” إنتخابات باهتة وأسئلة حارقة ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

عزوف ظاهر من الشباب على الإنتخابات بلغ ما يزيد 85 بالمئة. و5ملايين من الذين يحق لهم الإنتخاب غير مكترثين بالأمر لا تسجيلا ولا إنتخابا.. وتجاوزات مرعبة في تمويل الحملات الإنتخابية. أما عن الإعلام في الأثناء فحدث ولا حرج والناس يتساءلون أي إستبلاه لعقول الناس هذا؟ وجبت المحاسبة لهذا النظام الجاثم على صدور الناس بالإكراه والتزييف منذ 1956
حكم بورقيبة البلاد باسم الديمقراطية و ترك البلاد خاوية على عروشها في دوّامة مرعبة وحكمها باسم جمهورية رئيسها فوق الانتخابات مدى الحياة لا مدى القدرة وفي عهده أقال “المجاهد الأكبر” و”القائد الأوحد” الوزير الأوّل الباهي الأدغم وسمّاه “راس لحم” و “نفس مومنة” بطريقة هازئة ساخرة ثمّ كانت من بعده نهاية الوزير الأوّل الهادي نويرة مأساوية كما صرّح الهادي البكوش.. ومن بعد جاء محمد مزالي الذي اتّهم بالخيانة والسرقات وفرّ بطريقة غير قانونية الى الجزائر وعاش قرابة عشرين سنة في المنفى. وكل هذه شهادات من النظام على نفسه بالفساد. وكانت أواخر أيام بورقيبة منذ سنة 1978 إلى 1987 مظلمة موحشة مليئة بالقتل و الدّماء و الاعتقالات و العذابات و دامت عنونة هذه المراحل القاتمة باسم الديمقراطية والجمهورية. ولأنّ بورقيبة “ديمقراطي” و لكنّه فوق الديمقراطية فلا حسيب عليه و لا رقيب قام بأكبر عملية تزييف انتخابات في التّاريخ المعاصر سنة 1981 التي لو أقرّت على وجهها لخرج حزب بورقيبة من الحكم خاسرا خاسئا ثم ترك بورقيبة البلاد في وضع اقتصادي كارثي مع وضع سياسي مأساوي ( أحداث قفصة الدموية و انتفاضة الخبز التي قتل فيها أزيد من 200 شخص و انتفاضة الطلبة و اعتقالات الإسلاميين و النقابيين بالآلاف)… ثم جاء حكم بن علي باسم الديمقراطية مرّة أخرى و أضاف صفة “ديمقراطي” لحزبه و تبجّح بدعوى التغيير و دامت الخديعة حوالي ربع قرن في ظلّ ما سمّي على نطاق واسع “العائلة المالكة” بفضائحها و فظائعها و حوّر الدستور و زيّف الانتخابات واختار الطاغية بن علي معارضيه وأهّلهم وموّلهم وربّاهم فأحسن تربيتهم و كان المشهد مقرفا إلى أبعد حدّ باسم الديمقراطية والانتخابات وخدع الشعب بأرقام عن المعجزة الاقتصادية تبيّن فيما بعد أنّها أرقام مدفوعة الأجر لجهات إعلامية وسياسية دولية.
الديمقراطية هي الثقب الأسود الذي يبتلع كلّ الإرادات
واليوم بعد أن ثار النّاس ثورة عارمة على هذا العفن الديمقراطي الانتخابي وقع وللأسف الالتفاف على إرادتهم لتصبح الديمقراطية مرة أخرى هي الثقب الأسود الذي يبتلع كلّ الإرادات ويمنع كلّ التغييرات ويمتص حيوية هذه الثورة وهاكم البيان:
1.وقع تنصيب “هيئة بن عاشور” ممثلا و قائدا وحيدا للثورة لترويضها و إفراغها من مضمونها و كانت تركيبتها عجيبة إلى أبعد الحدود إذ كان فيها ما يقارب 40 في المائة من حزب “التجديد” أو المقربين منه و هو الحزب الشيوعي الديكوري في عهد بن علي و شاهد الزور الذي أصبح اسمه الآن حزب المسار والمتحصّل في الانتخابات الأخيرة على نتيجة مخجلة..نعم هؤلاء و أمثالهم من حدّد مرحلة التأسيس و تحقيق الأهداف العليا للثورة حصريّا ؟
2.كانت كلّ هذه المرحلة الحساسة تحت إشراف رئيس الدولة الرّجل الثاني في دكتاتورية بن علي و نعني “المناضل المكافح الثائر المبدئي”” فؤاد المبزع”..رئيس البرلمان المزيف و كانت المراسيم الصادرة منه تتهاطل كالمطر و تشمل أخطر القضايا المفروض أنّها في ذمّة الثورة و هي مراسيم حدّدت المسار ودجنت إلى حد كبير الثورة.. ويا للمفارقة..
3.المسؤول عن إقرار شرعية الأحزاب من عدمها في ذلك الوقت هو قانون أحزاب بن علي في وزارة الداخلية وفقه تشكّل المشهد السياسي.. نعم “أحزاب الثورة” اعتمدت بإمضاء وزير الداخلية بقانون بن علي “الديمقراطي” إلى أبعد الحدود..
4.الدستور الذي وقع اقراره باسم الثورة كان بآليات مخالفة لطبيعة الدساتير.. فالدستور أم القوانين و لا يجب أن يخضع للمزاج الرّاهن و انّما هو من مستقرّات الأمة أي من انبثاقات عقيدتها بلا أنصاف حلول و لا تلفيقات و لا ترضيات بين أقلّيات او نكرات فضلا عن أنّ إقرار هذا الدستور كان محفوفا بالاغتيالات و مع كلّ اغتيال يغيّر مسار الدستور.. و فجأة أقرّت مواده حثيثا ببركات “التوافق” الغامض الذي لا يعلم آلياته حتّى من كان في المجلس التأسيسي فما بالك بالشعب الذي لم يعرض عليه الدستور لا قبل الاغتيالات و لا بعدها.. دستور يلفه الغموض ويتقطر بالدماء.
ديمقراطية مسلحة
ثمّ جاءت الانتخابات:
لو وقعت هذه الانتخابات بعد إقرار قانون تحصين الثورة قانون العزل السياسي بل المحاسبة و المقاضاة في حدّها الأدنى لكان شكلها غير هذا الشكل و مآلها غير هذا المآل فأهمّ من الانتخابات ما قبلها وشروطها وصيغتها..فالانتخابات شكل أقرّته حتى الدكتاتوريات و مارستها.. والانتخابات أقرّها الاستعمار و سمح بممارستها في بلدان يحتلّها.. والانتخابات مارستها ملوكيات وتزيّنت بها.
إذن الانتخابات لا تمدح لذاتها و لكن تقاس هذا القياس:
الأهم عند الأمة المبدئية هو المنهج هو فوق الاستفتاء الفتوى ثم تكون البرامج وهي من الأحزاب تقديرات وأولويات و محلّ تنافس بينها ثم يكون الرجال والأسماء وهي محلّ محاسبة ومتابعة هل هم ثقات قادرون أم لا؟ هكذا يكون سياق الإنتخابات الطبيعي.. أما انتخابات و كفى لأسماء وألقاب..وصفات ونعوت فعبث فوق العبث.
و لنبدأ من تصريحات راشد الغنوشي الأخيرة لجريدة “الخبر” الجزائرية إذ قال “لو رشّحت النهضة أحدا للرئاسة لوقع انقلاب أو إرهاب و اغتيالات و فوضى” و هذا تصريح مرعب و فاضح..فمن سيمارس الاغتيالات و الإرهاب؟؟ إذن هي انتخابات تحت الوصاية و الإكراه و الإقامة الجبرية..يا للهول.. وهذا أوّل بطلان الانتخابات وأوّل الشهادات الصريحة”الرسمية” بأنّ الإرهاب كما الانتخابات لعبة.. ألم يقل وزير الداخلية الأسبق الراجحي أنّ وصول حركة النهضة إلى الحكم يعني انقلابا جاهزا.. وما حدث بالجزائر غير بعيد عنّا في الزمان و المكان.
ضمنيات هذا التصريح ويا للفضيحة.. إن الذّين مارسوا الارهاب طيلة عامين هم الذين رفضوا دستورا بمقاس “النهضة” و حكومة بتسيير “النهضة” ورفضوا “قانون العزل السياسي”.. اذن نقول للأستاذ راشد الغنوشي وقد حكمتم البلاد مدّة: “هاتوا الحقيقة كاملة”.
-كيف نفسّر تحوّل خطاب الغنوشي 180 درجة من اعتبار “نداء تونس” أخطر على البلاد من السلفيين الى مطالبة الشعب بالاصطفاف وراء الباجي قايد السبسي وكيف تحوّل خطاب الغنوشي من التخويف من “التغوّل” المنتظر بعد فوز”نداء تونس” في الانتخابات التشريعية الى اعتبار أنّ الحكمة تقتضي أن يكون رئيس الدولة و رئيس الحكومة من حزب واحد من باب “الانسجام الديمقراطي” عفوا “الدكتاتوري”..،ألا يذكرنا هذا بقولة الشيخ المشهورة أيام الانقلاب النوفمبري:( ثقتنا في الله ، ثم في زين العابدين بن علي )؟
لك الله يا تونس،لك الله يا أمة الإسلام .. حيّرونا والله..
حقيقة “الإرهاب الكرافاتي” في تونس
-هذه الانتخابات أديرت وحدّد مصيرها مسبقا ب”التوافق” وإلا كيف نفسّر أنّ أكبر حملة انتخابية لصالح الباجي قايد السبسي قام بها الغنوشي على قناة “نسمة” في سابقة لا نظير لها.
السؤال الأكبر: هل وقع”التوافق” على التزييف بمعناه الواسع؟ تسمح لنا بهذا السؤال تصريحات كثيرة وما حدث من تزييف تسجيلات في قوائم انتخابية في صمت مطبق من الوسط الإعلامي والسياسي وغافل جماعي مقصود.. و قد علمتُ شخصيا ببعض هذه التزييفات وهي مرعبة وفضيحة فأحدهم قاطن بسوسة ولم يرسم في الانتخابات ولكنه وجد نفسه مرسم في قرطاج.. وآخرون شبعوا موتا منذ عشرات السنين هم على قوائم الانتخابات ويقال إن كثيرا من أسماء أمنيين وعسكريين مدونّة والعدد كبير.
-قادة من البلاد يعلمون حقيقة “الإرهاب الكرافاتي” في تونس و همّوا بإفشاء السر و لكن وقع إرهابهم ومنعهم من أحزابهم..إذن مالذي يجري في تونس؟ و من قبل أجرت “الجزيرة” تحقيقا بعشر ساعات عن حقيقة الإغتيالات لم تبث منه الاّ ساعة واحدة بعد تأجيل و تأجيل..مالحكاية؟
السؤال: هل وقع “توافق” على طي “حقيقة الإرهاب” هل وقع “توافق” على إعداد سيناريو الانتخابات بهذه الطريقة بدعوى أن الغاية تبرّر الوسيلة؟ ولصالح من؟؟ هل كانت زيارة الغنوشي لألمانيا بذلك التكريم والتبجيل هي زيارة “الحل والعقد”؟
-الأكثر عجبا أنّ السادة المتبجحين بالديمقراطية صاروا يعتبرون مجرّد الاعتراض لدى المحكمة الإدارية مضيعة للوقت وعملا أخرق.. بل لأول مرة في تاريخ البشرية يصدر حكم برفض الطعون قبل إنعقاد جلسة المحكمة ؟
ومن قبل عشنا سكوتا “حقوقيا” عن تزييف عشرات الآلاف من إمضاءات “التزكية” في مشهد مفضوح دون أدنى استنكاف و لا تراجع.. و تستمر تونس تحت التجريب والتخريب وبين التجربة والأخرى 23 سنة و تزيد.
وفي الأخير نتحدى “هيئة الانتخابات” أن تعيد فتح ملفاتها وأوراقها من الألف الى الياء أمام نظر محققين من العامة و الخاصة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: