استراحة قهوة: السيقان تركل الرأس ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله )


منذ ظهوره كان نداء تونس يبدو -وقد كتبتُ هذا- تحالفا يقوم فيه “الدساترة أو التجمعيون بدور السيقان، بينما يقوم اليساريون بدور الرأس” (جريدة الحصاد الأسبوعي، ع 54، 25 سبتمبر 2012). ونعرف بعد ذلك الدور “التاريخي” الذي قام به هذا اليسار في عودة المنظومة القديمة، وأعانهم على ذلك بعض اليسار الآخر، شيء في النقابة، وشيء في القضاء، وشيء في الإعلام، وشيء في المحاماة وشيء في الإدارة، وأشياء أخرى هنا وهناك. ومن بين كل تلك الأشياء لن ننسى لهم ما قاموا به بواسطة ماكينة اتحاد الشغل مثلا، والذي تهيمن على مكتبه التنفيذي أحزاب يسارية بما فيها مكونات الجبهة الشعبية وغيرها.

بمعنى أن المرء لم يكن يرى آنذاك إلا أعناق الكومبارصات الواقفين في طريق العودة، وكانوا يتحركون في تناسق عجيب حتى عبرتُ آنذاك عن “الخشية (من) أن يحدث تدافع نحوهم [أي نحو التجمعيين]، وتمتد إليهم أيادي الغوث من كل حدب وصوب، وهو ما يحسّن موقعهم وموقفهم، ولا شك أنهم عندئذ سيفضلون القوي على الضعيف” [جريدة الضمير، 19 أفريل 2012]. وبالفعل بعد أن كبر نداء تونس في قماطة اليسار، فضل التقارب مع النهضة على أن يبقى رهين مزية اليسار عليه، بحيث أن النهضة استكملت في الأخير الدور الذي شرع في إنجازه اليسار ونجح مرحليا في القيام به أيما نجاح. بمعنى أن المقدمة لم تكن ذات نهاية سعيدة، حيث بقية الحكاية ذات ثلاثة مشاهد تم خلال كل واحد منها تفكيك دائرة يسارية كانت متحالفة مع نداء تونس:

الأولى، هي جبهة الإنقاذ الوطني التي تكونت غداة استشهاد الحاج محمد البراهمي، حيث كانت تضم -إضافة إلى أطراف أخرى- كلا من نداء تونس ومكونات الجبهة الشعبية وقد بلغ تقارب تلك المكونات أوجه خلال اعتصام الرحيل في باردو، إلا أن العرى انحلت مبكرا نسبيا حتى لم يعد هناك اليوم من يتكلم عن تلك الجبهة.

الثانية، هي الاتحاد من أجل تونس، وقد بدأ أمره في التفكك مع انسحاب الجمهوري، في حين تشبثت به إلى جانب نداء تونس الأحزاب اليسارية الثلاثة: الحزب الاشتراكي اليساري (محمد الكيلاني) وحزب العمل الوطني الديمقراطي (حزب العود) والمسار (الحزب الشيوعي سابقا) طمعا في رد الجميل التجمعي، إلا أن النداء كان جشعا فصفعها دفعة واحدة.

الثالثة، وهي هذه المرة في قلب النداء، وها الأخبار تتحدث عن استقالات بعض عناصره القيادية اليسارية. وسواء كان ذلك منهم ابتعادا أو استبعادا فالأمر يبدو مكملا لمسار كامل، وهو بالتالي مآل طبيعي لهم. السيقان تركل الرأس. هذا ما سيكتبه التاريخ. والله غالب على أمره.

وبعد، سيكتب سيناريو الشريط الوثائقي أن دور الكومبارص لعبه هذا اليسار وبامتياز أيضا لكأنه تقمص دور بطل حقيقي. كومبارص الحلقات الأولى. إلا أن كل ذلك يتبين اليوم أنه لم يكن إلا فصلا في مسلسل، وإذ يدور الحديث عن كمال مرجان كخيار أمريكي لرئاسة الجمهورية الثانية، فإن قايد السبسي نفسه هو مجرد كومبارص في ماراطون شارع الجمهورية بقرطاج. ولست أدري أي مشاعر يتقاسمها الآن أصدقاؤه في بناء تجمع نداء تونس بعد أن تبين لهم أن الكل كومبارص.

محمد ضيف الله

14 جويلية 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: