إنقلاب و تحيّل 7 نوفمبر 1987…شهادات مثيرة و 23 سنة من الإجرام عرّتها الثورة

7 نوفمبر 1987/ 7 نوفمبر 2016، 29 سنة مرّت على إلقاء واحد من أكثر البيانات السياسيّة تأثيرا في المشهد العام و في مسارها التاريخي خلال العقود الأخيرة، هو نفسه أكبر بيان يحمل في طيّاته أكبر و أبرز عمليّة “تحيّل” و “إنقلاب” في تاريخ البلاد.

من بين 29 سنة، مرّت 23 سنة وراء خطوط الزيف المضمّن في بيان 7 نوفمبر 1987 و مارس إنطلاقا من ذلك نظام “السابع” كلّ عناوين التزييف و الفساد و الإستبداد غير أن المشهد الحقيقي لما يقع و للأوضاع كان خلف الكاميرا و بعيدا حتى أنظار كثير من التونسيين بحكم طبيعة النظام البوليسي الذي زيّف الأرقام و قمع معارضيه و قتل بعضهم تنكيلا و تعذيبا ناهيك عن عشرات الآلاف من المهجّرين و الأمر لا ينتهي عند هذا الحدّ فحسب.

6 سنوات مرّت على ثورة أسقطت الشعارات الجوفاء و سياسات “رفع التحدّيات” و أنهت “عهد البنفسج” إلى حدّ ما على الأقلّ بالقطع مع الكثير من ممارساته و محاسبة عدد من رموزها و تجريم الكثير من سياساته و لكنها أيضا كشفت عن الصورة الحقيقيّة لتونس لا تلك التي تباع للزائرين أمام المتاحف و في المناطق السياحيّة.

الأهمّ في تونس أن سرديّة 7 نوفمبر 1987 و سرديّات العذابات طيلة 23 سنة من “عهد البنفسج و رفع التحديات” لا تزال مغيّبة كثيرا عن المشهد و عن الأذهان حتّى ترى اليوم من رضعوا من حليب “السابع” ينطّون بين الحين و الآخر متباهين بـ”إنجازات” لا علاقة للمخلوع و لا لنظامه أساسا بها.

شهادة الطبيب الخاص لبورقيبة:

عمر الشاذلي الطبيب الخاص للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة قال في كتاب اصدره بعيد الثورة التونسية باللغة الفرنسية، ان زين العابدين بن علي تآمر على بورقيبة الذي لم يكن عاجزا عن اداء مهامه عشية الاطاحة به في 7 نوفمبر 1987 بداعي المرض والشيخوخة.


وروى الشاذلي في كتابه “بورقيبة كما عرفته” تفاصيل كثيرة عن ليلة الانقلاب على بورقيبة وحلقات التحضير لهذا الانقلاب عبر سعي بن علي ومتواطئين معه في قصر قرطاج وخارجه الى توتير الاجواء في تونس للانقضاض على الحكم.

وقال الشاذلي طبيب بورقيبة لمدة اربعين عاما ومؤسس كلية الطب بتونس في 1964 ان “بن علي حاول إضفاء طابع قانوني على ما فعله، بتقديم شهادة طبية وقعها سبعة اطباء تم تسخيرهم ليلا من قبل النائب العام الهاشمي الزمال” واوضح ان “اربعة من هؤلاء الاطباء (عز الدين قديش ومحمد قديش والصادق الوحشي وعبد العزيز العنابي) لم يعاينوا بورقيبة منذ عدة سنوات”.


واضاف ان الاطباء الثلاثة الاخرين الموقعين على الشهادة الطبية “وهم اخصائي امراض القلب محمد بن اسماعيل وامراض المعدة الهاشمي القروي والرئة عمارة الزعيمي الذين كانوا يزورون بورقيبة مرة في الاسبوع او بطلب منه وضعوا تواقيعهم الى جانب الاربعة الاخرين على الشهادة” مشيرا الى ان هذه الشهادة لم تحمل توقيعه ولا توقيع احمد الكعبي الذي كان تولى مهمة الطبيب الخاص لبورقيبة بين 1970 و1978.

واضاف انه منع يوم انقلاب بن علي من معاينة بورقيبة ودخول قصر الرئاسة ولم يتمكن من رؤية بورقيبة الا في 12 نوفمبر في مرناق (جنوبي العاصمة) حيث قال له لما رآه “سيدي الرئيس انها الخيانة” فرد بورقيبة “لا انه الغدر”، بحسب ما جاء في الكتاب.

وشرح عمر الشاذلي باطناب في كتابه كيف عمل بن علي واعوانه بين جويلية 1986 ونوفمبر 1987 على تعكير الاجواء في تونس كمقدمة للانقلاب واوضح كيف بدأ التشدد الامني في البلاد واصدار الاحكام الجائرة والايقافات التعسفية للمعارضين والتضييق على الحريات العامة وحملات التفتيش والمضايقة علاوة على تعفين الاجواء في المدارس والمعاهد والجامعات كما عمد بن علي الى تهويل خطر تواجد الاسلاميين وتعمد اثارة المشاكل بدل حلها.

واشار الشاذلي في هذا السياق الى رسالة وصلته في اكتوبر 1987 تضمنت “تحذيرا من تصرفات مشبوهة للجنرالين بن علي والحبيب عمار (آمر الحرس الوطني حينها)” واوضح انهما “كانا يعطيان اوامر غير مقبولة بتفتيش عشوائي للسيارات مهما كان صاحبها والمنازل وكسر الابواب وتمزيق الحشايا والاساءة للنساء والاطفال واطلاق النار على متظاهرين سلميين”.

شهادة رفيق الشلي:
رفيق الشلّي المدير العام لأمن رئيس الدولة و الشخصيات الرسمية عاد بذاكرته الى الساعة منتصف الليل و15 دقيقة من ليلة 6 ـ 7 نوفمبر 1987 عندما رنّ هاتف منزله، ولما رفع السماعة وجد بن علي (الوزير الاول ووزير الداخلية آنذاك) على الخط ليطلب منه الحضور فورا لوزارة الداخلية وعلى الساعة منتصف الليل و45 دق كان الشلي قد دخل الى مكتب الوزير (بن علي) ووجد إلى جانبه صلاح الدين بالي وزير الدفاع والجنرال بركات والجنرال الكاتب وكانوا في حالة سكوت تام، وعلى المكتب كان الهادي البكوش يملي على شخص آخر قائمة الوزراء الجدد…

ويواصل المتحدث شهادته بالقول إنه بمجرّد دخوله الى المكتب طلب منه بن علي مرافقته إلى قاعة الانتظار المحاذية ليفصح له عن «أمر مهمّ» ثم طلب من حبيب عمّار (مدير عام الحرس الوطني آنذاك) الالتحاق بهما…

في قاعة الانتظار، أسرّ بن علي لرفيق الشلي بأنه ينوي إقالة بورقيبة بسبب حالته الصحية وسنّه المتقدمة وعدم قدرته على قيادة البلاد وتمسّكه بقرارات غريبة لا تتماشى وهيبة الدولة… وبأنه (بن علي) سيأخذ بزمام الأمور وسينقل بورقيبة لإقامة دار الهناء بصفاقس مرفوقا بطبيبه وخدمه وحرّاسه للمحافظة عليه… ثم واصل بن علي القول «في بلدان أخرى، لا يتركون الرئيس المقال حيّا» وأشار بسبّابته الى حلقه (بمعنى القتل)، عندها تأكد رفيق الشلي ـ على حد قوله ـ من جديّة القرار بعد أن ساورته في البداية شكوك بأن ما يقوم به بن علي آنذاك هو «مسرحية» لاختبار وفاء المتحدث في حراسة بورقيبة وقصره (وهذه الطريقة في العمل ـ الاختبارات ـ معروف بها بن علي).

لم يجد الشلي غير الردّ على بن علي بأنه يعي تمام الوعي ما آلت إليه حالة بورقيبة وأنه مستعد لتنفيذ كل التعليمات… فقال له بن علي «مهمتك هي سحب الحراسة والمراقبة المتمركزة بالقصر وسحب السلاح من الأعوان في هدوء وحفظه وتسليم الحراسة الى حبيب عمّار وأعوانه».

توجّه رفيق الشلي وحبيب عمّار على متن سيارة هذا الاخير الى قصر قرطاج ورافقهما عون آخر. ويقول الشلي في هذا المجال إن حبيب عمار اقترح أن ترافقهما ـ من ثكنة العوينة ـ القوات التي ستحلّ محلّ حرّاس القصر، لكن رفيق الشلي طلب أن يكون ذلك في ما بعد حتى لا يحدث عصيان من أعوان الحراسة داخل القصر… فوحدات حراسة القصر مطالبة في أداء مهامها بأن لا تستجيب لأوامر رئيسها (مديرها) إذا كان مرفوقا بقوة أمنية أو عسكرية (لأنه قد يكون آنذاك تحت التهديد)… فقبل حبيب عمّار بذلك، وطلب من قواته أن تلتحق بالقصر بعد حين (عند الإذن لها)… وواصل الشلي وعمّار طريقهما إلى قصر قرطاج وبمجرد وصولهما إلى الباب الرئيسي فتح أعوان الحراسة الباب أمام السيارة بعد أن طلب منهم مديرهم (الشلي) ذلك… ثم نادى المتحدث على آمر الكتيبة (مكلف بالإشراف على كامل حراسة القصر) الذي حل بالمكان وأدى التحية لمديره، فطلب منه هذا الأخير سحب الحراسة وإبقاء الأعوان داخل الثكنة وحفظ السلاح… غير أن آمر الكتيبة أعاد التحية وقد بدت عليه علامات الإستفهام ثم قال وقد تصبب جبينه عرقا «لا يمكنني تنفيذ هذه التعليمات سيدي المدير…».

في تلك الأثناء ـ يقول رفيق الشلي ـ صاح حبيب عمار «من هذا الضابط؟» وتظاهر بسحب مسدسه من حزامه… فما كان من الشلي إلا أن طلب منه الهدوء (خوفا من حصول ارتباك في صفوف أعوان الحراسة وحصول ما لا تحمد عقباه على غرار عصيان أعوان الحراسة الأوامر وإمكانية حدوث مواجهة تسيل فيها الدماء)… ثم توجه الشلي مرة ثانية لآمر الكتيبة وخاطبه بلهجة صارمة وحادة «عليك بسحب الحراسة حالا… وهذا أمر»… فأدّى له الآمر التحية وقال له «أمرك سيدي المدير» وشرع في تنفيذ ما أمر به…

ويضيف المتحدث أنه لم يكتف بذلك بل اتصل ببقية مسؤولي الحراسة في القصر وطلب منهم تنفيذ الأمر نفسه إضافة إلى الاتصال برئيس فريق المراقبة المقربة (أعوان الشرطة)، ووقع التنفيذ في وقت قصير وانسحبت كل حراسة القصر مثلما تم التخطيط له وسحب من الأعوان السلاح، وحلت في الأثناء الوحدات المختصة للحرس الوطني التابعة لحبيب عمار… وبالتعاون مع مسؤولي الحراسة السابقة العاملين تحت إمرة رفيق الشلي تمت مساعدة أعوان الوحدات المختصة للحرس (التي يحمل أعوانها لثاما على الوجه) على التمركز في كل نقاط الحراسة العادية، وكل هذا، حسب محدثنا، دون أن يتفطن أي كان ممن كانوا داخل القصر (بورقيبة وحاشيته والخدم) إلى ما حصل…

ويختم المتحدث بالقول «آنذاك، وبعد أن تيقنت من أني أتممت مهمتي كاملة في كنف الهدوء قلت لحبيب عمار الآن القصر في عهدتك ثم إتصلنا ببن علي وأعلمناه بالأمر…

الإنفجار:

23 سنة من الحيف و الظلم و الفساد و الإستبداد دجّن فيها بن علي و نظامه المستبدّ كل وسائل الإعلام و النخب و إنقسم معارضوه و منتقدوم بين الموضوعين تحت المراقبة الإدارية و الإقامة الجبرية في السجن الكبير و المساجين في “معتقلات” مورست فيها أبشع جرائم و أنواع التنكيل و مجموعة ثالثة من المهجّرين.

23 سنة أرست فيها دولة البوليس سياسات الخوف و الرعب للإبقاء على المخلوع في القصر و للحفاظ على نفوذه و بعض من المقربين منه على حساب وطن برمّته و ملايين من الضحايا لا تراهم الدولة إلاّ في محافل التصفيق و التهليل، و تم تزييف كل شيء و هذا ليس بأمر صعب على من زيّف وثيقة الإنقلاب على الحكم نفسه.

ظلم و فساد و إستبداد و حجم إجرام دولة البوليس و الفساد و الإيتبداد طيلة 23 سنة إنتهى إلى إنفجار كبير كان منتظرا في السنوات الأخيرة بعد أن ضاف التونسيون ذرعا بما يرتكبه النظام من جرائم فكانت أحداث المتلوي و الحوض المنجمي مجرّد إنذار تلتها 17 ديسمبر و كان الإنفجار.

أنهت الثورة التونسيّة زمن الزعيم الواحد و الحزب الواحد و كشفت للجميع حجم الظلم و الفساد و المأسات التي تعاني منها البلاد و لا يزال طريق المسار السياسي للقطع مع تلك الممارسات و العقليّة و الثقافة الإستبداديّة الإقصائية يحتاج إلى المزيد من قواعد و شروط النجاح رغم ما حقّقته البلاد في السنوات الستة الأخيرة.

أمّا بن علي فقد إنتهى به الأمر فارا من شدّة الذعر و هو الذي صدرت ضدّه أحكام بالسجن و خطايا مالية في العديد من القضايا المرفوعة ضدّه و لا يزال أغلب ضحاياه ضحايا تجاذبات سياسيّة في الداخل و ضحايا تأخر العدالة الإنتقاليّة.

المصدر: أخبار الساعة

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: