mohamed-hnid-le-livre-noir-a-ete-fuite-de-l-imprimerie-officielle

ارفعوا أيديكم عن المملكة.. (مقــال/ الباحث التونسي محمّد هنيد)

تخوض مجموعة من الدول العربية بقيادة “المملكة العربية السعودية” حملة إقليمية في اليمن، هدفها المعلن “إيقاف زحف المليشيات الحوثية” التي نجحت عبر تخطيط إيراني وتواطؤ الرئيس السابق علي عبد الله صالح في السيطرة السريعة والمباغتة على مؤسسات الدولة ورموزها السيادية.

لكن هذه الحرب -وككل التحركات الكبرى في المنطقة- تثير من غبار الأسئلة والمواقف ما يستوجب القراءة في ضوء تجارب سابقة وتدخلات قديمة في المنطقة ما زالت آثارها متواصلة، وهي لم تُتم بعد حركتها النهائية خاصة أننا نشهد للمرة الأولى تقريبا لحمة في قرار الصف العربي الرسمي.

هذه اللحمة ولو كانت نسبية فإنها تؤشر على وجود وعي جديد بالأخطار المحدقة بالأمة وبقلبها النابض جغرافيا وتاريخيا وعقائديا ولسانيا، أي منطقة الخليج العربي، بعد تآكل الأطراف وبلوغ نيران الفوضى والعنف أجزاء متباينة من الجسد العليل.

منطق الحملة العسكرية

الحملة العسكرية كانت ضرورية بعد أن استُنفدت كل الوسائل الدبلوماسية والوساطات في إقناع الحوثيين بالعدول عن برنامجهم الانقلابي على الدولة ورئيسها الشرعي وعلى الثورة اليمنية. “العاصفة” رد مباشر وحازم على التمدد الإمبراطوري الفارسي وعلى الزحف بالوكالة لخيوط المشروع الإيراني في الأرض العربية وداخل الفراغات الكبيرة التي كشفها زلزال الربيع العربي ودفعها من العمق إلى السطح.
عملية “إعادة الأمل” هي أيضا حركة إستراتيجية دقيقة تمنع الانزلاق في مواجهات استنزافية لا تنتهي وتمهد لعمليات الإغاثة وإعادة الإعمار، وهي في نظرنا أهم الخطوات التي يمكنها أن تمنع التمدد الإمبراطوري الخارجي في بلد فقير جدا كاليمن.
إن شن حرب استثمارية ضخمة في اليمن وبناء تحالف عربي لقصفه بالمشاريع التنموية يعادل آلاف الحروب الاستباقية، ويغلق الباب نهائيا أمام الفرق التوسعية الجوالة في المشرق العربي.

لكن المفاجئ هو حجم المواقف التي صدرت عن جهات عربية -للأسف- والتي استعادت ترسانة الاتهامات القديمة لدول الخليج العربية وخاصة للمملكة السعودية من أجل تغطية المشروع الإيراني التوسعي في المشرق العربي، وقد عبّر عنه صراحة وبكل صلف قادة إيرانيون مبشرين بغزو جزيرة العرب واحتلال “مكة” و”المدينة”.

هذه المواقف العربية من “العاصفة” هي هدف هذه القراءة السريعة، لأن مواقف الإمبراطوريات الإقليمية تكاد تكون كلها متناغمة مع مصالحها التوسعية وكذلك مواقف نُخبها ومراكز البحوث والمنصات الإعلامية المرتبطة بها، سواء الإيرانية أو التركية أو الصهيونية أو غيرها، رغم تناغم الموقف التركي مع الموقف العربي، لكنه تناغم حاصل لغير الأسباب التي يقوم عليها موقف العرب الوجودي من التمدد الإيراني.
الخلاصة الأولى إذن هي توحد حركة الدول المتمددة في المشرق العربي مع موقف نُخبها مقابل تشرذم موقف النخب العربية المخترقة وانقسامها تجاه الحركة المجابهة لهذا التمدد.

إن أزمة المواقف العربية -سواء الرسمية منها أو غير الرسمية- توحي باختراق كبير لا يقل خطرا عن الاختراق الحاصل على الأرض من قبل التمدد الإمبراطوري المتسارع في المشرق اليوم. هذا تمدد نقله إلى السطح الانفجار الكبير الذي عرفه ريف تونس الفقير يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، ومجمل الرجات الارتدادية التي أعقبته وأحدثت في المنطقة تغيرات جوهرية ما زالت متواصلة.

قراءة في المواقف العربية
المواقف العربية في مجملها تقع بين مؤيد صريح ومطلق “لعاصفة الحزم” ومندد صريح ومطلق بها، وكلا الفريقين يعبر عن وجهة نظر لها مرتكزاتها السياسية أو الأيديولوجية أو حتى المذهبية الطائفية. بالنسبة للمواقف الداعمة مطلقا فقد كانت أهم المآخذ عليها عدم وعيها بمخاطر الانزلاق إلى حرب استنزافية تغرق الخليج العربي كله، لكن الإعلان عن نهاية العاصفة وبداية عملية “إعادة الأمل” أسقط المأخذ الوحيد الذي كان قائما على الحملة المواجهة للتمدد الإيراني في اليمن.

أما المواقف الرافضة للتدخل والمنددة به فتبني رفضها على معطيين أساسيين: المعطى الأول إنساني محض ويقوم على اعتبار الحالة الاجتماعية والاقتصادية للمواطن اليمني الذي لن تزيده هذه الحرب إلا تدهورا، وهو الاتجاه الذي ذهبت إليه العديد من المنابر الإعلامية العربية أو الناطقة بالعربية.

أما المعطى الثاني فسيادي محض ويقر بعلوية مبدأ السيادة الوطنية، وأن ما حدث في اليمن شأن داخلي يخص اليمنيين دون غيرهم ولا دخل للعرب فيه، وهو موقف يستند إلى عجز العرب عن التدخل في فلسطين في حين يهرولون إلى اليمن والقدس أولى من صنعاء، بحسب قراءتهم.

المعطيان موضوعيان لكن قراءتهما واقعةٌ خارج سياق الفعل وخارج واقع الحركة والتهديد الإمبراطوري الفارسي، لأن المعطى الإنساني -على كارثيته- لا يختلف عن الوضع المصري والعراقي والليبي أو السوري من ناحية، وقد سببته من ناحية أخرى جرائم الحوثيين في المناطق التي مروا بها وعبر انقلابهم على الشرعية بتوجيه وتسليح إيرانيين. الوضع الكارثي في اليمن ليس جديدا وهو كذلك في كل المنطقة منذ عقود، وخاصة في البقاع التي شملتها نسائم الربيع العربي.

أمام هذا الوضع كان خيار القوى المعادية للثورات هو تحويل موجة التغيير لصالحها ولصالح أجنداتها، بل يمكن القول -بناء على التجارب السابقة في سوريا والعراق ولبنان- إن تمدد القوى الإيرانية الناعمة يؤدي إلى أسوأ الكوارث الإنسانية في حالات بلوغها السطح والانكشاف بسبب الرجات المفاجئة كثورات الربيع العربي. فمهما بلغت نتائج التدخل العربي في اليمن فإنها لن تكون بحجم الكوارث والمآسي التي يحدثها التدخل الأجنبي في الأرض العربية، كما هو الحال في العراق و سوريا حيث ترتكب المليشيات الإيرانية ووكلاؤها أبشع الجرائم في حق أهل الأرض هناك.

أما مبدأ السيادة موقفا تحليليا فإنه لا يأخذ في الاعتبار الغزو الإيراني الأخير لليمن عبر ما زرعه من الخلايا النائمة والأذرع المتحركة في مفاصل الدولة والإدارة وبعد نجاح المخابرات الإيرانية في تطويع جزء كبير من القوى الأمنية والعسكرية للدولة اليمنية لصالحها -كما فعلت في العراق- سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، عبر الاستئثار بآليات التحكم في العناصر الموالية للرئيس المخلوع علي صالح، صلب الجيش والشرطة.

ثم من جهة أخرى أليس الإقرار بمبدأ السيادة اليمنية إقرارا ضمنيا باتفاقية سايكس بيكو 1916 وبحدود الدولة الإقليمية وحق المبادرة العربية في التدخل عندما يكون الخطر خارجيا وفي الحدود الممكنة التي يسمح بها منطق التوازن الإستراتيجي والعسكري في المنطقة العربية؟

أين السيادة العراقية اليوم وقد تسلمت طهران العراق وأعلنت في صلف إمبراطوري أن عاصمة الرشيد هي عاصمة الإمبراطورية الفارسية الجديدة الملتحفة برداء التشيع؟ أين السيادة السورية حيث لم يستفد من جرائم النظام الطائفي في الشام غير الكتائب الإيرانية التي تدير ما بقي من حيز النظام، وقبلها في لبنان حيث خرجت ولاية الفقيه منتصرة من الحرب الأهلية التي دمرت الكيان اللبناني ومزقت نسيجه المجتمعي كما نرى اليوم.

خاصية الغزو الإيراني خاصة -والغزو الثقافي عامة- هو أنه يستهدف دائما العمق الأعمق في المجتمع والدولة، أي بنية النسيج الاجتماعي والفكري وكل الآليات التعبيرية المرتبطة به، عن طريق تفعيل أقصى للفروق الاجتماعية والثقافية الطبيعية بين المكونات الكبرى للوطن الواحد، واختراق أنسجتها البينية المركزية، ومن ثم تحويل خصائص التنوع الطبيعية والضرورية في كل كيان اجتماعي إلى فوارق حادة عبر تضخيمها وتضخيم نتوآتها إلى حد التصادم، وهو الجوهر الفيزيائي لمبدأ الفوضى.

نحو بداية النهوض

تحليليا لا تصمد أهم مرتكزات الخطاب المندد بالتدخل العربي في اليمن وما يخفيه من خطاب متحامل على المملكة السعودية اليوم، خاصة مع التحول الجديد في دفة القيادة، حيث تجمع مؤشرات كثيرة على ارتباط الملك الجديد بالإرث السياسي المؤسس للمملكة ممثلا في النهج الإقليمي والدولي والعربي للملك فيصل رحمه الله.
حركة التشبيب الأخيرة في هرم السلطة توحي كذلك بثورة تنفيذية ضخمة تستدرك مجمل الفرص التي أضاعتها سابقا دولة بحجم المملكة العربية السعودية، بل إنها حركة تنسخ خيارا ثوريا جديدا دشنه الأمير الوالد حمد بن خليفة في دولة قطر عندما سلم السلطة إلى شاب في مطلع الثلاثينيات من العمر، محدثا رجة كبيرة في قلب الممارسة السياسية الرسمية لدول مجلس التعاون وللمنطقة العربية جملة.
أما الاتهامات القديمة ذات الأصول الاستشراقية الكلونيالية للمكون العربي الخليجي فتتنزل -حسب هذه القراءة- في إطار الخطة القديمة لمحاولة فصله عن المكون المشرقي عامة بجناحيه المصري والشامي، أو عزله نهائيا عن المكون المغربي، وهي محاولة تستثمر بشكل كبير “مبدأ المرآة” القائم على رسم صورة شديدة القتامة للإنسان العربي عن نفسه وعن أمته وعن وعيه بتراكم الهزائم تاريخيا وغياب الانتصارات التي يوهمنا الغير بأنه يقوم بها لصالحنا.
الأمة تُبعث اليوم من جديد، والساعةُ ساعة مخاض، والآلامُ آلام الوضع، والركامُ ركام إعادة البناء من أنقاضه، يولد اليوم وعي عربي جديد بالإنسان وبالعالم، وعي يفرز الصديق من العدو، وهو الذي على أساسه ستتشكل ملامح المرحلة القادمة من غبار معارك المرحلة الحالية.

فليس مطلوبا غير وضع النزاعات العربية العقيمة جانبا، وفصل الأيديولوجي عن الوجودي بالنسبة للعرب ولأبنائهم، فالمعركة اليوم معركة وجودية مصيرية للأجيال القادمة وليست معركة أيديولوجية. فلن ينتصر طرف عربي على طرف عربي آخر أبدا، لأننا إن لم ننتصر معا فلن ترحمنا حسابات التاريخ ولن تغفر لنا ذاكرة الأجيال القادمة.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: