ارتياح اسرائيلي لاتفاقية الإطار لنزع السلاح الكيمياوي

* أطلس للدراسات

شكل التفاهم الروسي الأمريكي الذي توصل إليه الطرفين نهاية الأسبوع الماضي المتعلق بنزع السلاح الكيمياوي الروسي وما تلاه لاحقاً أول أمس من اتفاقية إطار تحدد آليات وجدول زمني لتنفيذ التفاهم الذي تم بموجبه إنزال أوباما عن شجرة العدوان؛ شكل في اسرائيل مادة حيوية تتسم بالبعد الاستراتيجي على المستويين السياسي والأمني، تناولها بالتصريح عدد من قادة دولة الاحتلال، وبالتحليل عدد من المحللين والكتاب الذين اتفقوا جميعاً الترحيب به باعتباره ينزع فتيل تهديد استراتيجي طالما أرق إسرائيل، لا سيما في ظل اندلاع الحرب الأهلية السورية وخشية الاحتلال من تسرب بعض هذه الأسلحة لبعض التنظيمات المسلحة، ترحيب كبير صدر من أكثر من مسؤول (ليبرمان، شتاينتس، سلفان، شالوم، بيرس)، وكتبت عنه صحيفة “هآرتس” في افتتاحيتها مطالبة الاسرائيليين بالتقدم بالشكر الكبير لجون كيري.

ترحيب مصحوب بإثارة الكثير من المخاوف والشكوك وقلق حيال تأثيره على الملف النووي الإيراني، فالاتفاق كما يقولون جيد كثيراً، لكنهم يرهنون حكمهم النهائي عليه بنجاح أمريكا في إلزام الأسد بتطبيقه، فالعبرة من الاتفاق بالنسبة لهم هي في اختبار النتائج، وهنا يبدأ الترحيب المبدئي بالخفوت لصالح الأصوات المشككة والقلقة من قدرة الأسد والروس بالتلاعب والتهرب وكسب الوقت، وتفويت فرصة العدوان الامريكي الذي فقد الكثير من زخمه، ومن العزيمة الأمريكية التي كانت تحث عليه.

يقول حيمي شيلف المراسل السياسي لصحيفة “هآرتس” في نيويورك ان الاتفاق أشبه بنصف كأس من الماء، لكن اسرائيل تميل دوماً كعادتها للنظر الى النصف الفارغ، اسرائيل التي بنت ترسانتها العسكرية وسياساتها وفق أسوأ السيناريوهات، ويسكنها التشاؤم والشكوك الدائمة حيال نوايا الآخرين لا تغفل للحظة عن ممارسة عقيدتها العدوانية في التحريض والتشكيك، وممارسة المزيد من الضغوط بهدف تعظيم أرباحها الى الحدود القصوى، فشهيتها للابتزاز تتعاظم مع ظهور مؤشرات ضعف الطرف الآخر، لذلك تسارع اسرائيل في تقديم معلوماتها الاستخبارية الخاصة بترسانة سوريا غير التقليدية وأماكن تخزينها وتصنيعها الى أمريكا وللمنظمات الدولية متعمدة المبالغة في التقديرات، محذرة من محاولات نظام الأسد نقل بعضها الى حزب الله أو العراق أو اخفاء بعضها الآخر داخل سوريا، مشتكية من أن اتفاقية الإطار تخلو من الأنياب المهددة من محاولات التلاعب السورية، فتقول صحيفة “يديعوت” عبر كاتبها رون بن يشاي ان العقوبات تحت الفصل السابع التي أعلن عنها كيري أثناء لقاءه لافروف مرهونة بقرار من مجلس الأمن الذي يملك الروس فيه حق الفيتو، ويؤكد أن الروس الذين وافقوا على تبني اجراءات عقابية في حال عدم التزام الأسد بتنفيذ الاتفاق أكدوا أن الاجراءات لا تتضمن عملاً عسكرياً.

هذا فضلاً عن الارتياب الذي لا يخفونه حيال النوايا الروسية في ظل ضعف وتردد إدارة أوباما، ويتساءلون كيف يمكن الوثوق بالنوايا الروسية التي لا زالت تحث الخطى نحو وضع نفسها كدولة عظمى، تتوسط في النزاعات الدولية وفى نفس الوقت تحاول أن تملأ الفراغ الناتج عن التقلص المستمر للنفوذ الأمريكي في المنطقة، وستظل مخلصة لصديقها الأسد، وقد تساعده ليس فقط على التهرب من نزع كل أسلحته، بل وعلى انتزاع تأييد دولي صامت ربما لبقاء نظام الأسد، والحد من دعم الغرب للمعارضة سياسة وتسليحاً.

مع كل ذلك؛ فإن اسرائيل تصلي لأن ينجح المجتمع الدولي حقاً في نزع كل أسلحة سوريا غير التقليدية، الأمر الذي يعتبر بحد ذاته انجازاً كبيراً حصلت علية اسرائيل كهدية من السماء، أو كما يقول أحد الكتاب الاسرائيليين كمن يربح ورقة اليانصيب دون حتى أن يدفع ثمن شراء بطاقة السحب، برغم أن عينها على ما هو أكثر من ذلك.

 

الصلة الإيرانية

أما البعد الآخر في القراءة الاسرائيلية للتفاهم الروسي الأمريكي وأكثر منه ربما للموقف الأمريكي من الأزمة السورية فيكمن في الصلة الإيرانية، كيف سينسحب أو يؤثر كل ذلك على الملف النووي الإيراني الذي يقترب من تجاوز الخط الأحمر حسب التوقيت الاسرائيلي المحدد بربيع 2014، وفى هذا الشأن فإن تصريحات نتنياهو يوم الجمعة المنصرم في احتفال للبحرية الإسرائيلية، كذلك أقوال وزير الحرب يعلون في ذات الاحتفالية هي أبلغ تعبير عن التقدير الاسرائيلي للسياسة الامريكية، نتنياهو الذى حافظ على صمته حيال اتفاقية الاطار الروسية الامريكية عبر عن بالغ شكوكه بنتائج السياسات الأمريكية عندما اكتفى باستخدام تعبير تلمودي (أم أنا لست لي فمن لي)، وعاد وزير الحرب وكرر نفس القول ولكن بعبارات أخرى، وفى اسرائيل يترجمون هذا القول بأنه حان الوقت لعدم الاعتماد على الآخرين، لا سيما في القضايا المصيرية (النووي الإيراني)، وتحديداً عندما يكون الآخرين من الطراز الأوبامي المتردد المنكفئ الى الداخل، الذي يمقت الخروج لحروب لا تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي.

مبدأ الاعتماد على القوة الاسرائيلية في ردع الإيرانيين، كان نتنياهو قد تبناه منذ ولاية أوباما الأولى في فترة حكومة نتنياهو السابقة، لكنه في ذلك الوقت لم يحصل على التأييد الكافي لهذا التوجه لا داخل الكابينت ولا من قبل القيادة العسكرية، حيث كان أشكنازي ودغان وديسكين يعارضون، اليوم وبعد ما ظهر من سياسات أمريكية تنم عن ضعف وتردد كما يعتقد الإسرائيليون، فإن مبدأ نتنياهو أصبح أكثر قبولاً وشعبية، ويبدو أنه بات محسوماً من قبل القيادة الصقرية داخل الكابينت الأمني السياسي، على الرغم من أن ثمة أصوات مهمة لكنها محدودة وغير مؤثرة ترى في الاتفاق الروسي الأمريكي، وفى التهديد الأمريكي باستخدام القوة، وما نتج عنه من موافقة الأسد على التخلص من سلاحه الكيمياوي؛ ترى فيه نقطة ضوء ايجابية تبعث على التفاؤل بأن ينسحب الأمر نفسه على الملف الإيراني، وهذه الأصوات تستند الى أن العلاقات الروسية الأمريكية تدخل بهذا الاتفاق مرحلة جديدة عنوانها التعاون وتبادل الثقة، التعاون في معالجة الأزمات الدولية بما لا يهدد السلامة الدولية، وتبادل الثقة محل شكوك عودة الحرب الباردة.

عن مبدأ نتنياهو بالاعتماد على القوة الذاتية في الملف الايراني الذي بات أكثر رسوخاً في الوعي السياسي الرسمي الإسرائيلي، يقول أفيف دروكر المعلق السياسي للقناة العاشرة انه يعتقد أن نتنياهو حسم أمره في هذا الاتجاه، وانه يتوقع أن يخاطب نتنياهو إدارة أوباما في المستقبل القريب (اننا لا نريد منكم أن تقوموا بقصف المفاعلات في إيران، فنحن سنقوم بذلك، لكننا لن نعفيكم من مسؤوليتكم تجاه تزويدنا بكل ما يلزم من تجهيزات وأسلحة ومعلومات، وتقديم كل ما يلزمنا من مساعدة).    

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: