائد  ..فمقاله ”القنطرة هي الحياة ” عثرت عليه عند إحدى قريباتي … إلى أن شكرني الكاتب والمؤرخ الأستاذ محمد الحبيب السلامي على مقالي الذي قرأه في ” الصريح ”

وإن نشر مقالي في ” الصريح ”  نقطة تحسب لصالح صالح الحاجة الذي آمل أن ينتصر لثقافة  بناء الإنسان من جديد في وطننا العزيز وهو بناء مازال مهزوزا ليومنا هذا .

ليلى العَوْد

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: