ابو يعرب المرزوقي :خطة السابع من نوفمبر.. البدء برئاسة الحكومة ؟

خطة السابع من نوفمبر: البدء برئاسة الحكومة؟ – أبو يعرب المرزوقي

27 octobre 2013, 12:55

                            خطة السابع من نوفمبر: البدء برئاسة الحكومة؟

أبو يعرب المرزوقي

                                                                                                  تونس في 2013.10.27

 

                 الثورة المضادة و حقن الانقلاب بالتقطير

 

أبدأ بما يترتب على النتائج التي تستنتج من معايير المعارضة لاختيار رئيس الحكومة في قسم أول ثم أثني بهذه النتائج لأختم بالدليل على أنها تالية حتما عن طبيعة المعايير التي يريد المعارضون فرضها. فقد سبق أن تكلمت أمس على معايير اختيار رئيس الحكومة لبيان المطلوب حقا خلافا لما تقدمه المعارضة. وسيكون الدليل مستمدا من جنس التحديد الذي اختاروه: فهو قد فضح كل نواياهم بعد أن تجاوزت مرحلة النية إلى مرحلة الفعل:

وإذن فسأبدأ بالعلاج المقترح في قسم أول.

 لأثني بالنتائج التي استخرجتها من هذه النوايا الأفعال في قسم ثان.

 لأختم في قسم ثالث بالتعليل من منطلق تحليل المعايير المقدمة منهم.

 

              القسم الأول :  العلاج المقترح للحسم مع الانقلابيين

 

كنت ولا زلت من دعاة تقديم المصالحة على المحاسبة حتى تكون الأولى محددة لمناخ تحقيق الثانية استئناسا بما فعله الرسول الأكرم بعد فتح مكة واستحسانا لتجارب الشعوب التي سبقتنا في تحقيق المصالحة كما نصح بذلك الرئيس مانديلا.

لكن ذلك لم ينجح بل إن بعض ما حصل منه أمد الثورة المضادة بعنجهية غير مسبوقة حتى صار سلوكها غير قابل للاحتمال لأنه يكاد يأتي على كل مقومات مهابة المؤسسات الشرعية: 

فهي تريد تكرار السابع من نوفمبر ظنا منها أن الثلاثي الحاكم رجل مريض مثل بورقيبة رحمه الله وتريد تحقيق نفس الانقلاب الذي حققه ابن علي.

 

لذلك فالأمل الوحيد الآن لإيقاف الانقلاب المحقون بالتقطير هو الحسم مع الانقلابيين بعد أن بلغ سعيهم ذروته واتضحت خطته ولم يعد ممكنا تجنب ما يخشى منه لأنه حاصل لا محالة وما لا يمكن تجنبه فالأفضل أن يكون بيدي لا بيد زيد.

وهذا الحسم يكمن في تحمل المجلس التأسيسي مسؤوليته النابعة من كونه السلطة الأصلية المنتخبة والإقدام على غاية العلاج أعني الكي: تحمل مسوؤليته و رفض الوصاية التي يراد فرضها عليه.

 

و العلاج الحقيقي الوحيد هو التالي:

1-فلا بد للمجلس أن يعلن رفض هذا المسار لأنه مسار إنقلابي على الديموقراطية وأن يصدر قانونا دستوريا – وله القدرة على توفير شرط الثلثين – يحدد المدة التي يحتاج إليها لإنهاء مهامه ويحدد فيه تواريخ المواعيد الانتخابية.

2-ولا بد أن يعلن بأن بعض الأنفار في النقابات الأمنية قد خرج على القانون”أور لا لاوا” لأنه تمرد على السلطة الشرعية وهدد بتحقيق مطالبه بقوة السلاح كما وضع التيماتوم للحكومة. ذلك أن الانتظار سيؤدي إلى منطق رد الفعل وهو منطق الخاسرين دائما.

3-ولا بد من أن يقود تحركا شعبيا لفرض القانون سواء ضد أدوات الدولة التي لا تأتمر بالسلطة الشرعية عزلا وتعويضا بشباب مؤمن بالثورة أو ضد أدوات المجتمع التي تريد أن تجعل الفئوية متقدمة على المصلحة الوطنية العامة فيصبح النقابي حكما في السياسي عكسا لمعايير الحكم الرشيد.

4-ولا بد من أن يواصل استكمال المسار الديموقراطي بالنسق الذي يتطلبه وضع دستور يمثل إرادة الشعب ويحررها من كل محاولات الانقلاب سواء بالشارع أو بالقوة الرسمية.

5-وأخيرا فلا بد من أن يخضع الحكم في المدة الباقية لمراقبته بما في ذلك تنظيم الانتخابات وتغيير قانون الانتخاب لتحريره من شكشوكة الفضلات التي جعلت الناجحين بالإسعاف بل وحتى بصدفة الجوار بين أسماء المرشحين يصبحون قادة للوطن فضلا عمن باع أهداف الثورة التي انتخب من أجلها ليصبح ممثلا لأهداف الثورة المضادة في نفس المجلس: فهم لم يخونوا الأحزاب التي رشحتهم بل هم خانوا الثورة التي باسمها تقدموا للشعب.

 

              القسم الثاني : دلالة المعايير التي وضعتها المعارضة

 

أريد اليوم أن أحدد دلالة جنس المعايير المقدمة من قبل غالبية المعارضة ومايترتب عليها بالنسبة إلى المجلس التأسيسي الذي هو السلطة الأصلية المعبرة عن إرادة الشعب إذا كنا نؤمن بأن الخيار اليوم أصبح بين النهج الديموقراطي والنهج الانقلابي على الطريقة المصرية.

فهذه المعايير كما تحددها المعارضة هي المسبار الحقيقي للنوايا القريبة والبعيدة والتي تواصل ما كان عليه السلوك النسقي من نهاية الانتخابات الأولى إلى اليوم.

فمعيار اختيار رئيس الحكومة بمنطق المعارضة تقديما منهم للبعد التقني والعلاقات العامة مع الغرب والمستثمرين يؤول إلى أمرين أولهما هو أن يكون المنتخب بالضرورة من أقاربها وثانيهما هو الاستحواذ على القسم الأهم من السلطة التنفيذية بحسب الدستور الصغير الساري حاليا. 

وهذا الاستحواذ هو الخطوة الأولى في التنفيذ المؤسسي بعد التنفيذ الشارعي سياسيا ونقابيا وأمنيا للانقلاب الذي شرعوا فيه منذ فشلهم في الانتخابات السابقة بقيادة واضحة من مافيتي عهد ابن علي المتحالفتين وممثلتين حاليا بالاتحادين والنداء والجبهة.

 

وللتذكير فالمعلوم أن بداية السابع من نوفمبر الأولى كانت حيازة رئاسة الحكومة لمدة شهر. لذلك فهم يكررونها. وقد لا يحتاجون إلى أكثر من شهر لجعل الإعلان الرسمي على بيان السابع من نوفمبر الثاني أي إن الخطوة المولية ستكون أسقاط رئاسة الجمهورية.

لكنها خطوة تتطلب تجميد المجلس التأسيسي العقبة التي لم تكن موجودة في السابع من نوفمبر الأولى. فالمجلس النيابي كان من بني وي وي بخلاف المجلس التأسيسي الذي أتمنى أن يقوم بواجبه فلا يقبل أن يصبح من يمثل إرادة الشعب يأتمر بمن يمثل إرادة فئة منه مهما كانت مهمة.

 

والمعلوم كذلك أن كلا الوجهين النقابي والسياسي ذو تركيبة تحددت بمنطق ابن علي أعني منطق الجمع بين المفسدين والمستفيدين الخمسة من الاستبداد والفساد وهو المقصود بالتجمع. ومن ثم فمكونات الثورة المضادة وبنية تكونها هما عين التجمع بمعنى التغيير الذي أحدثه ابن علي على الحزب الدستوري والاتحاد والمعارضة العلمانية في تونس لكي ينقلنا من دولة كان المرحوم بورقيبة يريدها مدنية إلى دولة مافياوية بالجوهر.

فهو قد حكم بتوليفة من:

1-أفسد ما في الحزب الدستوري.

2-وأفسد ما في اليسار.

3- وأفسد ما في الليبراليين.

4- وأفسد ما في القوميين.

5-وأفسد ما في الإسلاميين.

 

وليست المكونات وحدها هي الموروثة على ابن علي بل وكذلك بنية نظامها. فإذاكان ثالث هذه الأصناف (الليبرالي) هو القلب فهو قائد العملية سياسيا حاليا (ممثلا بالنداء) فجناحاه أي الثاني والرابع (اليسار والقومية: الجبهة الشعبية) هما قائدا العملية نقابيا في حين أن الأول والأخير (دساترة ما بعد ستة نوفمبر و الإسلام الرسمي: البقية التي يحركونها لبث الفوضى وتبريرها الديني مثل مفتي باردو) هما للزينة تماما كما كانت الحال في عهد ابن علي.

 

لذلك فلا عجب أن عاد اليسار والقوميون سياسيا والاتحاد نقابيا إلى ما كان يمنيهم به ابن على في مرحلة حكمة الأولى بعد الصدام مع الإسلاميين خاصة وقد وجدوا في ابن علي الثاني أعني السبسي ضامنا لإرباء نصيبهم من السلطة ومنافع الاستبداد والفساد بصرف النظر عن مصالح البلاد والعباد.

والمعلوم أنهم لم يسهموا في الثورة حبا في قيمها بل لأنهم شعروا أن ابن علي بدأ يفكر في حلف من طبيعة أخرى لعله مدخله كان محاولات صهره الصلح مع الإسلاميين ليضمن البقاء وخاصة ليضمن المدة الضرورية لتوريث ابنه الحكم.

لكن ابن علي الثاني أي السبسي استفاد من غضب اليسار والقوميين والاتحاد بعد الانتخابات التي قللت من نصيبهم في الحكم الذي كان يوفره لهم ابن علي فقرروا مقايضة التخلي عن أهداف الثورة والعودة إلى حلفهم القديم مع منطق الحكم كما وضعه ابن علي بعد أن وعدهم السبسي بنصيب أكبر يقدمه لهم الليبراليون أي اتحاد الأعراف وباقي مافية ابن علي السياسي أي النداء صاحبا المصلحة في الانقلاب بعد إفشال الانتقال الديموقراطي.

وبعد أن استعادوا الحلف صراحة بشكله الذي صاغه ابن علي هاهم يجندون أدواته التي استعملها للحكم أعني بعض قيادات الأمن ويسعون إلى تلهية الجيش الذي كان عصيا على التجنيد لاستكمال شروط عودة السابع من نوفمبر.

 

               القسم الأخير : التعليل أو كيف تم استنتاج ما تقدم ؟

 

إن أهم معيار يجمع عليه أغلب ممثلي المعارضة لاختيار المرشح لرئاسة الحكومة هي علاقاته الدولية وقدرته على إقناعها بمساعدة تونس. ولو صدقنا بحسن النوايا لكان كل ما يضمره هذا المعيار حول مواصفات رئيس الحكومة المنتظر هو قدرته على التسول أوبصورة أكثر صراحة بيع تونس لأن الآخرين لا يتصدقون.

لذلك فهذا المعيار يرد في الحقيقة إلى أمرين يثبتان سوء القصد والنية “المقعمزة” بفصيح العامية التونسية:

تغيير مهمة الحكومة من حكومة انتخابات إلى حكومة انقلابات التي ستعيد التحكم في أدوات القضاء النهائي على الثورة تماما كما يحصل في مصر حاليا.

وتنفيذ الشرط الأخير لإنجاح الانقلاب بالاستحواذ على السلطة التنفيذية الأساسية وتعطيل السلطتين الأخريين وإن لزم الأمر حلهما نهائيا.

تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى حتى تستكمل هذه العملية التي يمكن أن تذهب إلى تحقيق سياسة الاستئصال وتجفيف المنابع باسم محاربة الإرهاب.

 

ومرة أخرى فإن هذا العليل يبين أن ما قدمته من نتائج ليس محاكمة للنوايا بل هو استنتاج منطقي صارم لضمير أقوالهم وحججهم كما نبين هنا.

فالاحتجاج بالحاجة إلى رئيس حكومة ذي علاقات دولية معناه في الحقيقة الاستعداد لاستعمال هذه الحجج المبررة لتجميد الوضع من أجل محاربة الإرهاب المزعومة أي العودة إلى سياسة ابن علي الأولى مع الإسلاميين.

 

لم يعد المطلوب معيارا لاختيار رئيس حكومة تختم المرحلة الانتقالية. ووضع  هذا الشرط يعني اعتراف أصحابه بأنهم يريدون رئيس حكومة لمهمة غير المهمة المعلن عنها في خطة الحوار.

لم يبق المطلوب رئيسا لتحقيق التوافق وتيسير الحوار بين الأطراف التي بلغ بها التنابز حد الحاجة إلى وسيط نقابي أو لتنظيم الانتخابات التي طال انتظارها ومن ثم لإخراج البلاد من المرحلة الانتقالية بأسرع ما يمكن. إنما المطلوب أصبح رئيس حكومة يبررون اختيارهم له بالحاجة إلى تحقيق ما لم تحققه كل الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال:

الازدهار الاقتصادي والأمن المطلق.

ما يعني أنهم لايريدون تنظيم الانتخابات أصلا أو على الأقل ليس قبل إعداد الأرضية لضمان نجاحهم فيها حقا أو تزييفا.


وهاء الظاهر و جلاء الباطن 

لذلك فالخصائص المطلوبة من الرئيس حتى يكون قادرا على تحقيق التوافق وتنظيم الانتخابات في أسرع وقت مع الشروط الضرورية وغير الكافية التي يشترك فيها كل المرشحين كما بينا في بحث الأمس لا تعنيهم أصلا بل إن ما يهمهم هو الصفات التي ترضي الغرب والمنظمات الدولية عليه في المهمة الجديدة التي يضمرونها والتي حاولت وصفها في القسم الثاني.

فعلاقات المرشح الدولية حسب رأيهم ينبغي أن تكون مقدمة لأنها ستمكن من استرجاع الثقة لعودة الاستثمار. وطبعا ليس المقصود الاستثمار الاقتصادي بل الاستثمار السياسي في بضاعة محاربة الإرهاب وتجفيف المنابع تماما كمايحدث في مصر.

وطبعا فهذه الحجة مخادعة وسخيفة لو كان القصد بها ما يفهم من الاستثمار الاقتصادي. فهي حينئذ لا تنطلي حتى على أكثر الناس سذاجة وجهلا بالاقتصاد. فاستراتيجيات الاستثمار ليست أمرا تحكميا أو ذاتيا بل هي ذات مقومات موضوعية لن يغيرها زيد أوعمرو بعلاقاته بل هو يغيرها بوزنه السياسي في بلده أعني بالثقة التي تنتج عن تقدير المستثمرين لقدرته على إرجاع الأمن والاستقرار.

وإذن فهذه الحجة تعكس الأمر تمام العكس: كل الأسماء التي يقدمونها على هذا الأساس ليس لها أدنى وزن في الرأي العام الشعبي ومن ثم فلا يمكن أن تؤخذ مأخذ الجد عند المستثمرين.

 

لذلك فالقصد هو اختيار الأقدر على التسول بالتذلل للخضوع إلى شروط القوى الاستعمارية ليس من أجل تنمية مستقلة بل من أجل مقايضة الاستقلال القيمي والروحي مقابل بعض الفتات للنخبة المستبدة والفاسدة التي تنوب الاستعمار في حكم الشعوب العربية:

وذلك بالضبط معنى الخطة التي تسعى إلى تحقيقها الثورة المضادة ضد ثورة الربيع العربي.

 

لكن لو كان القصد الاستثمار الاقتصادي لكان من المسلم به أن الاقتصادي لا يهمه في استراتيجيته الاستثمارية علاقته برئيس الحكومة بل ما يعنيه هل وزن هذا الرئيس  لدى شعبه:

وكل الأسماء  التي قدموها إذا ما استثنينا من حاولنا التلميح إليه ليس لهم وزن إلا عند ابن علي ومافيته ومعارفهما في ما يسمونه بالعلاقات الدولية.

ومن ثم فهم ليسوا بوازنين لدى الشعب لعدم حيازتهم للصفات التي حددنا في بحث الأمس شرطا لثقة الشعب ومن ثم للوزن السياسي الذي يستمد أساسه من الثقة الناتجة عن الرصيد الرمزي أي من الحزم السياسي ونظافة الذمة وورع الأخلاق.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: