timthumb

اختفاء الأجهزة الأمنية و تمدّد “جنرالات المقاهي” في برامج “التوك شو” المصرية.. (مقال/ الصحفي سليم عزوز)

اختفاء الأجهزة الأمنية و تمدّد “جنرالات المقاهي” في برامج “التوك شو” المصرية.. (مقال/ الصحفي سليم عزوز)

هالني أن «الأجهزة الأمنية»، لم تتوصل حتى ساعته وتاريخه للجناة الذين استهدفوا موكب النائب العام المصري، المستشار هشام بركات، مع أنها تمكنت فيما مضى من اكتشاف أن «أيمن جاب الله» قيادي «كبير» في جماعة الإخوان المسلمين، وعضو بمكتب الإرشاد بالجماعة «الإرهابية»، وهو «الإكتشاف» الجبار الذي لم يكتشفه «جاب الله» ذاته، وهو أمر كاشف على قدرة هذه «الأجهزة الأمنية» وجبروتها!

عندما وقعت تفجيرات النائب العام، اعتقدت أن «الأجهزة»، سوف تتوصل للجناة قبل أن أقوم من مقامي هذا، أو قبل أن يرتد إلى طرفي، ما دامت «الأجهزة الأمنية» استطاعت أن تكتشف أن مدير عام «الجزيرة مباشر» من قيادات الإخوان، ويبدو أنه من فرط السرية التي أحيط بها قرار تنصيبه عضوا بالإرشاد، نسي الرجل أنه من الجماعة، قبل أن تذكره «الأجهزة الأمنية» بوضعه وبموقعه، وكأني به وقد ضرب على جبينه لحظة تذكره أنه عضو بمكتب الإرشاد، ولعله وهو يفعل هذا تمنى أن تكون «الأجهزة الأمنية» قد ذكرته بموقعه القيادي في أيام حكم الجماعة، التي كانت هي الحاكم الحقيقي لمصر، وكان الدكتور محمد مرسي ليس أكثر من مندوبها في مؤسسة الرئاسة، كما يقول خصومه، ولهذا كان هتاف القوى المدنية المتحالفة مع دولة مبارك، بسقوط حكم المرشد. وكانت «الجزيرة مباشر مصر» التي يتولى أمرها القيادي الإخواني الكبير «أيمن جاب الله» تنقل هتافاتهم، بل إن نجومها كانوا من النخبة المعارضة لحكم المرشد، من علاء الأسواني، إلى عمار على حسن!

يبدو أن مدير «مباشر مصر» كان في هذه اللحظة قد نسي ما ذكرته به «الأجهزة الأمنية» من أنه عضو بمكتب الإرشاد بالجماعة، ولو تذكر هذا والجماعة في الحكم لأمكنه من أن يصدر تعليماته للجهات المعنية، بإنهاء إجراءات الترخيص لعمل قناة «مباشر مصر» من القاهرة، وليس لها حينئذ ألا أن تسمع وتطيع، وقد قال الانقلابيون أن الاقتحام لمقر القناة بالقاهرة، في ليلة الانقلاب العسكري، لأنها تبث إرسالها بدون الحصول على الترخيص قانوني!

خطيرة «الأجهزة الأمنية» في اكتشافاتها، وتذكير الناس بمواقعهم الحزبية التي نسوها، وعليه يمكن أن استيقظ يوماً فتذكرني هذه «الأجهزة» بما نسيت، وهو أنني قائد الحركة الوطنية للتحرر الوطني «حدتو»، وساعتها سوف أضرب بيدي على أم رأسي عندما أتذكر هذا!

الأجهزة الغاضبة عليّ

ما علينا، فقد كانت هذه المرة الثانية التي أسمع فيها اصطلاح «الأجهزة الأمنية» مجتمعة، وكانت المرة الأولى عندما صدر قرار تعيين «إبراهيم عيسى» رئيساً لتحرير جريدة «صوت الأمة»، وقد اقترح زميلنا الصحافي في الجريدة «عبده مغربي» على رئيس مجلس إدارتها، الراحل «عصام فهمي»، اسمي من بين كتابها، وقد رد «عيسى» بأن «الأجهزة الأمنية» كلها ضدي، وأخبرني «مغربي» بما جرى وكان وقتها شاباً بريئًا وهو في ذهول، ليس لأن المناضل الثوري، ينصاع لموقف «الأجهزة»، ولكن لأنه عرف بموقفها وهذا ليس له إلا معنى واحد وهو أن يكون على اتصال بها!
بينما شغلتني أنا المعلومة، إذ كنت اعتقد أن «جهازاً أو «جهازين» قد يكونا ضدي، أما باقي الأجهزة فليست مشغولة بي، لكن كل «الأجهزة الأمنية»؟! فقد أشعرني هذا بالإحساس بخيبة الأمل، راكبة جمل، وعبرت عن هذا الإحساس في مقال لي حمل عنوان «عندما هنج الزعيم»، كتبته بمناسبة حالة الفزع التي انتابت «عيسى» بعد صدور حكم بحبسه شهرين، لأنه نشر أن «مبارك مريض»، وهو ما جرى اعتباره إهانة لرئيس الدولة، وقد استنجد «عيسى» بكل الأطراف في سلطة مبارك، طالباً العفو، إلى أن ناله، كرمًا وعطفًا من «الأب الحنون»!.

الجديد، الذي وقفنا عليه، بعد الإعلان عن «الخلية الإخوانية» ومن بينها القيادي في الجماعة «أيمن جاب الله»، أن هذه «الأجهزة الأمنية» بينها تحالف، يقبل في إطاره ما ذكره عيسى من أنها غاضبة علي، وذلك في عهد مبارك، وربما رضيت عني الآن.

الاجتهادات العبقرية

وكل ما سبق ليس هو الموضوع، فما يشغلني أنني كنت أعتقد بعد اكتشاف حالة الاندماج الأمني هذه، أن المندمجين، سيتوصلون في سرعة البرق للجناة الذين اغتالوا النائب العام، ولا يتركوا الأمر لجنرالات المقاهي، الذين أوقف قرار حظر النشر في القضية، اجتهاداتهم العبقرية حول الحادث، وما أن يتكلم أحدهم حتى أهتف في البرية، آن لابن عزوز أن يمد قدميه! الانقلاب أوجد دوراً لجنرالات المقاهي المتقاعدين، إذ يجري استضافتهم فضائيًا بلافتة «الخبير الأمني»، فيقف المرء على ضحالة القوم، وكان الخبراء الأمنيون المعتمدون لدى وسائل الإعلام يعدون على أصابع اليد الواحدة، ففي المجال الشرطي يوجد ضابط أمن الدولة المتقاعد «فؤاد علام». وفي الأمور العسكرية، هناك «صفوت الزيات»، و«عبد الحميد عمران»، و«عادل سليمان»، وبدرجة أقل «محمد علي بلال» الذي استمد قيمته من الأساطير التي أحاطت بدوره عندما كان قائدًا للقوات المصرية في حرب تحرير الكويت، والتي بددها بقراره الذي تراجع عنه بخوض الانتخابات الرئاسية بعد الثورة، فعندما كان يتكلم لم يكن هو هذا القائد العسكري الأسطورة، بالشكل الذي رُسم في أذهان العامة!
يعجبني في «الزيات» احترامه لنفسه وحرصه على التمسك برتبة «العميد»، وأذكر أنه لهذا عندما شاهدته عبر قناة «الجزيرة» يحلل المعركة التي نشبت بين حزب الله وإسرائيل ويقدم برتبة «العميد» ظننت أنه لبناني، فلا يوجد عندنا في مصر، من يقدم تلفزيونيًا برتبة أقل من «اللواء» وفي سنه، حتى من يخرج من الخدمة في الرتب الأدنى فإنه يرقي نفسه مع دفعته، فيصبح نجم الشاشات الآن «اللواء» محمود زاهر، مع أنه خرج من الخدمة رائدًا، ولا توجد جهة مشغولة باحترام «الرتبة العسكرية» يزعجها هذا فتعمل على وقفه.

ربما لأن الانقلاب في ضعف جعله يقبل بفكرة استباحة هذه الرتب، مقابل أن يدافعوا عنه عبر برامج «التوك شو» التي يشاركون فيها!. وقديمًا وقبل الانقلاب كان لا يُسمح بنشر الرتبة العسكرية للمتقاعدين، وأذكر أنني تلقيت اعتراضاً من جهة عسكرية على قيام جريدة «الأحرار» بنشر توقيع «اللواء أركان حرب» صلاح الرفاعي، و»اللواء» محمد شبل، مقالاتهما بالرتبة، وبعد أخذ ورد ، وأمام رفضهما التخلي عنها، تمت الموافقة على مضض، على كتابة «متقاعد» بجوار الرتبة، وقد حلا هما الإشكال باستبدال الكلمة بالحرف «م»، باعتبار أن القارئ لن يعرف ماذا يعني، وربما اعتقد أنه رتبة عسكرية مضافة، أو أنه حرف زائد مرده إلى خطأ مطبعي!

حكم سيف اليزل

الآن تحولت برامج «التوك شو» في فضائيات «عبد الفتاح السيسي» إلى «وحدات عسكرية»، من كثرة الضيوف العسكريين، وترديد الرتب، ولا توجد رتبة على الشاشة أقل من «لواء»، وفي ظل مناخ العسكرة الحاكم، من الطبيعي أن تعسكر الفضائيات، ليصير نجم الموسم الفضائي «اللواء» سامح سيف اليزل، وهو «لواء م»، لكنه المعبر عن الحكم، وتجري استضافته ليتحدث عن أمور في كواليس النظام، وكثيراً ما يعلن هو وليس المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، القرارات قبل إعلانها والتوجهات غير المعلنة، بدون أن تكون له صفة رسمية إلا انه «صديق السيسي»!

مبارك أعلن أن ابنه يساعده في الحكم كما يساعد أي ابن أبيه، على النحو الذي ذكره القيادي السابق في الحزب الوطني المنحل «حسام بدراوي» في مقابلة تلفزيونية مع «يسري فوده» في برنامجه المتوقف على قناة «أون تي في»، ويبدو أن السيسي ليس له ابن متفرغ فاستعان بصديقه المتقاعد ليساعده، وللصاحب له على صاحبه ثلاث، الأولى والثانية، أن يساعده إذا حكم، وربما تأثر السيسي ببرنامج «من سيربح المليون»، وخيار الاستعانة بصديق!

في جريمة اغتيال النائب العام، لم تتوصل «الأجهزة الأمنية» للجناة، وليس هذا فحسب، ولكنها لم تملك المعلومات التي تقدمها لبرامج «التوك شو» ليتم نقلها للرأي العام، فجاء أداء (عساكر المراسلة) مقدمي هذه البرامج متخبطًا ومتضارباً حتى في كمية المادة المستخدمة في المتفجرات، والتي تراوحت بين مائة، وأربعمائة، وخمسمائة كيلو جرام، قبل أن يظهر «الخبير العسكري المشير م» عبد الفتاح السيسي في اليوم التالي ليحدد الجاني، فتعليمات القتل تصدر من القفص في إشارة لـ «هرشة» الرئيس محمد مرسي أسفل ذقنه والتعامل مع «الهرشة» على أنها إشارة الذبح. مع أن مقدم برامج وثيق الصلة بالسيسي قال إن الجاني «ضابط م» في سلاح الصاعقة ومن خير أجناد الأرض، مما يجعل من زيت قائد الانقلاب في دقيقه!
عندما تسمع للسيسي في الوضع محللاً عسكرياً، فسوف تتداخل صورته مع صورة «توفيق عكاشة»، فلا تعرف من فيهما «عكاشة» ومن «عبد الفتاح»؟ فهما كما يقول المثل المصري «فولة وانقسمت نصفين»!.

الأداء الفضائي الهستيري أنتج مسخرة ربما لا وجود لها إلا في فضائيات الثورة المضادة، عندما يعلن أحد الخبراء الأمنيين عبر قناة «صدى البلد» أن المادة المستخدمة في التفجيرات، لا تنتجها سوى إسرائيل. وعندما تذكر إسرائيل المؤيدة للسيسي بالباع والذارع، لا بد من أن تذكر قطر. فبحسب هذا الخبير الجهبذ أن السيارة التي انفجرت في موقع الحادث لا يمكن أن تتسع لهذه الكمية من المتفجرات، التي قال إنها أدخلت من قطر في حقيبة دبلوماسية.. وهكذا لا تتسع سيارة لكمية المتفجرات واتسعت لها حقيبة الدبلوماسي القطري! كما أنني لا أعرف سبب عدم توصل «الأجهزة الأمنية» للجناة في حادث مقتل النائب العام، فلا أعرف كذلك في أي مصحة للأمراض العقلية كان ينزل كثير من الخبراء الأمنيين قبل تتم الاستعانة بهم تلفزيونيًا.

إنهم يهينون العسكرية المصرية، و منعهم من المشاركة في البرامج التلفزيونية ضرورة وطنية، حتى لا نكون مسخرة أمام الأمم!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: